الإثنين، 26 أكتوبر 2026
12:30 ص
الرئيس جمال عبدالناصر في الطفولة
لم تبدأ حكاية جمال عبد الناصر مع السياسة من قصر الرئاسة، ولم يكن طريقه إلى قيادة مصر مرسومًا منذ طفولته؛ فقبل أن يصبح رئيسًا للجمهورية، كان طالبًا يتنقل بين المدارس، وفتى يقترب من عالم الصحافة عبر مجلة مدرسية، ومتطوعًا في مبادرة وطنية لدعم الصناعة المصرية، وممثلًا يقف على خشبة المسرح متقمصًا شخصية يوليوس قيصر.
وفي سنواته المبكرة، لم تكن هذه التفاصيل مجرد محطات عابرة في حياة طالب، بل شواهد على اهتمامات تشكلت قبل أن يتصدر المشهد السياسي بسنوات طويلة؛ من الكتابة والتمثيل إلى المشاركة في العمل الوطني، وصولًا إلى مظاهرات نوفمبر 1935 التي أصيب خلالها في جبينه، في واقعة وثقتها الصحافة المصرية آنذاك.
وتكشف وثائق ومحطات من حياته المبكرة عن جوانب أقل تداولًا من سيرة الرئيس الراحل، وتعيد رسم صورة الفتى الذي سبقت خطواته الأولى في المدرسة والمسرح والشارع السياسي سنوات وصوله إلى الحكم.
في 15 يناير 1918، وُلد جمال عبد الناصر حسين في منزل رقم 18 بشارع قنوات، في حي باكوس بالإسكندرية، لأبيه عبد الناصر حسين، الموظف بمصلحة البريد ووالدته فهيمة محمد حماد، وكان الابن البكر للأسرة قبل أن يصبح اسمه لاحقًا أحد أكثر الأسماء حضورًا في التاريخ السياسي المصري والعربي.

بدأ جمال سنواته الأولى في الإسكندرية، فالتحق بروضة أطفال في منطقة محرم بك، ثم انتقل عام 1923 إلى المدرسة الابتدائية في الخطاطبة بمحافظة المنوفية، حيث انتقلت الأسرة بسبب ظروف عمل والده.
وفي عام 1925، انتقل إلى القاهرة والتحق بمدرسة النحاسين الابتدائية في الجمالية، وأقام لدى عمه خليل. وخلال تلك الفترة، فقد والدته، وهي خسارة تركت أثرًا في حياته المبكرة، قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية عام 1928 لاستكمال دراسته بمدرسة العطارين، ويقيم مع جده لأمه.

وتواصلت انتقالاته بين المدارس، فالتحق بالقسم الداخلي بمدرسة حلوان الثانوية، ثم انتقل عام 1930 إلى مدرسة رأس التين بالإسكندرية، حيث أقام مع والده. وكانت تلك السنوات جزءًا من مسار تعليمي تنقل فيه بين أكثر من مدينة ومدرسة، قبل أن تتجه اهتماماته تدريجيًا إلى ما يتجاوز مقاعد الدراسة.

في 25 ديسمبر 1932، ارتبط اسم جمال عبد الناصر بالتطوع في "مشروع القرش"، المبادرة الوطنية التي استهدفت دعم الصناعة المحلية وتقليل الاعتماد على استيراد الطرابيش من الخارج، من خلال دعوة المصريين إلى المساهمة بقرش واحد للمشاركة في إنشاء مصنع وطني لإنتاجها.


وكانت فكرة المشروع قد ظهرت عام 1931 على يد الشابين أحمد حسين وفتحي رضوان، وكانا طالبين بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول. وجاءت المبادرة في ظل ظروف اقتصادية صعبة، بينها تراجع أسعار القطن واستمرار استيراد الطرابيش رغم إمكانية تصنيعها محليًا.
ولم يكن المشروع مجرد حملة لجمع التبرعات؛ فقد حمل رسالة تتعلق بالاعتماد على الإنتاج الوطني، وحشد مساهمات المواطنين لإنشاء صناعة مصرية تلبي احتياجات السوق بدلًا من استيراد منتجات يمكن تصنيعها في الداخل.
وحظيت المبادرة بدعم حكومة إسماعيل صدقي باشا، وشارك فيها متطوعون من مناطق مختلفة، فيما تشير الأرقام الواردة عنها إلى جمع نحو 17 ألف جنيه خلال العام الأول، و13 ألف جنيه في العام التالي.
وتكشف مشاركة عبد الناصر في المشروع عن جانب مبكر من اهتماماته بالشأن العام، في وقت كان لا يزال طالبًا، قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا لاحقًا بمشروعات التصنيع والتوسع في دور الدولة الاقتصادي.
لم يقتصر اهتمام عبد الناصر في سنوات الدراسة على العمل الوطني، بل امتد إلى الكتابة والصحافة، ففي عام 1934 شارك في هيئة تحرير مجلة "مدارس النهضة المصرية"، حين كان طالبًا بالسنة الرابعة الأدبية.

وتكشف هذه المشاركة جانبًا من حياته المدرسية، إذ أتاحت له الاقتراب من الكتابة والعمل التحريري في مرحلة مبكرة سبقت تجربته السياسية بسنوات.
وفي العام نفسه، كتب مقالًا عن الفيلسوف الفرنسي فولتير بعنوان "فولتير.. رجل الحرية"، وهو ما يضيف تفصيلًا آخر إلى صورة الطالب الذي انشغل بقضايا الحرية والفكر، إلى جانب دراسته ومشاركته في الأنشطة المدرسية.

وتكتسب هذه الوثيقة أهميتها من توقيتها؛ فهي تعود إلى سنوات مراهقته قبل أن يتولى قيادة تنظيم الضباط الأحرار، وقبل ثورة يوليو 1952 التي غيرت شكل الحكم في مصر.
ومن بين الوثائق المرتبطة بمرحلة تعليم عبد الناصر، استمارة الشهادة الثانوية العامة باسمه، الصادرة عن مدرسة الفريدية الثانوية في 20 يناير 1934.

وتسلط الوثيقة الضوء على جانب من مساره التعليمي، الذي شهد انتقالات متكررة بين المدارس، ارتبطت بظروف عمل والده في مصلحة البريد وتغير أماكن إقامة الأسرة.
وكانت مدرسة رأس التين الثانوية إحدى المحطات التي مر بها عبد الناصر قبل انتقاله إلى المدرسة الفريدية، في مرحلة كانت تتشكل خلالها اهتماماته الدراسية والثقافية والوطنية.
في 19 يناير 1935، ظهر عبد الناصر على خشبة مسرح "تياترو برنتانيا"، متقمصًا شخصية يوليوس قيصر، ضمن حفلة تمثيلية نظمتها مدارس النهضة المصرية.

كانت التجربة مختلفة عن مقاعد الدراسة والعمل الصحفي المدرسي؛ إذ انتقل الطالب إلى خشبة المسرح ليؤدي شخصية تاريخية ارتبط اسمها بالسلطة والصراع السياسي في روما القديمة.
وتوثق هذه المشاركة جانبًا فنيًا من حياة عبد الناصر، وتكشف أن أنشطته المدرسية لم تقتصر على الدراسة والكتابة، بل امتدت إلى التمثيل والمشاركة في الفعاليات الثقافية.
ولم تكن مشاركة عبد الناصر في الأنشطة المدرسية بعيدة عن أجواء السياسة التي كانت تعيشها مصر في الثلاثينيات، ففي 13 نوفمبر 1935، خرج طالب مدرسة النهضة الثانوية ضمن المظاهرات المناهضة للاحتلال البريطاني، احتجاجًا على تصريح وزير الخارجية البريطاني صمويل هور الصادر في 9 نوفمبر، الرافض لعودة دستور 1923 إلى الحياة السياسية المصرية.
وردد المتظاهرون هتافات تطالب بالاستقلال وعودة الدستور، من بينها "يسقط هور ابن الطور" و"الموت لصمويل هور" وسط مواجهات مع الشرطة.
وخلال تلك الأحداث، أُصيب عبد الناصر بجرح في جبينه، ونقله زملاؤه إلى مقر جريدة "الجهاد"، التي نشرت اسمه ضمن قائمة المصابين في اليوم التالي، وهكذا لم تعد مشاركته في المظاهرات مجرد واقعة تروى في سيرته، بل ارتبطت بتوثيق صحفي معاصر للحدث.

واستعاد عبد الناصر هذه الواقعة في كلمة ألقاها بجامعة القاهرة في 15 نوفمبر 1952، مشيرًا إلى أن إصابته ظلت تذكّره بواجبه الوطني تجاه تحرير مصر من الاستعمار وتحقيق سيادة الشعب.
وبعد تصاعد الاحتجاجات والحركة الوطنية، عاد دستور 1923 إلى العمل بمرسوم ملكي في 12 ديسمبر 1935، في تطور عكس حجم الضغط الشعبي المطالب باستعادة الحياة الدستورية.
بين مجلة مدرسية كتب فيها عبد الناصر عن فولتير، ومسرح أدى عليه شخصية يوليوس قيصر، ومبادرة وطنية شارك في التطوع لها، ومظاهرات أصيب خلالها في جبينه، تتجمع ملامح مختلفة من سنواته الأولى.
لا تعني هذه الوقائع وحدها أن طريقه إلى الرئاسة كان محتومًا، لكنها تكشف عن طالب اقترب مبكرًا من الكتابة والثقافة والعمل العام، وعاش في مرحلة كانت فيها قضايا الاستقلال والدستور والهوية الوطنية حاضرة بقوة في الحياة المصرية.
اقرأ أيضًا
الثلاثة يشتغلونها.. كرسي عبدالناصر الشاغر وأحلام رجال يوليو بعد رحيله بـ6 أيام
26 أكتوبر 2026 12:07 ص
25 أكتوبر 2026 06:23 م
25 أكتوبر 2026 10:38 م
25 أكتوبر 2026 10:27 م
أكثر الكلمات انتشاراً