الأحد، 01 نوفمبر 2026
12:02 م
يبدو أن المشهد السياسي والإعلامي المصري يشهد في الفترة الأخيرة حالة من إعادة تدوير الوجوه، وكأن هناك من قرر فتح مخازن الماضي وإخراج ما تبقى فيها من شخصيات، وإعادة تقديمها للجمهور في عبوات جديدة، مع تغيير المنصات والميكروفونات والديكورات، والإبقاء على المحتوى القديم كما هو!
فجأة، امتلأت بعض البرامج والبودكاست بوجوه اعتاد المصريون رؤيتها في مراحل سياسية مختلفة، بعضها يعود إلى عهد مبارك، وبعضها ارتبط بما تلاه من أحداث وتحولات، لتبدأ من جديد عملية استدعاء الماضي، واستعادة الخطابات والمواقف ذاتها، وكأن السنوات التي مرت لم تحمل من التغيير ما يكفي، وكأن المصريين لم يعيشوا تلك التجارب بأنفسهم.
واللافت أن هذه العودة تزامنت مع تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تمسكه بالدستور واحترام موعد انتهاء مدته الرئاسية، وعدم إجراء تعديلات من أجل الاستمرار في الحكم. وهو ما أعاد فتح النقاش حول مستقبل السلطة وتداولها، لتظهر بالتوازي أسماء قديمة وجديدة في أحاديث الرئاسة والبدائل السياسية، وتعود إلى الواجهة أطروحات تتعلق بإحياء تجارب سابقة، بل واستدعاء عائلات سياسية من الماضي وكأن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه بمجرد الرغبة في ذلك.
وهنا يبرز السؤال: هل أُصيب البعض بوهم أن المصريين يمكن أن ينسوا تاريخًا عايشوه، وأنه يمكن تجاوز كل ما حدث بحلقة بودكاست أو حوار تلفزيوني أو حملة لإعادة تسويق شخصية سياسية؟
المشكلة ليست في استضافة مسؤول سابق أو سياسي قديم، فلكل شخص الحق في التعبير عن رأيه، وللجمهور الحق في الاستماع إلى شهادات من عاصروا الأحداث وصنعوا قراراتها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول استعادة التاريخ إلى محاولة لإعادة إنتاج أصحابه، وعندما يُقدَّم الماضي باعتباره مشروعًا للمستقبل دون مراجعة حقيقية للتجارب والنتائج والمسؤوليات.
فليس كل من امتلك منصبًا في الماضي يمتلك بالضرورة مشروعًا للمستقبل، وليس كل من غاب عن المشهد سنوات يصبح صالحًا للعودة لمجرد أن الجمهور لم يعد يراه يوميًا. كما أن تغيير الخطاب لا يعني بالضرورة تغيير الأفكار، وتغيير المنصة لا يمحو تاريخًا سياسيًا يعرفه الناس جيدًا.
والأكثر غرابة أن بعض الخطابات تبدو وكأنها تخاطب شعبًا لم يعش يناير 2011، ولم يشهد ما سبقها وما تلاها، ولم يختبر بنفسه كيف تغيرت المواقف والتحالفات، وكيف ظهرت وجوه واختفت أخرى، وكيف دفع المجتمع ثمن سنوات من الاضطراب والاستقطاب والصراعات السياسية.
والأكثر إثارة للدهشة أن بعض هذه الوجوه تنتمي إلى تيارات سياسية متعددة، من بينها شخصيات سبق أن دعمت جماعة الإخوان، أو تقاطعت مواقفها ومصالحها معها في مراحل مختلفة، وها هي تعود اليوم لتطل علينا من جديد، وكأن المصريين نسوا مشاهد الدم والإرهاب التي عاشوها، ونسوا سنوات المواجهة وما خلفته من ضحايا ودمار وانقسام. فهل يُعقل أن تصل محاولات إعادة تقديم هذه الشخصيات إلى حد افتراض أن ذاكرة المصريين لا تتجاوز ذاكرة السمكة، وأن تغيير الخطاب والمنصة كافٍ لمحو المواقف والتحالفات القديمة؟ يبدو أن بعض المنتمين إلى الحقل الإعلامي والسياسي يراهنون على أن الجمهور سينسى، أو على الأقل لن يتذكر بما يكفي لطرح الأسئلة المحرجة. لكن ذاكرة الشعوب ليست بهذه الهشاشة، والتاريخ لا يُمحى بمجرد إعادة ترتيب المشهد وتغيير أسماء البرامج وعناوين الحلقات.
ولعل ما يستحق التوقف أمامه أيضًا أن من بين الوجوه التي يجري إعادة تقديمها شخصيات سبق أن لجأت إلى الاستقواء بالخارج، سواء بالاحتماء بمواقف بعض الدول العربية أو الاستناد إلى دعم منظمات وكيانات دولية أثارت تدخلاتها في الشأن المصري الكثير من الجدل والانتقادات. شخصيات تعاملت في مراحل سابقة مع بعض هذه الجهات وكأنها تملك حق الوصاية على مصر، أو كأن القرار المصري شأن قابل للتفاوض والضغط من خارج الحدود. فهل نسي هؤلاء أن المصريين لديهم حساسية شديدة تجاه كل محاولة للمساس باستقلال قرارهم الوطني؟ وهل يظنون أن تغيير المنصات الإعلامية وإعادة تقديم الوجوه كفيل بمحو مواقف سابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة؟ إن الاختلاف السياسي حق أصيل، وانتقاد السلطة حق لا جدال فيه، لكن تحويل الخلاف الداخلي إلى استقواء بأطراف خارجية، أو منح جهات أجنبية مساحة للتدخل في الشأن الوطني، مسألة أخرى تمامًا.
لقد أصبح لدى المصريين رصيد من التجارب لا يمكن تجاهله، وذاكرة جماعية لا تُمحى بتكرار الظهور الإعلامي، ولا بإعادة صياغة التصريحات، ولا بتقديم الشخصيات القديمة في صورة جديدة. ومن حق هذا الشعب أن يسأل كل من يطلب ثقته مجددًا: ماذا قدمت من قبل؟ وماذا تعلمت من التجربة؟ وما الجديد الذي تحمله هذه المرة؟
أما إعادة تدوير الأسماء والخطابات نفسها، فلا تعني تجديد الحياة السياسية، ولا تفتح بالضرورة بابًا لمستقبل مختلف. فالتجديد الحقيقي لا يكون بتغيير الوجوه على الشاشة، وإنما بإتاحة الفرصة لأفكار جديدة، وكفاءات لم تحصل على فرصتها، وأجيال قادرة على تقديم رؤى تتجاوز خلافات الماضي وحساباته.
مصر ليست فقيرة في العقول ولا في الكفاءات، ولم تتوقف عن إنجاب أجيال جديدة تمتلك القدرة على المشاركة وصناعة المستقبل. لكنها لن تستطيع الانتقال إلى مرحلة جديدة إذا ظل البعض يتعامل مع المشهد السياسي باعتباره دائرة مغلقة، لا تتحرك إلا بين الوجوه نفسها، والأفكار نفسها، والخطابات التي استُهلكت حتى فقدت قدرتها على الإقناع.
فالمصري الذي أسقط رهانات كثيرة على نسيانه، ليس مضطرًا إلى قبول الماضي مرة أخرى لمجرد أن أصحابه قرروا العودة. والوجوه التي استهلكها الزمن لا تصبح جديدة بتغيير الماكياج أو الميكروفون؛ فإعادة التدوير قد تصلح للأشياء، لكنها لا تصنع تاريخًا جديدًا للبشر.
28 أكتوبر 2026 10:50 ص
23 أكتوبر 2026 08:53 ص
22 أكتوبر 2026 11:37 ص
13 أكتوبر 2026 11:19 ص
أكثر الكلمات انتشاراً