الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

06:43 م

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

06:43 م

إلى روبرت كينيدي جونيور.. الجوائز لا تختصر الشعوب والوقائع تردّ

تجاوز روبرت كينيدي جونيور، في تصريحات خلال فعالية انتخابية بولاية ميشيغان، نقد جماعة الإخوان المسلمين إلى تعميمات عن العرب، زاعمًا أن نحو 500 مليون عربي لا ينتجون العلوم أو الأدب، ولا يفوزون بجوائز نوبل وفيلدز ووولف، وربط ذلك بصعود الجماعة، معتبرًا أن المجتمعات العربية باتت تدور حول الكراهية والحرب والاضطهاد. ونقلت وكالة أسوشيتد برس تصريحاته في 27 أكتوبر 2026، ما يطرح ضرورة اختبار هذه الادعاءات بالوقائع، بدلًا من اختزال شعوب كاملة في أحكام عامة.

أولًا: الجوائز العلمية لا تقول ما يدّعيه كينيدي

تُظهر أسماء الفائزين بالجوائز الدولية أن التعميم الذي أطلقه كينيدي لا يصمد أمام الوقائع:
جائزة نوبل
* بيتر ميداوار — نوبل في الطب — من أصل لبناني، بريطاني الجنسية — 1960.
* أنور السادات — نوبل للسلام — مصري — 1978.
* نجيب محفوظ — نوبل في الأدب — مصري — 1988.
* إلياس جيمس كوري — نوبل في الكيمياء — من أصل لبناني، أمريكي الجنسية — 1990.
* ياسر عرفات — نوبل للسلام — فلسطيني — 1994.
* أحمد زويل — نوبل في الكيمياء — مصري — 1999.
* محمد البرادعي — نوبل للسلام — مصري — 2005.
* توكل كرمان — نوبل للسلام — يمنية — 2011.
* عمر ياغي — نوبل في الكيمياء — من أصل فلسطيني، وُلد في الأردن ويحمل الجنسية الأمريكية — 2025.
جائزة وولف
* إلياس جيمس كوري — وولف في الكيمياء — من أصل لبناني، أمريكي الجنسية — 1986.
* أحمد زويل — وولف في الكيمياء — مصري — 1993.
* عمر ياغي — وولف في الكيمياء — من أصل فلسطيني، وُلد في الأردن ويحمل الجنسية الأمريكية — 2018.
ميدالية فيلدز
* مايكل عطية — ميدالية فيلدز في الرياضيات — من أصل لبناني، بريطاني الجنسية — 1966.

ثانيًا: من يحدد هوية صاحب الإنجاز؟

لا تكشف سجلات الجوائز دائمًا عن الأصول القومية للفائزين، إذ تختلف معايير تسجيل هوياتهم بين المؤسسات. لذلك، لا تصلح قوائم الجوائز وحدها للحكم على إسهامات الشعوب العلمية والحضارية أو نفيها.

ثالثًا: الأدب العربي لا يبدأ بجائزة ولا ينتهي عندها

على عكس ادعاء كينيدي، حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، ليصبح أول أديب تكون العربية لغته الأم يفوز بها، تقديرًا لإسهامه في الرواية العربية ووصولها إلى جمهور عالمي. وفي عام 2019، فازت الكاتبة العُمانية جوخة الحارثي بالجائزة الدولية لبوكر عن روايتها «سيدات القمر»، لتصبح أول كاتبة عربية تنالها.
كما تسهم جوائز متخصصة، مثل الجائزة العالمية للرواية العربية وميدالية نجيب محفوظ للأدب التي تمنحها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في دعم الرواية العربية والتعريف بها. فالأدب العربي قائم بإنتاجه وأعماله، ولا يتوقف وجوده أو قيمته على الفوز بجائزة دولية.

رابعًا: من إسهامات الحضارة إلى اتهام الشعوب بالكراهية والحرب

يتجاوز كينيدي إنكار الإسهامات العلمية والأدبية إلى تصوير المجتمعات العربية باعتبارها لا تنتج إلا الكراهية والحرب والاضطهاد، محولًا وقائع سياسية معقدة إلى حكم عام على شعوب كاملة.
لا ينكر أحد ما شهدته المنطقة من حروب وصراعات وانتهاكات، لكن لا يجوز تحميل الشعوب جميعًا مسؤولية أفعال حكومات أو تنظيمات، أو اختزال هويتها في تلك الأحداث.
وفي المقابل، حصل أنور السادات على جائزة نوبل للسلام عام 1978 عقب اتفاقات كامب ديفيد، وياسر عرفات عام 1994 ضمن جهود السلام في الشرق الأوسط. ولا تحسم الجائزتان تقييم مسارات السلام أو أصحابها، لكنهما تبرزان أن التاريخ العربي لا يُختزل في الحرب وحدها، مثلما لا يمكن إنكار الصراعات أو تجاهل جهود السلام. وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا يبدو أن صعود بعض السياسيين الغربيين وبناء أمجادهم في المناصب لا يمكن أن يتحقق إلا على أكتاف العرب وجثث هويتهم؟ إن هذا التضخم المفرط في الذات يحول تشويه 500 مليون إنسان إلى مجرد أداة لإثبات الأهمية السياسية.


خامسًا: الإخوان المسلمون بين هوية الشعوب وحسابات السياسة

يخلط كينيدي بين العرب والمسلمين وجماعة الإخوان المسلمين، رغم اختلاف هذه الهويات؛ فالعروبة هوية لغوية وثقافية، والإسلام دين يعتنقه أناس من شعوب شتى، أما الإخوان فهم تنظيم سياسي وديني نشأ في مصر عام 1928، ويمكن مناقشة أفكاره ومواقفه ومسؤوليته عن أحداث بعينها دون تعميمها على ملايين البشر.
كما أن تعامل الحكومات الغربية مع الجماعة لم يكن موقفًا واحدًا ثابتًا؛ ففي يونيو 2011، أقرت وزارة الخارجية الأمريكية باستمرار اتصالات محدودة مع أعضاء من الإخوان في مصر لفهم المشهد السياسي. ولا يعني الاتصال السياسي تبني أفكار التنظيم أو دعم جميع أنشطته، لكنه يوضح أن التعامل معه خضع لحسابات سياسية وأمنية متغيرة.

وتبرز هنا مفارقة أخرى في العلاقة بين السياسة الغربية والإخوان المسلمين؛ ففي أغسطس 2013، دعت توكل كرمان، الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2011، في مقال نشرته مجلة Foreign Policy الأمريكية، إلى دعم نضال الإخوان المسلمين من أجل الديمقراطية، وأعلنت رغبتها في المشاركة في مظاهرة مؤيدة لمحمد مرسي خارج ميدان رابعة العدوية.

وبعد وفاة مرسي عام 2019، نشرت كرمان أبياتًا من قصيدة لنزار قباني تصفه بأنه «آخر الأنبياء»، ثم كتبت: «صلوا عليه وسلموا تسليمًا»، ما أثار جدلًا واسعًا. وهذه الوقائع توثق مواقفها المعلنة، وتوضح ضرورة التمييز بين التواصل الدبلوماسي مع تنظيم سياسي، ودعم شخصيات عامة له، وبين اعتبار هذه المواقف دليلًا على تبني دولة بأكملها أفكاره أو سياساته.
أما تفسير مسار العلوم والثقافة في المجتمعات العربية بصعود تنظيم واحد، فيتجاهل عوامل متعددة، منها أوضاع التعليم والبحث العلمي والتمويل وحرية التعبير وهجرة الكفاءات. فانتقاد الجماعة مشروع، لكن تحويلها إلى تفسير وحيد لتاريخ شعوب كاملة، أو اتخاذها ذريعة لإنكار إسهامات تلك الشعوب واتهامها بالكراهية والحرب، لا يستند إلى منطق أو دليل كافٍ.

الخاتمة

إن تصريحات روبرت كينيدي جونيور تطرح مشكلة تتجاوز خطأ الأسماء والتواريخ؛ فهي تستخدم الجوائز الدولية وكأنها سجل كامل للإنجاز الإنساني، ثم تنتقل من ادعاءات قابلة للتحقق إلى أحكام عامة عن الشعوب وثقافاتها.
والوقائع تثبت أن علماء وأدباء وشخصيات عربية، وكذلك أشخاصًا من أصول عربية يحملون جنسيات مختلفة، حصلوا على جوائز دولية مرموقة. كما تثبت أن الأدب العربي حاضر في مؤسسات الجوائز والترجمة، وأن التاريخ العربي شهد إسهامات علمية وفكرية لا يمكن محوها بمجرد تجاهلها في خطاب سياسي.
لكن الدفاع عن الحقيقة لا يتطلب الادعاء بأن كل مؤسسة دولية عادلة تمامًا، أو أن المجتمعات العربية لا تعاني مشكلات في التعليم والبحث العلمي والإنتاج الثقافي. المطلوب هو أن تُناقش هذه التحديات بالأرقام والأدلة والمقارنات المنضبطة، لا أن تتحول إلى أحكام على أهل المنطقة جميعًا.
فالجائزة قد تمنح اعترافًا بإنجاز، لكنها ليست وحدها من يخلق الإنجاز أو يحدد هوية صاحبه. والجنسية لا تمحو بالضرورة الأصل، كما أن وجود صراع سياسي لا يجعل الحرب جوهر شعب، ووجود تنظيم مثير للجدل لا يجعل ملايين البشر امتدادًا له.
إن النقد الحقيقي يبدأ من الوقائع، ويظل مفتوحًا أمام الأدلة، ويميّز بين الفرد والمؤسسة والشعب. أما حين يُختزل نصف مليار إنسان في عبارة واحدة، فإن السؤال لا يعود فقط: كم جائزة فاز بها العرب؟ بل يصبح: هل يمكن أصلًا إصدار حكم منصف على شعوب كاملة بهذه الطريقة؟

search