الخميس، 05 نوفمبر 2026
07:30 ص
لم تكن اتفاقية الدفاع المشترك بين مصر وسوريا، الموقعة في 4 نوفمبر 1966، مجرد اتفاق عسكري يستهدف حماية الأمن القومي العربي، بل كانت بداية مرحلة جديدة من التورط المصري في صراع عسكري لم تكن القاهرة صاحبة القرار الوحيد في تحديد توقيته أو ظروفه. فقد ربطت الاتفاقية الأمن العسكري المصري بالتطورات المتسارعة على الجبهة السورية، ووضعت مصر أمام التزامات سياسية وعسكرية تجاه نظام سوري اتسمت مواقفه بالاندفاع والتصعيد، دون أن يمتلك بالضرورة القدرة العسكرية التي تتيح له خوض حرب شاملة مع إسرائيل.
ولفهم الظروف التي قادت إلى توقيع الاتفاقية، لا بد من العودة إلى التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا والمنطقة خلال عام 1966.
في 23 فبراير 1966، وقع انقلاب عسكري داخل حزب البعث السوري، أطاح بالرئيس أمين الحافظ، وصعد بجناح بعثي جديد بقيادة صلاح جديد وحافظ الأسد. تولى نور الدين الأتاسي رئاسة الدولة، وأصبح يوسف زعين رئيسًا للحكومة، بينما تولى حافظ الأسد وزارة الدفاع.
أثار الانقلاب مخاوف القاهرة، خصوصًا أن القيادة السورية الجديدة تبنت خطابًا ثوريًا شديد الحدة تجاه إسرائيل، ورفعت سقف التهديدات العسكرية دون أن تمتلك الإمكانات اللازمة لتنفيذها. وكانت العلاقات المصرية السورية قد شهدت قطيعة وتوترًا بعد الانفصال في 28 سبتمبر 1961، قبل أن تبدأ خطوات استعادتها في النصف الثاني من عام 1966.
في 1 سبتمبر 1966، عادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، مع وصول السفير السوري سامي الدروبي إلى القاهرة وتقديم أوراق اعتماده إلى الرئيس جمال عبد الناصر، لتبدأ مرحلة جديدة من التقارب السياسي بين القاهرة ودمشق.
لم يكن التقارب المصري السوري بعيدًا عن الحسابات السوفيتية؛ فقد كان الاتحاد السوفيتي حريصًا على حماية النظام السوري الجديد وتعزيز ارتباطه بمصر، باعتبارها القوة العربية الرئيسية في المنطقة. أما عبد الناصر، فكان يسعى إلى احتواء اندفاع القيادة السورية ومنعها من اتخاذ قرارات منفردة قد تجر المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة، قبل أن تكون مصر مستعدة لها.
وفي 4 نوفمبر 1966، وقعت مصر وسوريا اتفاقية الدفاع المشترك، التي نصت على التعاون العسكري والتنسيق بين القوات المسلحة في البلدين، وأقامت إطارًا للقيادة والتخطيط العسكري المشترك.
كانت الاتفاقية، من الناحية السياسية، تعبيرًا عن التضامن العربي في مواجهة إسرائيل، لكنها حملت في الوقت نفسه مخاطر استراتيجية؛ إذ أصبح أمن مصر مرتبطًا بدرجة أكبر بتصرفات القيادة السورية، وبالتطورات التي تشهدها جبهة لم تكن القاهرة تملك السيطرة الكاملة على إيقاع التصعيد فيها.
وعقب توقيع الاتفاقية، صعّدت الحكومة الإسرائيلية هجماتها ضد سوريا وضد الفلسطينيين في الأردن.
كانت العمليات الفدائية الفلسطينية قد بدأت تتصاعد منذ عام 1965، مع انطلاق عمليات حركة فتح المسلحة عبر الحدود. وكان بعض القيادات الفلسطينية ترى أن استمرار العمل الفدائي وتصعيد المواجهة مع إسرائيل من شأنه أن يفرض على الدول العربية الانتقال من مرحلة الشعارات السياسية إلى المواجهة العسكرية.
كان عبد الناصر يدعم القضية الفلسطينية، لكنه كان يدرك أن العمل الفدائي غير المنضبط قد يمنح إسرائيل ذريعة لشن هجمات واسعة على الدول العربية، ويضع الجيوش العربية أمام حرب لم تستكمل استعداداتها.
وفي 13 نوفمبر 1966، شنت إسرائيل هجومًا واسعًا على قرية السموع في الضفة الغربية، التابعة آنذاك للأردن، ردًا على عمليات فدائية فلسطينية. وأسفر الهجوم عن سقوط قتلى وجرحى وتدمير منازل، وأثار غضبًا واسعًا في الشارع الفلسطيني والأردني، وكشف عجز الجيش الأردني عن منع الاعتداءات الإسرائيلية أو التصدي لها بصورة فعالة.
استغلت القيادة الفلسطينية هذه التطورات للمطالبة بتوسيع العمل العسكري. وفي 22 نوفمبر 1966، أعلن أحمد الشقيري، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، عبر إذاعة صوت فلسطين من القاهرة، أن قوات جيش التحرير الفلسطيني الملحقة بالقوات المصرية ستدخل الأردن وتنفذ عمليات ضد إسرائيل.
كان هذا الإعلان يعكس رغبة قيادة منظمة التحرير في توسيع نطاق النشاط العسكري الفلسطيني، لكنه وضع المنظمة في مواجهة مباشرة مع حسابات الملك حسين، الذي كان يرفض وجود قوة عسكرية مستقلة على الأراضي الأردنية، كما وضع القاهرة أمام احتمالات تصعيد لم تكن تتحكم في مساراته.
وفي اجتماعات مجلس الدفاع العربي خلال ديسمبر 1966، طالب الشقيري بالسماح بدخول جيش التحرير الفلسطيني إلى الأردن، وطرح مطالب تتعلق بالتجنيد الإجباري والتدريب والتسليح، وإعداد القرى والمدن الأمامية، وتنظيم المقاومة الشعبية والدفاع المدني.
وتكشف مذكرات أحمد الشقيري عن حجم الخلافات التي أحاطت بمسألة إعداد الفلسطينيين عسكريًا، وعن إصراره على توسيع استقلالية منظمة التحرير وحرية عملها الوطني. لكن الوقائع تكشف أن بعض القيادات الفلسطينية كانت تدفع باتجاه تصعيد عسكري لم تكن نتائجه محصورة في حدود العمل الفدائي.
في الصفحة 45 من كتابه «الهزيمة الكبرى»، يروي الشقيري وقائع لقائه بقادة المنظمات الفدائية الفلسطينية في مايو 1967، والحوار الذي دار بينه وبينهم:
«قالوا: الحقيقة نحن لا نثق إلا بسوريا.. الحكومات العربية الأخرى تطاردنا وتضطهدنا ولا تنشر بلاغاتنا، ونحن نرى أن تمضي منظمة التحرير في طريقها، ونحن نمضي في طريقنا.
قلت: وما هو طريقكم؟
قالوا: نحن نريد أن نورط الدول العربية.. نريد أن نجَرَّهم إلى الحرب مع إسرائيل.. إن قضيتنا آخذة بالذوبان مع الزمن.. الحكومات العربية لا تريد أن تحارب وهي لا تستعد للحرب.. إن ضربنا لإسرائيل، وضرب إسرائيل للدول العربية هو الحافز الوحيد لأن تستعد الجيوش العربية.. لا بد لنا أن نورط الحكومات العربية.
قلت: أنا موافق على التوريط.. التوريط نافع إذا كانت الحكومات العربية قادرة وغير راغبة.. أما إذا كانت غير قادرة ولا راغبة فماذا تكون النتيجة؟!
قالوا: نحن نريد أن نورط الدول العربية..
قلت: لو أن التوريط يقتصر على ثلاثة عشر ملكًا ورئيسًا فلا ردهم الله.. ولكن التوريط سيشمل الأمة العربية بأسرها..
قالوا: نحن نعتقد أن إسرائيل ستقوم بغارات انتقامية فقط، ولن تقوم بحرب شاملة، وبهذا تكون خطتنا سليمة ومجدية.
قلت: أنتم مخطئون.. إذا كان هذا هو اعتقادكم، فأنتم لا تعرفون الصهيونية وأطماعها.. إن إسرائيل لا تكتفي بالعدوان الذي تم، ولكنها تتطلع إلى التوسع، إلى المزيد من أرض فلسطين، ومن الأرض العربية».
منذ انقلاب فبراير 1966، تصاعدت الاشتباكات على الجبهة السورية الإسرائيلية، واشتدت الحملات الإعلامية العربية ضد الرئيس جمال عبد الناصر.
استخدمت إذاعتا الأردن والسعودية خطابًا يزايد على الموقف المصري، ويتهم عبد الناصر بأنه يتحدث عن تحرير فلسطين بينما يحتمي بقوات الطوارئ الدولية الموجودة على الحدود المصرية الإسرائيلية، وأنه يترك الفلسطينيين والعرب يواجهون إسرائيل بينما يمنع الجيش المصري من التحرك. وجاءت تلك الحملات الإعلامية على هوى الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، الذي كان يتوق إلى الخلاص من نظام حكم جمال عبد الناصر.
كانت تلك الحملات تستهدف إحراج عبد الناصر أمام الرأي العام العربي، وتصويره باعتباره قائدًا يتراجع عن مواجهة إسرائيل، رغم أن وجود قوات الطوارئ الدولية كان جزءًا من ترتيبات وقف إطلاق النار التي أعقبت حرب 1956، وأن سحبها كان يعني إزالة أحد الحواجز السياسية والعسكرية التي تفصل بين القوات المصرية والإسرائيلية.
وقد ساهمت هذه المزايدات الإعلامية في تضييق مساحة المناورة السياسية أمام القاهرة، ووضعت عبد الناصر تحت ضغط متزايد لإثبات أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التصعيد الإسرائيلي، وأنها لن تسمح بتصوير موقفها باعتباره تخليًا عن سوريا أو القضية الفلسطينية.
وفي 7 أبريل 1967، اندلعت معركة جوية واسعة بين الطيران السوري والإسرائيلي، انتهت بإسقاط ست طائرات سورية من طراز ميج، في تطور كشف التفوق الجوي الإسرائيلي، وأظهر خطورة التصعيد العسكري الذي كانت القيادة السورية تدفع باتجاهه.
في 13 مايو 1967، أبلغ الاتحاد السوفيتي القاهرة ودمشق بوجود حشود عسكرية إسرائيلية ضخمة على الحدود السورية، استعدادًا لشن هجوم على سوريا. وكانت المعلومات غير صحيحة، ولم تكن هناك حشود إسرائيلية بالصورة التي نقلتها موسكو.
وضعت هذه المعلومات القيادة المصرية أمام موقف بالغ الحساسية؛ فمصر مرتبطة باتفاقية دفاع مشترك مع سوريا، وأي هجوم إسرائيلي واسع عليها كان سيضع القاهرة أمام التزاماتها السياسية والعسكرية.
وفي 14 مايو، بدأت القوات المصرية التحرك إلى سيناء، في خطوة هدفت إلى إظهار الجدية في مواجهة أي عدوان إسرائيلي على سوريا، وإعادة التوازن إلى الموقف العسكري في المنطقة.
وفي 16 مايو 1967، طلبت مصر سحب قوات الطوارئ الدولية من سيناء وقطاع غزة. وبذلك أزيل أحد القيود التي كانت تحول دون اندلاع مواجهة مباشرة بين القوات المصرية والإسرائيلية.
وفي 22 مايو، أعلن عبد الناصر إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية، وهو القرار الذي اعتبرته إسرائيل ذريعة مباشرة للحرب، رغم أن الأزمة كانت قد تشكلت عبر سلسلة طويلة من التصعيد السياسي والعسكري والإعلامي.
وفي 30 مايو 1967، وصل الملك حسين إلى القاهرة، ووقّع مع عبد الناصر اتفاقية دفاع مشترك بين مصر والأردن. وحضر أحمد الشقيري مراسم التوقيع، ثم عاد مع الملك حسين إلى الأردن، في تطور وسّع دائرة الالتزامات العسكرية المصرية لتشمل جبهة أخرى.
وهكذا وجدت مصر نفسها، قبل اندلاع الحرب بأيام، مرتبطة باتفاقيات دفاع مشترك مع سوريا والأردن، في ظل تصعيد إسرائيلي متزايد، وضغوط إعلامية عربية، ومعلومات سوفيتية مضللة، وتوترات فلسطينية وسورية لم تكن القاهرة صاحبة القرار الوحيد فيها.
في صباح 5 يونيو 1967، شنت إسرائيل هجومها الجوي المفاجئ على المطارات والقواعد الجوية المصرية، ودمرت معظم الطائرات المصرية وهي على الأرض، لتبدأ حرب انتهت بهزيمة عسكرية قاسية لمصر وسوريا والأردن.
ومن الوقائع التي تكشف طبيعة الموقف السوري خلال الحرب ما أورده الفريق أول محمد فوزي في مذكراته «حرب الثلاث سنوات» عن الاتصالات التي جرت بين القيادة العسكرية المصرية والقيادة السورية.
فقد كانت هناك خطة جوية مشتركة تحمل اسم «رشيد»، تستهدف توجيه ضربة إلى المطارات والقواعد الجوية الإسرائيلية، وكان تنفيذها يتطلب تنسيقًا بين القوات الجوية المصرية والسورية.
وبعد بدء الهجوم الإسرائيلي على المطارات المصرية، طلبت القيادة المصرية من رئيس الأركان السوري، أحمد سويدان، تنفيذ الخطة الجوية المتفق عليها، لكن الرد السوري جاء بصيغة «نحاول يا سيدي»، دون أن تتحول المحاولة إلى تنفيذ فعلي للخطة.
وكان الفريق أول عبد المنعم رياض قد طالب، في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم، بضرورة التحرك العسكري السوري، لكن الاستجابة السورية لم تكن على مستوى خطورة الموقف الذي تعرضت له مصر.
كان هذا الموقف كاشفًا للفجوة بين الالتزامات التي نصت عليها اتفاقية الدفاع المشترك وبين الأداء الفعلي للقيادة السورية عندما اندلعت الحرب؛ فقد دخلت مصر المعركة وهي تتحمل عبء مواجهة إسرائيل على الجبهة الرئيسية، بينما لم تقدم سوريا الدعم الجوي المتفق عليه بالصورة التي كان يمكن أن تخفف من حجم الضربة الإسرائيلية.
لم يكن الأداء السوري خلال حرب يونيو 1967 متناسبًا مع الخطاب السياسي والعسكري الذي سبقها.
فعلى الرغم من أن سوريا كانت طرفًا رئيسيًا في الأزمة التي سبقت الحرب، فإن تحرك قواتها لم يرتقِ إلى مستوى المواجهة الشاملة التي كانت تقتضيها طبيعة المعركة.
اقتصرت التحركات السورية في الأيام الأولى على قصف مدفعي وعمليات محدودة، بينما كانت القوات الإسرائيلية قد حققت تفوقًا حاسمًا على الجبهة المصرية، وبدأت في نقل ثقلها العسكري إلى الجبهة السورية.
وفي 9 يونيو 1967، بدأت إسرائيل هجومها البري الواسع على الجولان، وتمكنت من اختراق المواقع الدفاعية السورية. وفي 10 يونيو، سقطت مدينة القنيطرة، بعد انسحاب القوات السورية وانهيار خطوط الدفاع.
وكانت الطريقة التي أدارت بها القيادة السورية المعركة، وما صاحبها من انسحابات واضطراب في الأوامر، من العوامل التي ساهمت في سقوط الجولان، الذي ظل تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ ذلك التاريخ.
لقد كشفت الحرب أن القيادة السورية التي دفعت باتجاه التصعيد، ورفعت شعارات المواجهة والتحرير، لم تكن مستعدة لتحمل نتائج الحرب التي ساهمت في إشعال أزمتها، وأن اتفاقية الدفاع المشترك لم تتحول إلى منظومة دفاع عسكري متكاملة تحمي أطرافها، بل انتهى الأمر بمصر إلى تحمل النصيب الأكبر من الخسائر العسكرية والاستراتيجية.
كانت اتفاقية 4 نوفمبر 1966 محطة أساسية في سلسلة الأحداث التي قادت إلى الحرب؛ لأنها ربطت أمن مصر بتطورات الجبهة السورية.
كان عبد الناصر أمام معادلة شديدة الصعوبة: إذا لم يتحرك دفاعًا عن سوريا، فسوف يتعرض لاتهامات بالتخلي عن التضامن العربي والقضية الفلسطينية، وإذا تحرك، فإنه يخاطر بإدخال مصر في حرب تختار إسرائيل توقيتها وتحدد ظروف بدايتها.
وقد نجحت إسرائيل في استغلال هذه البيئة السياسية والعسكرية، ودفعت المنطقة إلى الحرب في اللحظة التي كانت فيها أكثر استعدادًا لها من خصومها.
كانت سوريا نقطة الضعف الأكثر كلفة في تجربة جمال عبد الناصر؛ فالوحدة معها انتهت بانفصال مثّل أول هزيمة سياسية له، واتفاقية الدفاع المشترك معها تحولت إلى فخ انتهى بجر مصر إلى كارثة يونيو 1967، أكبر هزيمة عسكرية في عهده. وبين الانفصال والهزيمة، دفع عبد الناصر ثمن رهانه على سوريا من رصيده السياسي، وقوة مصر العسكرية، بل ومن صحته أيضًا. وكأن سوريا التي راهن عليها بوصفها شريكًا في مشروع الوحدة العربية، تحولت إلى الجرح الأعمق في تجربته السياسية ومشروعه القومي.
30 أكتوبر 2026 02:09 م
29 أكتوبر 2026 10:12 ص
26 أكتوبر 2026 09:15 ص
24 أكتوبر 2026 09:32 ص
أكثر الكلمات انتشاراً