الجمعة، 30 أكتوبر 2026
10:08 م
كثيرًا ما يلجأ خصوم جمال عبد الناصر، خصوصًا المنتمين إلى تيار الإسلام السياسي، إلى تشبيهه بمصطفى كمال أتاتورك، وتقديمه باعتباره نسخة عربية من مؤسس الجمهورية التركية، متهمين إياه بمحاربة الإسلام والسعي إلى إقصاء الدين عن المجتمع، على غرار السياسات التي اتبعها أتاتورك في تركيا.
لكن هذه المقارنة، التي تبدو في ظاهرها تشابهًا بين تجربتين تاريخيتين، تخفي وراءها اختلافات جوهرية تصل إلى حد التناقض في الرؤية والممارسة والموقف من الدين والهوية الوطنية والعالم العربي والغرب. فالتشابه في الخلفية العسكرية والقيادة السياسية لا يعني بالضرورة تشابه المشروعين، كما أن الصراع السياسي مع جماعات الإسلام السياسي لا يعني العداء للإسلام نفسه.
ولفهم حقيقة الفارق بين الرجلين، لا بد من تجاوز الأحكام الأيديولوجية المسبقة، والعودة إلى السياسات والمواقف والوقائع التاريخية التي تكشف بوضوح أن ما جمع بين مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر أقل بكثير مما فرّق بينهما.
كان مصطفى كمال أتاتورك يرى أن الإسلام هو سر تأخر تركيا وتخلفها عن الحضارة الأوروبية، لذا سعى جاهدًا إلى إلغاء الخلافة العثمانية.
رأى أتاتورك في الخلافة الإسلامية عبئًا على تركيا يعوق انطلاقها والتحاقها بأوروبا المتقدمة علميًا.
وكانت الخلافة الإسلامية، بنص كلمات أتاتورك:
«ورمًا سرطانيًا من القرون الوسطى»!
لم يكتفِ أتاتورك بذلك، بل ألغى وزارة الأوقاف ونقل اختصاصاتها إلى وزارة المعارف، وخاضت أجهزته الأمنية حربًا طاحنة ضد التيارات الدينية داخل تركيا. كما أمر أتاتورك بتحديد عدد المساجد التي تُقام فيها الصلوات بتركيا، وخفّض عدد الواعظين بها، وقام بتحويل أكبر مسجدين بتركيا إلى متحف ومستودع، حيث حوّل مسجد آيا صوفيا إلى متحف، وحوّل مسجد الفاتح إلى مستودع.
ألغى أتاتورك التقويم الهجري واستبدله بالتقويم الغربي، كما حذف من الدستور التركي النص الذي ينص على كون تركيا دولة إسلامية، وألغى القسم بالله للمسؤولين بالدولة واستبدله بالقسم بالشرف، كما غيّر يوم العطلة من الجمعة إلى الأحد، ليطابق يوم عطلة الأوروبيين.
منع أتاتورك تدريس الدين في المدارس، وأغلق كلية الشريعة، كما حرّم النقاب والحجاب، ثم حظر كتابة اللغة التركية بالأحرف العربية واستبدل بها الأحرف اللاتينية. كما ألغى أتاتورك تعليم اللغة العربية بالجامعات، وأمر بترجمة القرآن الكريم إلى التركية، واصفًا ذلك بتطهير اللغة التركية من المفردات العربية!
أجبر أتاتورك أئمة ومشايخ الدين على عدم ارتداء العمامة والعباءة إلا داخل المسجد فقط، وسنّ القوانين التي تجرّم ارتداءهم الزي الديني في الشارع.
قرر أتاتورك تحريم فريضة الحج على الأتراك خلال عهده، كما تعمّد إقامة حفلات الخمر والرقص في مقره الرسمي خلال شهر رمضان، وحتى الأذان أمر بترجمته إلى التركية.
استبدل كمال أتاتورك القانون الإسلامي المستمد من مبادئ الشريعة الإسلامية بالقانون السويسري، معلنًا أن الروح الإسلامية للقوانين تعوق التقدم الإنساني. وقد ترتب على ذلك تحريم تعدد الزوجات وتجريم الزواج بأكثر من امرأة قانونيًا، كما ألغى أتاتورك قانون قوامة الرجل على المرأة، فلم يعد من حقه تطليقها، بل جعل القضاء وحده الجهة المنوطة بذلك، وفي حالات محددة. كما عُدّل قانون المواريث، فساوى بين الرجل والمرأة، ملغيًا قانون المواريث الإسلامي، وأصبح من حق المرأة التركية المسلمة، وفقًا للقانون، أن تتزوج مسيحيًا أو يهوديًا أو ملحدًا إذا رغبت.
كانت تلك هي رؤية أتاتورك للدين ودوره في المجتمع، بينما جاءت رؤية جمال عبد الناصر للدين ودوره في المجتمع على النحو التالي:
في كتاب «فلسفة الثورة»، الصادر عام 1954، تناول جمال عبد الناصر الدوائر التي ستتحرك فيها السياسة المصرية، ومنها الدائرة الإسلامية التي تتداخل مع الدائرة العربية والدائرة الأفريقية، وتُعد مصر جزءًا فاعلًا فيها.
كان الرئيس جمال عبد الناصر أول حاكم مسلم في التاريخ يتم في عهده جمع القرآن الكريم مسموعًا، مرتلًا ومجودًا، في ملايين الشرائط والأسطوانات بأصوات القراء المصريين.
في عهد جمال عبد الناصر، زاد عدد المساجد في مصر من أحد عشر ألف مسجد قبل الثورة إلى واحد وعشرين ألف مسجد عام 1970، أي إنه خلال فترة حكم امتدت 18 عامًا، تم بناء عشرة آلاف مسجد، وهو ما يعادل عدد المساجد التي بُنيت في مصر منذ الفتح الإسلامي وحتى عهد جمال عبد الناصر.
في عهد عبد الناصر، أصبحت مادة التربية الدينية مادة إجبارية يتوقف عليها النجاح أو الرسوب، كباقي المواد، وذلك لأول مرة في تاريخ مصر، بينما كانت مادة اختيارية في النظام الملكي.
وفي عهد عبد الناصر، جرى تطوير الأزهر الشريف وتحويله إلى جامعة عصرية تُدرَّس فيها العلوم الطبيعية إلى جانب العلوم الدينية.
يقول الأستاذ محمد فائق في كتابه «عبد الناصر والثورة الأفريقية» إن الرئيس عبد الناصر أمر بتطوير الأزهر بعد أن لاحظ، من خلال متابعته لأوضاع المسلمين في أفريقيا، أن قوى الاستعمار الغربي كانت حريصة على تعليم المسيحيين العلوم الطبيعية، كالطب والهندسة والصيدلة، ومنع تعليمها للمسلمين، مما أدى إلى تحكم الأقليات المسيحية في دول أفريقية غالبية سكانها من المسلمين. وكانت هذه الأقليات المسيحية تتحكم في تلك البلدان الأفريقية وتعمل حليفًا يضمن مصالح قوى الاستعمار الغربي التي صنعتها؛ لذا صمّم الرئيس عبد الناصر على كسر هذا الاحتكار للسلطة، وإتاحة تعليم المسلمين الأفارقة علوم العصر، ليستطيعوا حكم بلدانهم بما يحقق مصلحة تلك البلدان.
أنشأ عبد الناصر مدينة البعوث الإسلامية، التي كان وما زال يدرس فيها عشرات الآلاف من الطلاب المسلمين، على مساحة ثلاثين فدانًا. وتضم المدينة طلابًا قادمين من سبعين دولة إسلامية، يتعلمون في الأزهر مجانًا، ويقيمون في مصر إقامة كاملة مجانًا أيضًا. وقد زوّدت الدولة المصرية، بأوامر من الرئيس عبد الناصر، المدينة بكل الإمكانيات الحديثة، وقفز عدد الطلاب المسلمين في الأزهر من خارج مصر إلى عشرات الأضعاف بسبب ذلك.
أنشأ عبد الناصر منظمة المؤتمر الإسلامي التي جمعت الشعوب الإسلامية.
وفي عهد عبد الناصر، تُرجم القرآن الكريم إلى لغات العالم.
وفي عهده، أُنشئت إذاعة القرآن الكريم التي تذيع القرآن على مدار اليوم.
وفي عهده، سُجّل القرآن الكريم كاملًا على أسطوانات وشرائط للمرة الأولى في التاريخ، ووُزّع القرآن مسجلًا في أنحاء العالم.
وفي عهد عبد الناصر، نُظّمت مسابقات تحفيظ القرآن الكريم على مستوى الجمهورية والعالم العربي والعالم الإسلامي، وكان الرئيس عبد الناصر يوزع بنفسه الجوائز على حفظة القرآن.
وفي عهده، وُضعت موسوعة جمال عبد الناصر للفقه الإسلامي، التي ضمت علوم الفقه والدين الحنيف في عشرات المجلدات، ووُزّعت في العالم كله.
وفي عهد عبد الناصر، بُنيت آلاف المعاهد الأزهرية والدينية في مصر، وافتُتحت فروع لجامعة الأزهر في العديد من الدول الإسلامية.
ساند جمال عبد الناصر كل الدول العربية والإسلامية في كفاحها ضد الاستعمار.
وسجلت بعثات نشر الإسلام في أفريقيا وآسيا، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، أعلى نسب دخول في الدين الإسلامي في التاريخ، حيث بلغ عدد الذين اختاروا الإسلام دينًا بفضل بعثات الأزهر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر سبعة أشخاص من كل عشرة، وهي نسب غير مسبوقة وغير ملحوقة في التاريخ، حسب إحصائيات مجلس الكنائس العالمي.
وفي عهد عبد الناصر، صدر قانون بتحريم القمار ومنعه، كما أصدر قرارات بإغلاق جميع المحافل الماسونية ونوادي الروتاري والمحافل البهائية.
وفي عهد عبد الناصر، وصلت الفتاة لأول مرة إلى التعليم الديني، كما افتُتحت معاهد أزهرية للفتيات، وأُقيمت مسابقات عديدة في مختلف المدن لتحفيظ القرآن الكريم، وطُبعت ملايين النسخ من القرآن الكريم، وأُهديت إلى البلاد الإسلامية، وأُوفدت البعثات للتعريف بالإسلام في أفريقيا وآسيا. كما طُبعت كتب التراث الإسلامي في مطابع الدولة طبعات شعبية لتكون في متناول الجميع، فيما سُجّل المصحف المرتل لأول مرة بأصوات كبار المقرئين، ووُزّع على أوسع نطاق في أنحاء العالم.
كان جمال عبد الناصر حريصًا دائمًا على أداء فريضة الصلاة يوميًا، كما كان حريصًا أيضًا على أداء صلاة الجمعة مع المواطنين في المساجد.
وبخصوص الدين المسيحي، كانت علاقة الرئيس جمال عبد الناصر ممتازة بالبابا كيرلس السادس. وكان جمال عبد الناصر هو الذي سأل البابا كيرلس السادس عن عدد الكنائس التي يرى من المناسب بناؤها سنويًا، وكان رد البابا: «من عشرين إلى ثلاثين». وكان الرئيس عبد الناصر هو الذي أمر بأن يكون عدد الكنائس المبنية سنويًا خمسًا وعشرين كنيسة، وأن تصدر التصاريح الخاصة بها بتوجيه من البابا نفسه إلى الجهات الرسمية.
وعندما طلب البابا كيرلس السادس من الرئيس عبد الناصر مساعدته في بناء كاتدرائية جديدة تليق بمصر، واشتكى له من عدم توافر الأموال الكافية لبنائها كما يحلم بها، قرر الرئيس عبد الناصر على الفور أن تساهم الدولة بمبلغ 167 ألف جنيه في بناء الكاتدرائية الجديدة، وأن تتولى شركات المقاولات العامة التابعة للقطاع العام عملية البناء.
كما أولى الرئيس جمال عبد الناصر اهتمامًا شديدًا بتوثيق العلاقات بينه وبين الإمبراطور هيلاسيلاسي، حاكم الحبشة (إثيوبيا)، مستغلًا في ذلك كون مسيحيي إثيوبيا من الطائفة الأرثوذكسية. ودعا الإمبراطور هيلاسيلاسي لحضور حفل افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية عام 1968، كما دعم توحيد الكنيستين المصرية والإثيوبية تحت الرئاسة الروحية للبابا كيرلس السادس.
كان الرئيس عبد الناصر، كعادته، بعيد النظر في ذلك؛ فقد أدرك أن توثيق الروابط بين مصر وإثيوبيا يضمن حماية الأمن القومي المصري، لأن هضبة الحبشة تأتي منها نسبة 85% من المياه التي تصل إلى مصر.
للأسف الشديد، بعد وفاة الرئيس عبد الناصر والانقلاب على الثورة في 13 مايو 1971، وما أعقب حرب أكتوبر 1973 من ردة شاملة على سياسات عبد الناصر، تدهورت العلاقات المصرية الإثيوبية في عهد الرئيس السادات، وما زالت متدهورة حتى الآن، واحتلت إسرائيل مكانة مصر في إثيوبيا وفي أفريقيا كلها.
في عهد جمال عبد الناصر، لم تقع حادثة واحدة طائفية بين المسلمين والمسيحيين، ولم تنتشر دعاوى تكفير الآخر ومعاداته.
لم يكن جمال عبد الناصر معاديًا للدين، ولم يكن ملحدًا، بل كان من أكثر حكام مصر فهمًا لروح الدين ودوره في حياة الشعوب، وأهمية إضفاء المضمون الاجتماعي القائم على العدالة والمساواة عليه.
دخل جمال عبد الناصر في حرب ضروس ضد تيار الإسلام السياسي، ممثلًا في تنظيم الإخوان المسلمين، بعد أن تآمر التنظيم ضده ووضع المخططات للتخلص من حكمه. وعندما انتصر عبد الناصر على تنظيم الإخوان في هذا الصراع السياسي على السلطة، سعى الإخوان إلى تشويه صورته واتهامه بمعاداة الإسلام!
من كل ما سبق، يتضح أن رؤية عبد الناصر للدين مناقضة تمامًا لرؤية أتاتورك له.
لم يقتصر التناقض بين أتاتورك وعبد الناصر على الموقف من الدين فقط، بل امتد إلى أمور أخرى. فقد كان عبد الناصر في حياته الشخصية محافظًا، فلم يُعرف عنه شرب الخمر أو مرافقة النساء أو أي مثالب شخصية متعلقة بسلوكه، فقد كان زوجًا مثاليًا وأبًا محبًا لأبنائه.
بينما كان معروفًا عن أتاتورك إدمانه شرب الخمر، وقد كان ذلك سبب وفاته بعد إصابته بتليف الكبد والفشل الكلوي. كما عُرف عنه ولعه بمعاشرة النساء من شتى الطبقات والمستويات، فلم يتزوج إلا متأخرًا، ولم يحظَ بحياة زوجية مستقرة، ولم ينجب، بل تبنّى فتاة.
ولم يقتصر التناقض بين الرجلين على ذلك فقط، بل امتد إلى الموقف من الغرب. فقد كان أتاتورك كارهًا لكل ما يمثله الدين الإسلامي من قيم ومعتقدات تنتمي إلى الشرق، ومولعًا بقيم وحضارة الغرب. لذا، بعد نجاحه في حماية استقلال تركيا والدفاع عنها داخل حدودها، سعى إلى التصالح مع كل القوى الغربية، حتى اليونان، ألد أعداء تركيا، فتصالح معها وزارها وتبادل معها البعثات الدبلوماسية.
انسلخ أتاتورك تمامًا عن تاريخ بلاده في الحقبة العثمانية، فحرص على تمجيد الثقافة القومية التركية وإعلائها، ورفض أي تعاون مع العالم العربي والإسلامي.
كان هم أتاتورك الأكبر هو الانتماء إلى الغرب والاندماج تحت مظلة أوروبا؛ لذا لم يكن غريبًا أن تكون تركيا ثالث دولة تعترف بإسرائيل فور إنشائها. فما زرعه أتاتورك سار خلفاؤه على نهجه؛ فلم يكتفوا بالاعتراف بإسرائيل، بل شاركوا في حلف بغداد، وعادوا القومية العربية ممثلة في التيار الذي قاده عبد الناصر، وحاولوا غزو سوريا عام 1957، وتآمروا على الجمهورية العربية المتحدة (1958-1961). وكان لهم دور في التخطيط لحرب 1967، حسب الوثائق التي نشرها المؤرخ الراحل الدكتور رؤوف عباس عام 2001. أما دورهم في احتلال العراق وتدميره عام 2003، فقد بدأت معالمه تتكشف الآن، وكذلك ما يقومون به منذ أعوام ضد سوريا من تخريب وسرقة لثرواتها، وسعي دؤوب لتدمير سوريا كدولة ومجتمع، وهو أمر واضح للعيان. وكل ذلك يرجع إلى الخط السياسي الذي أسسه أتاتورك، والذي سلخ تركيا عن الشرق ووضعها في خدمة مصالح الغرب، أملًا في أن تصبح دولة أوروبية فقط.
كان جمال عبد الناصر على النقيض تمامًا في سياساته؛ فقد وضع مصر في قلب العالم العربي، ووضع العالم العربي في قلب العالم، وخاض حروبًا طويلة وشرسة ضد الهيمنة الغربية امتدت طوال فترة حكمه.
اهتم عبد الناصر بتاريخ مصر العربي، فلم ينسلخ عن محيطه الإقليمي، بل وضع الدائرة العربية في كتابه «فلسفة الثورة» باعتبارها أولى دوائر السياسة الخارجية المصرية، مؤكدًا أنه من دون تأثير لمصر في عالمها العربي، فلن يكون لها تأثير في أفريقيا أو العالم الإسلامي أو على امتداد العالم.
هناك نقطة أخرى يختلف، بل يتناقض، الرجلان بشأنها؛ فقد كان أتاتورك دمويًا، إذ سحق ثورة الأكراد بعنف دموي شديد وأعدم قادتها، ولم يتسامح مع أي خروج على حكمه، حتى إن أصدقاءه أعدمهم بلا رحمة لمجرد شكوكه في تدبيرهم انقلابًا عليه. بينما لم يُعرف عن عبد الناصر ذلك، فلم يُعدم في عهده من السياسيين سوى نفر قليل من قادة جماعة الإخوان المسلمين الذين حاولوا اغتياله عامي 1954 و1965.
رفض عبد الناصر إعدام الملك فاروق، كما رفض قتل محمد نجيب رغم تآمره ضده. كان عبد الناصر يكره إراقة الدماء، ويردد دائمًا: «إن إراقة الدماء ستؤدي إلى المزيد من الدماء، وإن من يمشي في طريق الدم لن يستطيع الخروج منه».
من النقاط المضحكة التي يثيرها المتأسلمون للطعن في أتاتورك وجمال عبد الناصر، الادعاء بأنهما من أصول يهودية!
ربما في حالة أتاتورك لا نستطيع التحقق من صحة نسبه، ولكن هناك واقعة تاريخية مؤكدة يمكنها دحض تلك التهمة عنه. فمن ضمن المؤامرات التي حِيكت ضده ودُبّرت لاغتياله، كانت هناك مؤامرة كان أحد أبطالها، والذي أُدين بعد كشفها، وزير المالية التركي جاويد بك، وكان من يهود الدونمة وعلى صلة وثيقة بيهود العالم وبعائلة روتشيلد. وقد تشفّع فيه الكثيرون، وأرسل كبار زعماء اليهود في العالم خطابات إلى أتاتورك للعفو عنه، ولكن أتاتورك رفض وقرر تنفيذ حكم الإعدام في جاويد بك.
تلك الواقعة تلقي بظلال كثيفة من الشكوك حول يهودية أتاتورك؛ فلو كان يهوديًا، فلماذا يتآمر اليهود ضده؟!
ولماذا رفض أتاتورك تخفيف الحكم عن جاويد بك اليهودي؟!
أما بخصوص جمال عبد الناصر والادعاء بأن والدته يهودية، فالمعروف للجميع أن والدة جمال عبد الناصر هي السيدة فهيمة محمد حماد، وهي تنتمي إلى أسرة مصرية مسلمة من مدينة الإسكندرية، وكان والدها، الحاج محمد حماد، تاجر فحم معروفًا بالمدينة. وما زال هناك أفراد على قيد الحياة من عائلة الحاج محمد حماد، من أقارب الرئيس جمال عبد الناصر، وهم مصريون عرب مسلمون.
لقد أفنى جمال عبد الناصر حياته في محاربة اليهود الصهاينة، وعند وفاته احتفل قادة إسرائيل بالخلاص منه، لدرجة أن بن جوريون، مؤسس إسرائيل وسفاحها الشهير، قال إن عداء عبد الناصر لليهود فاق عداء فرعون مصر وهتلر لليهود!
وعندما سُئل الرئيس عبد الناصر عن الشخصيات التي أُعجب بها وأثرت في شخصيته، لم يذكر مصطفى كمال أتاتورك ضمنها، بل أعلن رفضه لدمويته.
رغم ذلك، هناك أوجه تشابه بين مصطفى كمال أتاتورك وجمال عبد الناصر، تتمثل في وفاة والد أتاتورك مبكرًا ونشأته يتيم الأب، وكذلك وفاة والدة جمال عبد الناصر وهو في الثامنة من عمره، ونشأته يتيم الأم.
والخلفية العسكرية أيضًا تجمع بين الرجلين، فكلاهما كان ضابطًا بالجيش.
والثورة أيضًا تجمعهما، فكلاهما كان ثائرًا منذ صغره.
والعمر القصير أيضًا يجمع بينهما، فقد توفي كلاهما شابًا؛ فرحل أتاتورك عن 57 عامًا، بينما رحل عبد الناصر عن 52 عامًا.
والجنازة الضخمة أيضًا تجمع بين الرجلين؛ فقد أُقيمت لأتاتورك جنازة ضخمة عقب رحيله، بينما أُقيمت لعبد الناصر أكبر وأضخم جنازة في التاريخ البشري حتى الآن.
كان أتاتورك مواليًا للغرب، لذا خُلّدت ذكراه، وحُوفظ على سياساته، واحتُفي به رسميًا، ووُضعت صوره في جميع الدواوين والمصالح والهيئات الرسمية التركية حتى الآن. بينما كان عبد الناصر معاديًا للغرب، فتم الانقلاب على سياساته ونهجه وفكره عقب وفاته، وشُنّت حملات عاتية وظالمة لتشويه عهده، وما زالت مستمرة حتى الآن.
عاش أتاتورك ومات رمزًا للأتراك فقط، وشعبيته محصورة داخل تركيا.
بينما عاش عبد الناصر ومات رمزًا للمصريين والعرب ولكل الأحرار في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
ما يُفرّق بين أتاتورك وعبد الناصر أكثر بكثير مما يجمع بينهما.
لم يؤثر أتاتورك في شخصية عبد الناصر، بل إن المرحلة التاريخية التي ظهر فيها أتاتورك شهدت بدايات صعود الفاشية في أوروبا، سواء عبر موسوليني في إيطاليا، ثم هتلر في ألمانيا، وفرانكو في إسبانيا. وكانت النماذج التي أقامها هؤلاء الثلاثة قريبة من النموذج الذي أقامه أتاتورك، في تمجيد القومية العرقية وعبادة الزعيم والدموية في مواجهة المعارضين.
تختلف تجربة عبد الناصر في الحكم عن تجربة أتاتورك، ولا يمكن مقارنة شخصية عبد الناصر بشخصية أتاتورك.
29 أكتوبر 2026 10:12 ص
26 أكتوبر 2026 09:15 ص
24 أكتوبر 2026 09:32 ص
22 أكتوبر 2026 02:56 م
أكثر الكلمات انتشاراً