الأحد، 27 سبتمبر 2026
11:10 م
عميد الأدب العربي طه حسين مع زوجته سوزان
لم تشعر في يوم من الأيام بأن جدها شخصية غير عادية، فكانت تراه الجد الطيب الكريم الحنون، الذي كان يحب أن يناديها بـ"لمبتي"، كان يخفي لها الشيكولاتة والحلويات في جيوبه خوفا من جدتها سوزان التي كانت ترفض تناولها الحلويات قبل الغداء. تعترف الحفيدة سوسن محمد حسن الزيات، ابنة أمينة طه حسين، بأنها ظلت لفترة طويلة لا تعرف أن جدها ضرير، وتشعر بالحزن على ما وصل إليه حال متحف "رامتان"، منزله سابقا، من إهمال وسوء إدارة، وتطالب وزارة الثقافة بتسديد المبلغ المتبقي من ثمن المنزل وتطالب الدولة بالاهتمام بالمتحف أسوة بمتحف الشاعر أحمد شوقي.
سوسن الزيات للمرة الأولى تتحدث عن عميد الأدب العربى، في حوار أجرته الزميلة ناهد الكاشف ونشرته في جريدة “الأهرام، وتعيد ”تليجراف مصر" نشره بعد الحصول على ‘ذن من الزميلة، حيث كانت شاهدة على آخر 23 عاما من حياته.
في بداية الحوار، رفضت سوسن الزيات التصوير نهائيا أو وضع صورة لها في الحوار، وباءت محاولاتي لإقناعها بالتصوير بالفشل فاحترمت رغبتها، وسمحت لنا بنشر صورة لها وهي طفلة صغيرة مع جدها، وصورة أخرى لخطاب أرسلته والدتها أمينة لوالدها وهي في الإسكندرية تحكي له كيف قضوا يومهم ومَنْ جاء لزيارتهم، كما احترمت صراحتها وبساطتها حين قالت "أنا مليش في الأدب وليس لديّ القدرة على التحدث عن طه حسين كأديب".
أنا ابنة أمينة طه حسين. والدي محمد حسن الزيات، شغل والدي منصب وزير الخارجية في عهد الرئيس أنور السادات، حاصلة على ماجستير من أمريكا ومتزوجة من الوزير المفوض علي القاضى، وأم لولدين، عملت لفترة في منظمة الأوبك في الجامعة العربية، تركت العمل بها نتيجة لارتباطي بعمل زوجي الدائم للتنقل والسفر.
أنجب طه حسين أمينة، ومؤنس، وأنجبت أمينة منى، الله يرحمها، وحسن، وأنا، وخالي مؤنس أنجب أمينة، وقد أطلق عليها اسم أمينة، على اسم والدتي وجدتها لوالدتها زوجة أمير الشعراء أحمد شوقي، وقد تزوج خالي من حفيدة الشاعر أحمد شوقي بعد قصة حب كبيرة وتزوجت أمينة مؤنس من ياباني الجنسية وتعيش حاليا في لندن.
كانت جدتي سوزان صارمة وحازمة وكلامها لابد أن ينفذ، أما جدى طه حسين فكان يدللني دائما، وأتذكر أن جدتي كانت ترفض بشدة تناول الحلويات قبل تناول وجبة الغداء، فكان جدي يخبئ لنا الشيكولاتة في جيوبه، ويعطيها لنا سرا. وكان دائما ينادينى بـ“لمبة”، وكان يقول لي “أنت لمبتي التى تضيء لي المكان”، وكان دائما يؤلف لنا القصص والحواديت، وكان لكل واحد منا اسم دلع غير اسمه يناديه به.
برغم السنوات التي عاشتها جدتي في مصر إلا أنها لم تتحدث “العربية” إلا قليلا، وكانت اللغة الفرنسية هي السائدة في البيت، ونتيجة لتنقل والدي في فترة عمله كمندوب دائم في الأمم المتحدة وتوليه منصب وزير الخارجية في فترة الرئيس أنور السادات كنا دائمي التنقل والسفر معه لأمريكا، وكانت جدتى سوزان تريد أن ندخل مدارس فرنسية وجدي لأبي كان يريد أن ندرس في مدارس عربية، لكن والدي قرر الدراسة في مدارس إنجليزية، وهذا لم يعجب جدي طه حسين.
كان والدي تلميذا من تلاميذه قبل أن يلتحق بالعمل في الخارجية، وارتبط بوالدتي وتزوجها بعد قصة حب كبيرة.
كانت والدتي قريبة جدا من جدي لأنها الابنة الكبرى الكبيرة، ونتيجة للنظام الصارم الذي كانت تتعامل به جدتي كانت والدتي في أحيان كثيرة تقوم بإعطاء جدي السجاير من وراء والدتها، لأنها كانت تمنعها عنه نهائيا، وكان خالي مؤنس قريبا من جدتي.
كان يستيقظ مبكرا وبعد تناول الإفطار معنا يدخل جدي لغرفته الخاصة ليستمع للقرآن لمدة ساعة، وكانت جدتي تدخل غرفتها لتصلي. وكانوا حريصين على سماع الموسيقى الكلاسيكية في المساء.
لم يكن له نظام معين في الأكل، فقد كان لا يحب الطعام، وكان يأكل بكميات قليلة جدا، وكانت هذه مشكلة تؤرق جدتي طول الوقت.
كان يأتي له يوميا سكرتير يقرأ له بالعربية وسكرتيرة تقرأ له بالفرنسية.
كانت دائمة الشكوى من عدم اهتمامه بصحته.
كان جدي يعاني آلاما شديدة في الظهر، وأصرت جدتي على إجراء عملية لتخفيف الألم عنه، ولكنه رفض بشدة إجراء العملية، لكن نتيجة لإلحاح جدتي وافق، وقد جاء طبيب مخصوص من فرنسا لإجراء العملية له، لكن للأسف فشلت العملية وفقد جدي القدرة على المشي كما كان قبل العملية، وأرادت جدتي تركيب أسانسير في البيت، ليسهل له الحركة، لكنه رفض، وكان يعتمد في تنقلاته في البيت على السفرجي، كان يحمله للطابق الثاني وينزله للطابق الأول.
لا.. كان بيتا عاديا جدا مثله مثل أي بيت مصري، وكان يتحرك في المنزل قبل العملية بشكل سلس، والغريب أنني لم أعرف أن جدي كان ضريرا إلا وأنا في الصف الأول الابتدائي، في يوم كان مطلوبا مني في المدرسة حفظ درس فأعطيت له الكتاب، وقلت له سمع لي الدرس ساعتها عرفت إنه ضرير.
للأسف لم نعد على صلة ببعض كان في بنات عم ماما اثنتان منهن كنت أعرفهما، لكن انقطعت الصلة من فترة طويلة.
لم يتبق منه شىء، فكل أخوات طه حسين جاءوا إلى مصر ولم يبق أحد منهم في المنيا.
لا لم يتدخل مطلقا في اختياراتهم في الدراسة التي درسوها والدتي درست أدبا يونانيا.
أنا لا أعرف تفاصيل كثيرة حول أسباب سفره، وكل ما أعرفه أنه تعرض لمشاكل في الجامعة.
هدا حقيقي، مند فترة جاء صديق لي من فرنسا وألحّ عليّ في طلب زيارة متحف رامتان، وأنا كنت رافضة الذهاب إليه، ونتيجة لإلحاحه في الطلب ذهبت معه، وعندما رأى المتحف وشاهد حجم الإهمال، وعدم النظافة، قال: الآن عرفت سبب رفضك للمجيء إلى هنا، وبعدها ذهبت إلى متحف أحمد شوقي وجدت الفرق شاسعا جدا من حيث النظام والنظافة والاهتمام.
لم أشعر أنني متميزة كوني حفيدة طه حسين، كنت أراه رجلا عاديا جدا.
أتضايق عندما أسمع هجوما عليه أو أقرأ انتقادات وتخاريف عنه، من عينة أن زوجته الفرنسية جعلته يتحول إلى المسيحية، وهذا الكلام تخاريف.
جدي كان يسمع القرآن كل يوم وجدتى احتفظت بديانتها حتى الموت وكانت متدينة جدا وكانت حريصة كل يوم أحد الذهاب إلى الكنيسة.

شاهدت المسلسل وأعجبني أداء أحمد زكي وأحببت صوت محمود ياسين في فيلم “قاهر الظلام”.
لم يترك سوى البيت الذي كانوا يعيشون فيه، ولم تترك جدتي أي مجوهرات، باستثناء بعض المشغولات الفضية القديمة، وبعد وفاة جدتي، باع والدي البيت لوزارة الثقافة، بموجب التوكيل الذي عمله خالى مؤنس لوالدي، وللأسف إلى الآن لم تسدد الوزارة المبلغ المتبقي من ثمن البيت.
بسخرية ممزوجة بالألم، قالت سوسن الزيات الحفيدة: “بعد أن عملنا كل إجراءات البيع من صحة توقيع ونفاذ، وتسليم البيت لتحويله لمتحف والتبرع بمكتبة طه حسين لوزارة الثقافة تبقى مبلغ قدره 100 ألف جنيه، قالوا لنا في الوزارة سيتم تسديد المبلغ المتبقي بعد أن يتم تسجيل العقد في الشهر العقاري، وإلى الآن لم يتم التسجيل ولم نأخد باقي ثمن المنزل”.
مات محاميان وتعاقب على الوزارة ستة وزراء، وآخر شىء قالوه لنا إن الموضوع سيحال إلى مجلس الدولة.
تبتسم سوسن وتقول: لم أر في حياتى حبا بهذا الشكل، كان يدللها دائما، ويناديها بصوت جميل ويقول لها سوزي وكانت حواراتهما وقصصهما وحواديتهما لا تنتهى، وأتذكر أنه عندما كنا نسافر في الصيف إلى الإسكندرية، ونتيجة لظروف عمله كان يبقى هو في القاهرة، كان يرسل لجدتي ووالدتي جوابا كل يوم وكانت والدتي ترسل له هي الأخرى جوابا كل يوم تحكي له تفاصل يومهم، وقد أعطاني والدي هذه الجوابات وطلب مني أن أحتفظ بها.
لا..لأن هذه الخطابات “مش للنشر” لأنها خطابات شخصية لا تهم أحدا. بعد محاولات مني وافقت وأطلعتني على جواب واحد أرسلته أمينة للدكتور طه تحكي له كيف قضت يومها.
لأني لا أريد أن أفتح على نفسي فاتحة، فقد أخذت قرارا بعدم النشر في هذا الموضوع، لو كان والدي يريد نشر هذه الخطابات لكان نشرها، لكنه معنى أنه أعطاها لي أنه لا يريد أن تتداول في وسائل الإعلام لأنها فيها مسائل شخصية لا تهم أحدا.
قالت ضاحكة “راسى ناشفة” طالعة لجدي هو كان عنيدا، وعندما يصمم على شىء لا يمكن أن يتراجع عنه.
لم أكن موجودة في مصر وقتها، وكانت والدتي ووالدي في نيويورك، حيث كان يعمل وقتها في الهيئة العامة للأمم المتحدة، فلم يكن في مصر غير أخي حسن، وجاءت والدتي ووالدي بطيارة خاصة لأن مصر كانت وقتها في حرب 73 والطيران كان تقريبا متوقفا
بعد الرحيل تركت منزلها في الهرم وأقامت معنا في منزلنا في المعادي لمدة سنة، لكنها لم تستطع البقاء وفضلت العودة لمنزلها في الهرم، وقد تعرضت للسرقة، لكنها أصرت على أن تبقى في منزلها، لكن في الفترة الأخيرة في حياتها جاءت وأقامت معنا حتى وفاتها.
كانت عائلة متماسكة جدا.
كان جدى طيبا وحنونا وكريما، ومن المواقف الغريبة التي أتذكرها أنه في يوم طلب منا والدي أنا وإخوتي منى وحسن أن نقبل يدّ جدي عندما نسلّم عليه، لكن جدي غضب جدا من والدي ورفض بشدة أن نقبّل يده وقال لوالدي أنا أحب ألا يقبل أحد يدي.
27 سبتمبر 2026 04:21 م
26 سبتمبر 2026 02:37 م
26 سبتمبر 2026 08:27 م
26 سبتمبر 2026 06:03 م
26 سبتمبر 2026 05:14 م
25 سبتمبر 2026 01:38 م
25 سبتمبر 2026 05:14 م
أكثر الكلمات انتشاراً