السبت، 18 يوليو 2026

11:52 م

"عطش فوق ضفاف النهر".. هل اقتربت مصر من السيناريو الأسوأ لجفاف النيل؟ (خاص)

انحسار نهر النيل في السودان

انحسار نهر النيل في السودان

أثارت مقاطع الفيديو الواسعة التي جرى تداولها مؤخرًا على منصات التواصل الاجتماعي مخاوف كبرى من تراجع غير مسبوق وانحسار غير طبيعي في مناسيب مياه نهر النيل.

هذا المشهد المقلق فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حاسمة حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الجفاف المفاجئ، ودور تشغيل "سد النهضة" الإثيوبي، والأهم من ذلك: كيف سينعكس هذا الانحسار المروع في السودان على الأمن المائي المصري؟.

الملامح الأولى للكارثة: شلل في الخرطوم وجفاف في الشمال

تحول التراجع في مناسيب النيل من مجرد تحذيرات إلى أزمة مياه خانقة باتت تهدد مئات الآلاف من المواطنين في العاصمة السودانية والولايات المشاطئة للنهر. 

وتجلت أولى التأثيرات المباشرة في خروج محطة "مياه الصالحة" جنوب أم درمان ومحطة "شمال بحري" بالخرطوم عن الخدمة مؤقتًا، وذلك بسبب الانخفاض الشديد لمنسوب المياه وابتعاد المجرى تمامًا عن مداخل مضخات السحب.

ما دفع السلطات للاستعانة بحفارات لشق مجارٍ مائية جديدة لمحاولة الوصول إلى المياه الآخذة في الانحسار.

ولم تتوقف الأزمة عند مياه الشرب، بل امتدت لتضرب قطاع الزراعة بعد خروج مضخات الري في عدة مشاريع حيوية عن الخدمة. 

ففي ولاية نهر النيل، وتحديدًا في منطقة "البجراوية"، رصد السكان تراجعًا ملحوظًا للمياه عن الشواطئ بمسافات تصل إلى 15 مترًا. 

أما في الولاية الشمالية، فقد ظهرت ألسنة رملية واسعة وجزر جافة وسط النهر، حتى بات من الممكن عبور مجرى النيل سيرًا على الأقدام في مشهد غير مألوف.

رأي الخبير: معضلة تشغيل سد النهضة واستراتيجية التخزين

لتفكيك اللغز الكامن وراء هذا الانحسار المفاجئ، يوضح الخبير المائي الدولي، الدكتور نادر نور الدين لـ"تليجراف مصر" أن الأزمة الراهنة تعود مباشرة إلى آلية التشغيل التي تفرضها إثيوبيا، وتظهر عواقبها بوضوح مع دخول "السنوات العجاف".

145654
الدكتور نادر نور الدين 

ويشرح الدكتور نور الدين، قائلاً: "الحقيقة العلمية تؤكد أن إثيوبيا تصر مع كل دورة أمطار في موسم الفيضان (من يونيو إلى ديسمبر) على أن تستكمل أولاً النقص المائي الذي حدث في بحيرة السد الإثيوبي نتيجة عمل التوربينات والبخر خلال الموسم المنتهي.

وبناءً عليه، تقوم بحجز المياه أولاً وتوليد الكهرباء، على أن تتدفق المياه بعد ذلك إلى السودان ومصر على مدار 365 يومًا (طوال العام) وليس في موسم الفيضان الغزير كما تعودنا قبل بناء السد.

ويشير الخبير المائي إلى أن هذا السلوك المائي كان جوهر الخلاف المستمر بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، حيث كان السؤال الحاسم دائمًا: في السنوات شحيحة الأمطار (العجاف)، لمن تكون الأولوية؟ هل لضخ المياه للشعوب العطشى في دول المصب، أم لاستكمال ملء السد الإثيوبي وتوليد الكهرباء أولاً؟.

ويضيف نور الدين: طالبنا بمرونة تضمن ضخ المياه أولًا لمصر والسودان، وأن تقلل إثيوبيا توليد الكهرباء لتكتفي بنحو 80% فقط من معدلات التوليد، لكن أديس أبابا رفضت تماماً وأصرت على التخزين أولًا في بحيرة السد”.

وواصل: "وما نراه اليوم في السودان من جفاف فروع النهر وتوقف المحطات هو النتيجة المباشرة لعدم سماح إثيوبيا بسريان مياه هذا الموسم وتفضيلها ملء ما نقص من بحيرتها".

طبيعة الفيضان هذا العام: ظاهرة "النينو" تضرب الحبشة

يكشف الدكتور نور الدين عن معطيات مقلقة مستندة إلى دراسات علمية حديثة صادرة عن المنظمات الدولية للمياه والزراعة، تؤكد أن هذا العام يُصنف ضمن "السنوات العجاف". 

وتعود الأسباب المناخية إلى وقوع هضاب وسواحل دول الحبشة تحت تأثير ظاهرة "النينو" المناخية، التي تسببت في جفاف حاد وشح شديد في الأمطار على الهضبة الإثيوبية، والتي تمثل مصدر 85% من مياه النيل.

ورغم تجاوز منتصف شهر يوليو وهو ذروة الفيضان تاريخيًا إلا أن مياه الفيضان لم تصل إلى السودان بعد، وتكاد تكون معظم أنهارها الرافدة قد جفت وانكشفت قيعانها.

وينتقد الخبير المائي الأصوات التي تدعي أن إثيوبيا ستقوم بتفريغ بحيرة السد لاستقبال الفيضان الجديد، مؤكدًا أن الواقع يثبت العكس، فالأولوية تذهب دائمًا للتخزين الذاتي، ولن يصل لدول المصب سوى ناتج تشغيل التوربينات فقط إن اشتغلت.

كيف تتأثر مصر؟ السيناريو القادم في بحيرة ناصر

وفي الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية: كيف سينعكس هذا المشهد على مصر؟ يوضح التقرير بناءً على التحليل المائي أن التأثير المباشر لن يظهر في صورة جفاف فوري في مجرى النيل بمصر أو انقطاع مباشر لمياه الشرب كما حدث في الخرطوم، وذلك بفضل وجود "السد العالي" الذي يشكل صمام الأمان المائي للبلاد.

لكن التأثير الحقيقي والكارثي سيتركز في "رصيد بحيرة السد العالي" ومخزون مصر المائي الاستراتيجي للسنوات القادمة.

فالسد العالي سيعوض النقص الشديد في الإيراد المائي الحالي عبر السحب من مخزونه الحي لضمان استمرار تدفق المياه في ربوع مصر دون انقطاع.

إلا أن استمرار تشغيل سد النهضة بهذه الآلية بالتزامن مع توالي السنوات شحيحة الأمطار، سينهك الاحتياطي المصري خلف السد العالي ويدق ناقوس الخطر حول قدرة المخزون على الصمود في المستقبل ما لم يتم التوصل إلى اتفاق قانوني وملزم ينظم الإدارة المشتركة للأزمات المائية والجفاف.

أخبار متعلقة

تابعونا على

search