العطاء الذي لا يُقابله شيء
في كل علاقة، هناك طرف يمنح أكثر، يُحب أكثر، يصبر أكثر، ويتحدث أكثر حين يصمت الآخر. ذلك الطرف الذي يضع مشاعره على الطاولة دون تردد، كمن يعرض قلبه بلا غلاف، على أمل أن يجد من يبادله النبض ذاته. لكنه مع الوقت يكتشف أن العطاء، حين لا يُقابله شيء، يتحول إلى استنزافٍ بطيء للروح، لا إلى مصدر دفء كما كان يتمنى.
العطاء في جوهره فعل حبّ نقي، لكنه يصبح مؤلمًا عندما يخرج عن طبيعته المتوازنة. فالحب لا يقوم على الكرم وحده، بل على التبادل. أن تمنح ليكتمل الآخر بك، لا أن تُنقص نفسك لتكمله. ومع ذلك، هناك من يظلون يمنحون حتى آخر خيط في داخلهم، لا لأنهم لا يشعرون بالخذلان، بل لأنهم يخشون أن يتوقفوا فيخسروا ما تبقى من العلاقة، أو لأنهم تعودوا أن وجودهم مرتبط بما يقدمونه لا بما هم عليه.
في العلاقات غير المتوازنة، يتخذ العطاء شكلًا مختلفًا. يتحول من فعل تلقائي نابع من المحبة إلى وسيلة دفاع. فالمحب الذي لا يُقابل بمشاعر مماثلة يبدأ بإغراق الطرف الآخر بالمزيد، كأنه يحاول أن يُقنعه بالعاطفة، أو أن يشتري رضاه بالحنان. ينسى أنه بذلك يزرع في داخله شعورًا خفيًا بالمرارة، وأن الحب الذي لا يُردّ، يترك ندبة صامتة لا تُرى.
من يمنح كثيرًا، لا يفعل ذلك دائمًا بدافع القوة. أحيانًا يمنح لأنه لا يحتمل فكرة أن يُهمل أحدهم، كما أُهمل هو من قبل. يمنح لأنه يخاف من الرفض، أو من أن يُترك بلا دور. يمنح لأنه يرى في العطاء طريقًا للبقاء. وربما لأن داخله صرخة تقول: "أنا أستحق أن تُحبني، انظر كم أُعطيك." لكنها صرخة لا تُقال، بل تُترجم إلى فعل دائم، إلى مبادرات لا تتوقف، إلى محاولات لا يُقابلها صدى.
وحين يُطيل الصمت في الطرف الآخر، يبدأ المتعب بالعطاء في لوم نفسه: هل قصّرت؟ هل أصبحت عبئًا؟ هل تغيّر بي شيء؟ وهكذا تتضاعف قسوته عليه نفسه، بدل أن يدرك أن المشكلة ليست فيه، بل في ميزان العلاقة المختلّ. فالعطاء حين يُصبح طريقًا للبحث عن الاعتراف، يتحول إلى سجنٍ عاطفي يقيّد صاحبه بأوهامٍ من الأمل والتبرير.
ما لا يدركه كثيرون هو أن الحب لا يُقاس بمقدار ما نمنح، بل بمدى ما نُشعر به من توازن وأمان. فالمشاعر حين تكون حقيقية لا تحتاج إلى جهدٍ مستمرٍ لإبقائها حيّة. لا تحتاج أن تُسقيها يوميًا بخوف، ولا أن تلهث خلف بقاياها كي لا تموت. العلاقات التي تقوم على طرفٍ واحدٍ يُنعشها بالعطاء فقط، تُصبح كزهرة تُروى من جهةٍ واحدة، فتذبل ببطء رغم الماء.
والمؤلم أكثر أن الطرف الذي اعتاد أن يمنح، يجد نفسه في النهاية عاجزًا عن التوقف، حتى بعد أن يُدرك أنه يُستنزف. كأنه خُلق ليُعطي. يشعر بالذنب إن فكر أن يحتفظ بشيءٍ لنفسه، ويخاف أن يُتهم بالأنانية إن توقف عن المبادرة. لكن التوازن لا يعني الأنانية، كما أن التضحية المستمرة ليست دليل حب، بل أحيانًا علامة على جرح قديم لم يُشفَ بعد.
ربما أصعب ما يواجهه من يُحب بصدق هو لحظة الإدراك: أن العطاء لا يكفي وحده لإنقاذ علاقة، وأن الحب الذي لا يُقابله تفاعل، يموت ولو بعد حين. ومع ذلك، لا يندم هؤلاء، لأن قلوبهم تعرف أن النقاء لا يُقاس بالنتيجة، بل بالنية. إلا أن التعافي يبدأ حين يفهمون أن الاستمرار في العطاء بلا مقابل ليس حبًا، بل تعلقًا بالحلم، وخوفًا من الفراغ.
فالمشاعر، مثل كل ما في الحياة، تحتاج إلى توازن كي تنضج. أن تأخذ بقدر ما تعطي، أن تصغي بقدر ما تتكلم، أن تشعر بالأمان بقدر ما تمنحه. وإلا فإنك ستظل في علاقة تملؤها الحركة من طرف واحد، كقارب يجدف فيه شخص واحد بينما الآخر يتأمل الشاطئ.
في النهاية، العطاء لا يفقد قيمته حين لا يُقابل، لكنه يفقد معناه حين يُستهلك صاحبه داخله. العطاء الحقيقي هو ذاك الذي يضيف إلى النفس، لا ذاك الذي يستنزفها. الحب الناضج لا يطلب التوازن ليحمي كبرياءه، بل ليحمي روحه من الفناء. أن تُحب لا يعني أن تُفرغ نفسك من كل ما فيك، بل أن تُبقي مساحة لتعود إليها حين تتعب.
التحليل النفسي الهادئ لهذا النمط من العلاقات يكشف أن أصحاب العطاء المفرط يعيشون غالبًا في ظلّ تجربة نفسية سابقة، ربما فيها خوف من الفقد أو رغبة غير مشبعة بالقبول. لذا فإن العطاء يصبح لديهم وسيلة للسيطرة على هذا الخوف، وسعيًا لا واعيًا لإثبات القيمة الذاتية. أما العلاج فيكمن في إدراك أن الاستحقاق لا يُكتسب بالفعل، بل هو وجودٌ أصيل فينا، وأن الحب المتبادل لا يُصنع بالمجهود، بل بالصدق.
الأكثر قراءة
-
واقعة "سيارة علم إسرائيل" بكرداسة تنتهي على مفاجأة مدوية، ماذا كشف الأب فور حضوره؟
-
تفاصيل جديدة في واقعة "فتاة بورسعيد".. جريمة بدأت بخلاف على شقة
-
"نزع سرواله وعمل حركة بذئية"، الأمن يفحص فيديو لشاب يهدد أسرة بمصر الجديدة
-
واقعة فتاة بورسعيد، زوجة شقيق الخطيب متهمة وحيدة وشهد خارج دائرة الاتهام
-
قطع أذنها بعد موتها.. مدمن "آيس" ينهي حياة زوجته بـ"طفاية حريق" في السلام
-
ملف قنوات نايل سات 2026.. أحدث ترددات وترتيب القنوات بخطوات سهلة
-
التحقيق مع 5 متهمين، محامي ضحية خطيبها في بورسعيد: ننتظر كشف الحقيقة كاملة
-
محافظ أسيوط: الشفافية والتواصل المباشر عنوان المرحلة المقبلة
مقالات ذات صلة
"اتنين غيرنا".. امنحني الأمان أيها الرجل الناضج
27 فبراير 2026 09:50 ص
الصيام عن القسوة.. كيف يعيد رمضان تهذيب العلاقة بين الرجل والمرأة؟
20 فبراير 2026 09:59 ص
البخل العاطفي.. القاتل الصامت للعلاقات
06 فبراير 2026 09:07 ص
التربية العاطفية الغائبة وأثرها في الاختيارات
23 يناير 2026 08:59 ص
الصوت الشتوي تحت قبة البرلمان.. العبرة بالأداء
19 يناير 2026 12:27 م
الرحلة المقدسة كدرس إنساني في ترميم الروابط الأسرية
16 يناير 2026 09:03 ص
قراءة في زواج زوج الصديقة... بين الحق القانوني والسقوط الأخلاقي
09 يناير 2026 10:18 ص
وهل تهون العِشرة على أولاد الحلال؟
02 يناير 2026 08:49 ص
أكثر الكلمات انتشاراً