الثلاثاء، 02 يونيو 2026

10:23 م

في مونديال 2026 ما يستحق الحياة!

ينتظر الجميع الحدث، يحلمون بالبدايات الجديدة ويريدون أن يروا انطلاقات نجومهم، عاشقي كتالونيا يتشوقون لرؤية ألاعيب يامال ومحبي السيلساو يأملون أن تبتسم الكرة لولدهم "فينسيوس"، المصريون يفرحون بوجود حمزة عبد الكريم وفرنسا تجهز فتاها الأول "مبابي" لمعركة جديدة، جميعهم على اختلاف الانتماءات يحلمون بالغد، فلماذا أنا وحدي من انتابني الحنين؟، الحنين الذي قال عنه محمود درويش: "استرجاع للفصل الأجمل في الحكاية.. الفصل الأول المرتجل بكفاءة البديهة" قبل أن يؤكد أن "الحنين يولد من كل حادثة جميلة ولا يولد من الجرح بل ما يُنتقى من متحف الذاكرة".


وذاكرتي لا تنظر إلى الغد، ربما لأن فيه متسعا، أما الآن فكل ما أراه النهايات للفصول الأجمل في تاريخ كرة القدم، هل تلك أول نهاية؟ لا، قبل عشرين عامًا كانت هناك نهاية أيضًا، ويعذرني قرّاء جيل زد حين أذكر أمامهم رقم (عشرون عامًا) كأنه شيء عادي، وهو تقريبا ثلاثة أرباع عمرهم إن لم يكن أكثر، لكنها الحقيقة، قبل عشرين عامًا وفي المونديال أيضًا وتحديدًا نسخة 2006 التي أقيمت في ألمانيا كان الوضع مشابها تمامًا وكان علي أن أودّع نجوما كثرا عشت معهم أجمل ذكريات الطفولة وبسببهم فتنت بالساحرة المستديرة.


كانت المرة الأخيرة التي يترجل فيها رونالدو نزاريو عن فرسه ويتخلى عن المونديال الذي صار هو هدّافه التاريخي آنذاك، وكان علي أن أرى زين الدين زيدان يغادر للمرة الأخيرة الساحة التي طالما تربع على عرشها، كما فقدت في نفس اللحظة روبرتو كارلوس الذي مزج بين الكرة والفيزياء فصار العلماء يتابعون تسديداته لا قوانين الكم، هل اكتفى هذا المونديال بهؤلاء العمالقة؟ لا، كان علي أيضًا أن أقول وداعًا لديفيد بيكهام الساحر الأنيق وديلبييرو الرسام ولويس فيجو الخائن العظيم.

في نفس المونديال رأيت لآخر مرة قائدا عظيما اسمه كافو ومهاجم مختلف اسمه كريسبو، كما خلع حارس عظيم بحجم أوليفر كان قفازه للمرة الأخيرة وترجّل قيصر روما توتي عن عرشه بعد أن خلع قميص بلاده للأبد، كل هؤلاء فقدتهم دفعة واحدة، في أقل من شهر رأيتهم يتساقطون كأوراق شجرة أكلنا من ثمارها طويلًا وتظللنا بظلها لسنوات، لكنها شاخت وخريفها لم يكن رحيمًا على من رووها بصدق.

واليوم، شاخت شجرة أخرى وحان وقت خريفها، شجرة كان أزهر أوراقها رجلًا يسمى كريستيانو رونالدو ملك من الشغف ما يفوق الكثيرين ولعب بإصرار نادر طوال أكثر من عقدين، الآن عليه أن يترك ذلك فلا رحلة أخرى لمونديال جديد ولا رقصة احتفال تنتظره في الأفق، تمامًا كزميله ومنافسه الشرس ميسي الذي سيتعين عليه وقف ألاعيبه التي أبهرت العالم لأكثر من عقدين فشلوا فيهم في معرفة كيف يرى ما لا يراه الآخرون، البرغوث الأرجنتيني وابن مارادونا البار الذي جلب الكأس الثالثة في قطر ستكون أمريكا التي يلعب فيها آخر ظهور مونديالي، هكذا قررت الشجرة إسقاط الورقتين معا، وإسقاط أكثر من 12 كرة ذهبية وتاريخ وعشق وجنون ومنافسة، لم تدخر لنا أحدًا في الأيام المقبلة ولو من باب التعاطف.

سيكون علينا أيضًا أن نودع لاعبين من طراز فريد، دي بروين رمانة ميزان بلجيكا وصاحب مجدها الأول، ومانويل نوير عملاق حراسة المرمى الذي سيكون عليه خلع قفازه هو الآخر، أما الأمير لوكا مودريتش فقد حانت ساعة التخلي عن عرشه لأمير كرواتي جديد لن يكون بصلابة "لوكا" بالتأكيد، وأخيرًا البرازيل التي سيغادرها نيمار إن شارك في البطولة أصلًا.

أريتم كم كانت الشجرة مثمرة وأوراقها ذات ظلال كثيفة؟ ألا يحق لنا أن نودع هؤلاء بما يليق، نعم ما أشبه 2026 بـ2006 وما أشبه المغادرين القدامي بالمغادرين الجدد، أما من يصنعون المستقبل الآن فهم ولا شك يستحقون الكثير وعليهم أن يمنحونا الكثير لنكتب ذات يوم كلامًا يليق بهم.

search