برلمان على حافة الفراغ!
دخلت الانتخابات البرلمانية مرحلة حرجة بعد أن أبطلت المحكمة الإدارية العليا نتائج عشرات الدوائر في المرحلة الأولى، وهو قرار غير مسبوق بهذا الحجم منذ سنوات.
ومع أن الأحكام جاءت على خلفية طعون تتعلق بالفرز، وإجراءات التصويت، ومحاضر اللجان، إلا أن تأثيرها لا يقف عند حدّ إعادة الانتخابات، بل يفتح الباب واسعاً أمام سؤال أكبر: ما مدى شرعية البرلمان القادم؟
هذا السؤال لم يعد ترفاً سياسياً، بل بات مطروحاً بإلحاح، لأن البرلمان - حتى قبل اكتمال تشكيله- أصبح محاصراً قانونياً، ومطعوناً في تمثيله، ومهدداً في قدرته على الانعقاد.
كرجل قانون، أوضح أن الشرعية في الأنظمة البرلمانية لا تستمد فقط من إعلان النتائج، بل لها ثلاثة أركان، الأول سلامة إجراءات العملية الانتخابية، والثاني، استقرار النتائج وعدم الطعن فيها، أما الركن الثالث وهو بالغ الأهمية أيضاً وسوف نربطه لاحقاً بمسألة القائمة، فهو ضرورة توافر تمثيل كامل للخريطة الانتخابية.
ومما لا شك فيه أنه عندما تلغى نتائج 28 دائرة دفعة واحدة، فإن هذا يعني - من الناحية الدستورية- أن مجلس النواب لا يمثل الإرادة الشعبية كاملة، وأن تكوينه قابل للطعن أمام محكمة أخرى.
حكم المحكمة الإدارية العليا الذي صدر أمس أحدث هزة نفسية ومجتمعية قوية، وجدد الثقة في القضاء المصري، وعزز هيبة - يجب أن تكون جلية وواضحة- للسلطة القضائية، فجميعنا شاهد ما شاب هذه الانتخابات من تجاوزات، لم يعد سهلاً التكتم عليها، في ظل سوشيال ميديا نافذة وحاكمة بأمرها، ومواطن تحول إلى عين للمجتمع بما يملكه من هاتف مزود بكاميرا في يديه.
من ثم فإن إنكار ما يحدث أو التعامي عنه لم يعد مجدياً، بدليل تدخل الرئيس بنفسه لتصحيح المسار، وتأكيده أنه قلق بشأن ما شاب العملية الانتخابية من تجاوزات، بل تعبيره صراحة عن امتعاضه من تنامي نفوذ أصحاب المال السياسي، واستغلال حاجة الناس لشراء أصواتهم وإرادتهم.
وعود على بدء، لا زلت غير مقتنع بأن العوار يشوب الانتخابات الفردية فقط، فالقائمة المطلقة التي فرضت على تلك الانتخابات تمثل نظاماً غير منصف في دولة بحجم مصر، لأنها تقصي كتلة ضخمة من الأصوات.
وانعكس ذلك في عزوف غالبية أصحاب الاستحقاق الانتخابي، ما يجعل نجاح هذه القائمة ليس دليلاً على شعبيتها، بل على هندسة انتخابية تحتاج مراجعة جذرية!
ويبقى السؤال المهم، هل يمكن استمرار هذا النظام الانتخابي؟
أرى أنه في ضوء الأحكام القضائية الحالية، فإن هذا النظام يعد الاضعف على الإطلاق خصوصاً فيما يتعلق بهذه القائمة المطلقة، وبكل أمانة هي أول ما يجب تغييره في أي تعديلات قادمة.
ونحن الآن نقف أمام سيناريوهات محدودة، أولها إعادة واسعة للانتخابات، وهو الأقرب في ظل استمرار الطعون، وانتقالها من محكمة لأخرى، ما يعني تعطيل انعقاد البرلمان، والدخول في مارثون انتخابي شرس جديد، بغض النظر عن كلفة تلك الانتخابات سواء الأصلية والإعادة!
أما السيناريو الثاني، فربما يتمثل في تدخل الرئيس مجدداً لضبط المشهد الانتخابي، إما بتعديلات تشريعية أو دعوة إلى انتخابات جديدة في إطار سياسي مختلف يضمن تمثيلاً أوسع للشعب المصري.
وبالمناسبة، لعلكم مثلي توقفتم عند ردود الفعل الدافئة والحماسية من قبل مرشحين أنصفتهم المحكمة الإدارية بإعادة الانتخابات تجاه الرئيس، وأعتقد أن هناك ضرورة للبناء على ذلك، فالناس شعرت أن الأمل أصبح معقوداً عليه فقط في إصلاح الخلل.
ما يجب أن يدركه القائمون على النظام الانتخابي، أن الشرعية ليست ورقة تمنح، بل علاقة بين الدولة والمجتمع، والبرلمان القادم بما يشهده من مخاض صعب، يواجه طعوناٌ قانونية، وتبرما من نظام القائمة، وشكوكاً أصبحت يقيناً في نزاهة كثير من الدوائر، وانسحاب رموز سياسية رفضت المشاركة، فضلاً عن نسبة تصويت ضعيفة لا تمنحه ثقلاُ سياسياً!
ومن ثم لم يعد يدور السؤال الصعب حول ما إذا كان هذا البرلمان سيولد بالفعل، بل أصبح، هل يمتلك القدرة على الاستمرار إذا تم تشكيله؟
الخلاصة أن الانتخابات الحالية كشفت فجوة كبيرة بين “الشكل الديمقراطي” والمحتوى السياسي الفعلي”.
ومع إلغاء نتائج دوائر كاملة، وتضخم الطعون، وتآكل ثقة الجمهور، يبدو مجلس النواب القادم أضعف مؤسسات الدولة تمثيلاً، وربما يدخل التاريخ كأكثر برلمان طُعن في شرعيته قبل حتى أن يحلف أعضاؤه اليمين.
الأكثر قراءة
-
قرارات عاجلة من النيابة بشأن دهس التلميذة جنى أمام المدرسة بالشروق
-
"الفترة الانتقالية"، هل تكون مسمار جحا في إعادة الإيجار القديم إلى البرلمان؟
-
بحضور قيادات أمنية بارزة، اللواء العسقلاني يحتفل بزفاف نجله
-
المتحور الجديد 2025.. حقيقة انتشاره في مصر وشدة أعراضه
-
مواقيت الصلاة في مصر اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025
-
بعد ارتفاع 300 جنيه، ما مستقبل سعر جرام الذهب عيار 21؟
-
العثور على جثمان القبطان البحري الغارق خلال رحلة سفينة من بورسعيد لدمياط
-
47 دائرة ملغاة.. فهل نقترب من الإلغاء الكامل للانتخابات؟
مقالات ذات صلة
رمضان المسكين.. هل يجب أن نتعاطف مع متهم لأنه نجم؟!
28 نوفمبر 2025 03:49 م
انتخابات كاشفة.. ومشاهد مؤلمة.. ووطن يحتاج الجميع
25 نوفمبر 2025 06:04 م
بيان الرئيس.. لحظة حاسمة لضبط النزاهة وحماية إرادة المصريين
17 نوفمبر 2025 01:27 م
ليسوا رجالاً.. وكلنا شركاء في الجريمة!!
14 نوفمبر 2025 04:46 م
أكثر الكلمات انتشاراً