وصاية الأخلاق في المترو، هل تحوّل الفضاء العام إلى محكمة شعبية؟
المسن في واقعة فتاة المترو
في ساعات قليلة، تحول فيديو يوثق مشادة بين رجل مسن وفتاة داخل أحد قطارات المترو إلى مادة مشتعلة للنقاش العام، بعدما انقسم رواد مواقع التواصل الاجتماعي بين من رأى في تصرف الرجل دفاعا عن «الأخلاق العامة»، ومن اعتبره تعديا صريحا على الحرية الشخصية، وتجسيدا فجا لمفهوم «الوصاية الأخلاقية» التي باتت تفرض على الأفراد، وبالأخص النساء، في الفضاءات العامة.
الفيديو، الذي انتشر على نطاق واسع، لم يكن مجرد مشهد عابر داخل مرفق عام، بقدر ما أعاد طرح سؤال أعمق: من يملك الحق في محاسبة الآخرين أخلاقيا؟ وهل تحول بعض الأفراد إلى أوصياء على سلوك غيرهم بدعوى الفضيلة؟
“هو من فقد أخلاقه”.. المجلس القومي للمرأة يرفض الوصاية
في هذا السياق، تواصلت تليجراف مصر مع عزة هيكل، عضو المجلس القومي للمرأة، التي عبرت عن رفضها القاطع لمضمون الفيديو وطريقة التعامل مع الفتاة، معتبرة أن ما حدث لا يمكن تبريره تحت أي مسمى أخلاقي.
وأكدت هيكل أن تحميل الفتاة مسؤولية ما جرى يعكس خللا جوهريا في فهم مفهوم الأخلاق، قائلة إن الرجل هو من تجاوز حدود اللياقة، وليس الفتاة، مشددة على أن أسلوبه الهجومي، ونعته لها بعدم الاحترام، يمثل تعديا لفظيا يعاقب عليه القانون.
وأضافت أن جلسة الفتاة أو وضعها لقدميها لا يخص أي طرف آخر، ولا يمنح أحدا حق التدخل أو التوجيه القسري، مؤكدة أن الحرية الشخصية لا تسقط لمجرد اختلاف القناعات.
من الوصاية إلى التشدد.. قراءة في التحول المجتمعي
ورأت عضو المجلس القومي للمرأة أن الواقعة تتجاوز فكرة «النصيحة» أو الفارق العمري بين كبير وصغير، معتبرة أنها مؤشر على تحول مقلق في المزاج المجتمعي، بات يميل إلى التشدد وفرض الوصاية باسم القيم.
وأوضحت أن ما أثار الغضب ليس سلوكا فاضحا أو خادشا، بل مجرد جلسة داخل وسيلة نقل عامة، جرى تضخيمها باعتبارها خروجا عن المألوف، في مشهد يعكس تضييقا متزايدا على النساء في المجال العام.
وأكدت أن من يرفض مظاهر الحرية عليه أن يحتفظ بقناعاته داخل نطاقه الخاص، لا أن يسعى لفرضها على الآخرين، طالما لم يقع أي اعتداء أو إخلال بالنظام العام.
هل كان المشهد سيتكرر لو كان الطرف الآخر رجلا؟
تطرقت هيكل إلى البعد الجندري في الواقعة، متسائلة عما إذا كان رد الفعل سيكون بنفس الحدة لو كان الطرف الآخر رجلا، مؤكدة أن الإجابة واضحة.
وأشارت إلى أن المجتمع يشهد تصاعدا في الأفكار السلفية التي تستهدف النساء بشكل مباشر، وتتعامل مع خروجهن، أو ملابسهن، أو سلوكهن باعتباره «عيبا» يستوجب المحاسبة، مؤكدة أن هذا النمط من التفكير يتجاوز الذكورية التقليدية إلى منظومة أكثر تشددا، تحاصر المرأة في المجالين العام والخاص.
ليست سابقة.. وقائع متكررة للوصاية داخل المترو
لم تكن واقعة المسن وفتاة المترو الأولى من نوعها، إذ أعادت للأذهان حادثة مشابهة وقعت قبل ثلاثة أعوام داخل عربة السيدات، حين تعرضت فتاة شابة لاعتداء لفظي وجسدي من سيدة أخرى بدعوى «عدم ملاءمة ملابسها».
حينها، وثقت جنى محمد، صديقة الفتاة، الواقعة عبر مقاطع فيديو نشرتها على «فيسبوك»، موضحة أن سيدة داخل العربة بدأت في توجيه ألفاظ مهينة وتهديدات باللجوء إلى «شرطة الآداب»، رغم محاولات الركاب تهدئة الموقف والتأكيد على أن الملابس عادية ولا تستدعي التصعيد.
وتطورت المشادة إلى اعتداء جسدي، في مشهد عكس كيف تتحول الوصاية الأخلاقية من رأي شخصي إلى عنف صريح.
علم الاجتماع: ليس من حق أحد تنصيب نفسه حكما
من جانبها، قالت سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، في تصريحات لـ" تليجراف مصر"، إن المجتمع المصري قائم تاريخيا على قيم الاحترام المتبادل، مشددة على أن ما حدث لا يمكن اعتباره دفاعا عن التقاليد.
وأوضحت أن الرجل لم يكن معنيا بما تفعله الفتاة، وأن الأعراف الاجتماعية نفسها تفرض عدم التدخل في شؤون الآخرين، معتبرة أن رد فعله هو ما فجر الأزمة وحول موقفا عابرا إلى قضية رأي عام.
وأضافت أن تجاهل الأمر كان سينهي الموقف في لحظته، مؤكدة أن تضخيم الواقعة يعكس فراغا فكريا وانشغالا بقضايا هامشية على حساب ما هو أكثر أهمية.
وتابعت أن المجتمعات المتقدمة لا تهدر وقتها في محاكمات أخلاقية فردية، لأن احترام الحرية الشخصية هو ما يسمح للحياة بأن تسير دون صدامات عبثية.
اقرأ أيضا:
الأكثر قراءة
-
وقت حرب إيران.. كيف تحمي أموالك من الخسائر؟
-
أعلى شهادات ادخار في البنوك بعد تثبيت الفائدة.. عائد يصل لـ 22%
-
وفاة الإعلامية منى هلال زوجة المطرب الراحل محرم فؤاد.. وتفاصيل العزاء
-
الكويت: اندلاع حريق في مجمع القطاع النفطي بالشويخ.. واستهداف مجمع الوزارات
-
"هزي طولك وقيسي الضغط".. القصة الكاملة لخناقة طبيبة مستشفى دهب مع مريضة بالطوارئ
-
فاطمة هي ندى.. تحليل DNA ينهي لغز اختفاء طفلة العباسية قبل 12 عامًا
-
في غيبوبة كاملة.. تفاصيل الحالة الصحية للفنان عبد الرحمن أبو زهرة
-
مواعيد غلق المحلات يومي الخميس والجمعة القادمين 2026، التفاصيل الكاملة
أخبار ذات صلة
"مغلق حتى إشعار آخر" ورسائل في زجاجة محطمة.. حكايات البحارة العالقين في مضيق هرمز
05 أبريل 2026 02:36 م
"ترندات الموت".. كيف تقتل "المشاهدات" ضمير صانعي المحتوى؟
04 أبريل 2026 11:17 م
مكاتب في غرف النوم.. كيف يؤثر العمل من المنزل على العلاقات الأسرية؟
04 أبريل 2026 07:03 م
صاحب الراب العدواني.. من هو "سيكس ناين" الذي وقع له مادورو على دمية سبونج بوب؟
04 أبريل 2026 12:47 م
العاصفة الدموية.. "تأثير تيندال" يكشف سر ظاهرة احمرار السماء
03 أبريل 2026 07:42 م
بسبب الثورة الصناعية وعداء اقتصادي.. حكاية 133 عاماً من الصراع بين ليفربول ومانشستر سيتي
03 أبريل 2026 07:14 م
صراع تكسير العظام.. الريدز يتحدى كابوس الرحيل بسجل مرعب ضد سيتي
03 أبريل 2026 07:07 م
مسجد قايتباي بالفيوم.. سجل معماري حي يروي تاريخ المماليك ونقوشهم الخالدة
03 أبريل 2026 06:48 م
أكثر الكلمات انتشاراً