السبت، 03 يناير 2026

08:01 ص

وهل تهون العِشرة على أولاد الحلال؟

بعد خمسةٍ وعشرين عامًا من العِشرة، من ضحكٍ تشاركاه، وبكاءٍ احتملاه معًا، من بيتٍ بُني على نيةٍ طيبة، وعلى أملٍ بسيط: نكمل سوا…
يختار رجل أن يترك المركب، لا لأنه غرق، بل لأنه تعب من المجاديف.

وهنا لا يكون السؤال اتهامًا، ولا حكمًا أخلاقيًا قاسيًا، بل محاولة فهم أعمق:
هل ما حدث كان عجزًا عن الاستمرار، أم خلطًا شائعًا بين الملل الطبيعي الذي يزور كل علاقة طويلة،
وبين استحالة العيش؟ فالملل مرحلة، أما الهروب فقرار، والفارق بينهما هو مقدار الصبر الذي بُذل قبل الرحيل.

وهنا يفرض السؤال نفسه، لا اتهامًا بل وجعًا: هل تهون العِشرة على أولاد الحلال؟

إلى الرجل الذي قرر الرحيل بعد عمرٍ طويل،
هل تذكُر؟
تذكر الأيام التي كانت أقوى من الحب نفسه
الذكريات التي لم يكن فيها شغف، لكن كان فيها أمان
لم يكن فيها لهفة، لكن كان فيها سند

العِشرة يا سيدي ليست حبًا فقط
العِشرة تاريخ مشترك، أعمار تشابكت، وأوجاع كُتمت، وتعبٌ تحمّله اثنان كي لا ينهار البيت.

العِشرة قيمة أخلاقية قبل أن تكون علاقة زوجية.
هي التزام غير مكتوب، ومسؤولية تجاه إنسانة شاركتك سنوات الضعف قبل القوة، وتجاه بيت لم يُبنَ على المشاعر وحدها، بل على النية الطيبة، وعلى التحمل حين خفت الشغف وبقي الواجب.

هل تعلم أن أقسى ما في القرار
ليس الطلاق…
بل أنك اخترت النجاة وحدك،
وتركت إنسانة عاشت معك عمرها
تتعلم فجأة كيف تبدأ من الصفر؟

كيف تبني سعادةً – ولو مؤقتة –
على تعاسة امرأة كانت يومًا وطنك؟
بأي قلب تنام
وأنت تعلم أن ضحكتك الجديدة
مرّت من فوق دموعٍ قديمة؟

هنا تبدأ الخيانة العاطفية في أخطر صورها،
ليس بعلاقة أخرى
بل بلحظة انسحاب داخلي
حين يتوقف أحد الطرفين عن المحاولة
ويبدأ في مقارنة ما لديه بما يتخيله ممكنًا،
فيُغلق قلبه قبل أن يغلق باب البيت.

قد تشعر الآن بنشوة، نشوة البدايات، نشوة الإحساس بأنك ما زلت مرغوبًا، أن الحياة أعطتك فرصة ثانية.

لكن النشوة – كما تعرف –
لا تُجيد البقاء.
هي زائرٌ خفيف،
يأتي سريعًا… ويرحل أسرع.

كثير من الرجال يخلطون بين الشغف المؤقت
وبين السعادة الحقيقية. الشغف يلمع،
يعِد، ويُخدّر الإحساس بالخسارة،
أما السعادة الحقيقية فهي أعمق، أهدأ، وتحتاج نضجًا لا اندفاعًا.

ستفيق يومًا، بعد أن تكون قد قطعت كل خيوط الوصل، وستبحث في ذاكرتك

 لا عن الحب، بل عن العِشرة…

عن الوجوه التي كانت تعرف صمتك،
عن البيت الذي لم يكن مثاليًا، لكنه كان بيتًا.

الانفصال بعد هذا العمر لا يوجع العلاقة فقط، بل يهزّ هوية الطرفين.
الرجل يكتشف متأخرًا أنه خسر أكثر مما كسب،
والمرأة تجد نفسها أمام سؤال قاسٍ:
من أكون بعد أن أفنيت عمري شريكة؟

أما أنتِ…
أيتها المرأة التي تُركت بعد خمسةٍ وعشرين عامًا،
اعرفي هذا جيدًا:
السعادة أحيانًا لا تكون في البقاء،  بل في الابتعاد عمّن استغنى.

أنتِ لستِ امرأةً مهجورة، أنتِ نجمة.
والنجوم لا تنطفئ حين يبتعد عنها أحد، بل تظل تُضيء… لمن يستحق نورها.

لا تجعلي قرار غيرك
يُعيد تعريف قيمتك.
من اختار الرحيل…
أغناكِ الله عنه.

وإن كانت العِشرة قد هانت عليه، فهي لم تهن عليكِ، وهذا وحده شرف كافٍ.

البيوت لا تُبنى على الحب فقط، تُبنى على النية الطيبة، وعلى الصبر،
وعلى الإحساس بالمسؤولية حين يخفت الشغف.

أما الرجل،  فما يشعر به الآن ليس استقرارًا حقيقيًا،
بل نشوة مؤقتة سرقت منه السكينة، وسيكتشف لاحقًا أن الندم لا يأتي فجأة،
بل يتراكم… في موقف كان يحتاج فيه من يفهمه دون شرح، في ذكرى لا تُمحى،
في لحظة صمت يعرف فيها أن ما تركه
لم يكن عبئًا… بل سندًا.

العِشرة لا تهون على أولاد الحلال
لكن بعضهم يسيء فهمها، ويظن أن التضحية ضعف، وأن الصبر خسارة،
حتى يكتشف متأخرًا، أن الغرق لم يكن في المركب،
بل في قرار تركه.... وأوجه رسالتي الي طرفي العلاقة.

إلى الرجل:
الاختيار حق
لكن تحمّل تبعاته مسؤولية.
راجع نفسك بصدق
لا لتعود، بل حتى لا تُكرر الرحيل
وتكتشف في كل مرة
أن الخسارة أكبر.

وإلى المرأة:
ارفعي رأسك،
من استغنى لا يُسقط قيمتك
ولا يمحو تاريخك.
ابقي نجمة
تُضيئين لمن يستحق نورك

لا لمن اختار أن يُطفئه بيده.

ويبقى السؤال، لا للإدانة، بل للتذكير:
وهل تهون العِشرة على أولاد الحلال؟

search