بتعرف تلعب بلياردو؟
ما يشهده العالم الآن استفز تفكيري إلى حد جعلني أبحث طويلا عن عنوان يليق بوصف ما يحدث، ولم أجد أقرب ولا أصدق من لعبة البلياردو.
فمن يعرف هذه اللعبة جيدا يدرك أنها تقوم على مهارة تحديد كرة بعينها على الطاولة، لتسقط بها كرة أخرى، وأحيانا أكثر من كرة في ضربة واحدة، وإذا أسقطت كرة، يظل الدور لك، وقد تستمر في اللعب وحدك، بينما يقف خصمك صامتا يراقب، إلى أن تخطئ التصويب، فيفتح له الدور.
دعنا نترك وصف اللعبة جانبا، وننتقل إلى وصف الحقيقة.
عزيزي القارئ، هل يمكنك أن تسترجع بذاكرتك مشهد قصف إسرائيل لقطر؟
أراه – من وجهة نظري – شرارة البداية، لأنه كشف عدة حقائق دفعة واحدة؛ أولها، أنه جسد التشبيه الشعبي الشهير:"اللي متغطي بالأمريكان عريان"
فبعد جولة ترامب المكوكية في دول الخليج، وحصاده الهدايا والأموال الطائلة، جاء قصف قطر مباشرة، وإهانتها على مرأى ومسمع من العالم كله، حتى الاعتذار ذاته جاء أكثر إهانة، إذ تم عبر مكالمة هاتفية من نتنياهو إلى الشيخ تميم بن حمد، وكأننا أمام المثل الشعبي: "ضربني في الشارع وصالحني في الحارة".
هذا المشهد كشف أيضا أن هذه المنطقة مرشحة، وبقوة، لأن تصبح غير آمنة في المستقبل القريب أو البعيد.
ولا أريدك – عزيزي القارئ – أن تغفل عن خطة برنارد لويس، التي صادق عليها الكونغرس الأمريكي في ثمانينيات القرن الماضي، الأمريكيون يعلمون، واليهود يعلمون أيضا، أن هذه المنطقة آجلا أو عاجلا سيتم التضحية بها، وتقديمها قربانا على مذبح المصالح الكبرى.
دعني أنتقل بك الآن إلى الأحداث الأخيرة في اليمن.
هل تعلم – عزيزي القارئ – أن اليمن تمتلك نفطا وغازا طبيعيا، وعددا من الثروات الأخرى؟
صحيح أنها ليست دولة مؤثرة نفطيا على مستوى العالم، لكن هذه الثروات تشكل نحو 70٪ من دخلها القومي، وقد توقفت جزئيا بسبب تداعيات الحرب الدائرة.
لكن السؤال الأهم: أين تتركز هذه الثروات؟
نعم، كما خطر ببالك تمامًا.. في الجنوب، بينما يتركز الثقل السكاني والسياسي في الشمال.
وهنا ربما نفهم لماذا عاد ملف انفصال الجنوب إلى الواجهة في هذا التوقيت تحديدًا، تمامًا كما حدث في السودان، حيث كان جنوب السودان يمتلك نصيب الأسد من النفط والثروات الأخرى.
أضف إلى ذلك أن الجنوب اليمني يطل على مضيق باب المندب، أحد أخطر وأهم الممرات الملاحية في العالم.
وباختصار شديد: من يسيطر على الجنوب، يضاعف نفوذه الاقتصادي في المنطقة، ويضيف إلى رصيده مخزونًا جديدًا من النفط والثروات المعدنية.
من هنا نفهم طبيعة الصراع الذي نشأ خلال الأيام القليلة الماضية بين الإمارات والسعودية.
فبعد الانسحاب الإماراتي، وفقا للطلب السعودي، وفي مدة لم تتجاوز 24 ساعة، يبرز سؤال مشروع: هل انتهت المشكلة عند هذا الحد؟.. أم أن «رجال الظل» في البلدين لديهم رأي آخر؟
ليس كل ما نراه هو الحقيقة، فهذه هي السياسة يا عزيزي.. وما أدراك ما السياسة، بدروبها المتشابكة ومتاهاتها المعقدة.. قد ترى موقفا بعينك، وبعد قليل يظهر نقيضه تمامًا.
قد تسلك طريقا آمنا، وفجأة يظهر أمامك من لم تكن تعلم أصلا بوجوده.
وكما اعتدت مني، فأنا أفضل دائما ربط الأحداث كقطع "البازل"؛ كل قطعة تكمل الأخرى، وفي النهاية تتضح الصورة كاملة.
فبعد اعتقال رئيس فنزويلا، أرى أن الهدف الحقيقي هو تأمين المصالح الأمريكية والأوروبية في النفط وغيره، عبر البحث عن بديل جديد.
وهذا يفسر تلك التصريحات الرمادية التي لا تعرف معها هل هم موافقون أم رافضون.
وهو ما شرحه أيضا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في تسريب مصور ظهر فيه وهو يقود سيارته، مؤكدا أن الولايات المتحدة تسعى للسيطرة على نفط فنزويلا وثرواتها.
وقبل ذلك، حصلت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، على جائزة نوبل للسلام، وهي التي ترى أن أمريكا شريك رئيسي في هذه المرحلة الانتقالية، وتدعوها صراحة إلى توفير مناخ لتغيير السلطة داخل فنزويلا.
فهل من الممكن أن تكون هي الرئيسة القادمة لفنزويلا؟ وهل تقدم فنزويلا على طبق من ذهب للأمريكان؟
والسؤال الأخطر: ما انعكاس كل ذلك علينا نحن؟
أو بمعنى أدق: هل سنكون الكرة المقصودة على طاولة البلياردو، لتستبيحنا إسرائيل دون قلق على نفطنا، بعدما يفقد قيمته بوجود بدائل أخرى؟ وهل سنكون على قدر المسؤولية؟ أم سنساعدهم – بأيدينا – في التهام بعضنا بعضًا؟
حقا، يجب على أمتنا أن تتعلم من أعدائها الإسرائيليين، لقد ظلوا قرونا يتكاتفون ويبذلون كل جهد مالي ونفسي من أجل الحصول على وطن، بينما نحن نملك وطنا، ونبذل كل جهد مالي ونفسي للتفريط فيه.
نحن – بحق – أمة تستحق ما يحدث لها الآن.
وكما قال رسول الله ﷺ:"القوة، القوة… لا بارك الله في الضعف"
نحن لا نستقوي إلا على بعضنا، أمام العدو نركع ونطلب الرحمة، أسود على بعضنا، أرانب أمام أعدائنا .
ولا أنسى هنا أن أتقدم بالتحية والتقدير للقائد والزعيم الرئيس عبد الفتاح السيسي، لأنني فهمت الآن مقصده حين قال في مؤتمر علني مخاطبًا الوزير كامل الوزير نصا: "لازم موانينا وسككنا الحديدية تكون جاهزة قبل 2030… حتى لو أنا مش معاكم فيه كلام مينفعش أقوله"
فهل كان الرئيس يدرك أن الفترة القادمة ستكون من أخطر الفترات في تاريخ المنطقة؟
وأن من يصل سالما إلى عام 2030، هو من سيستمر اقتصاديا، أو سياسيا، أو عسكريا؟
وكما اعتدت – عزيزي القارئ – على مقولتي الشهيرة:
السياسة لها ألف سيناريو… وألف نهاية.
اقرا أيضا:
الأكثر قراءة
-
هل البنوك إجازة غدًا الخميس 8 يناير 2026؟
-
مفأجاة، سفينة النفط الروسية المحتجزة من أمريكا رست 498 ساعة في مصر (تفاصيل الرحلة)
-
موعد مباراة برشلونة وأتلتيك بلباو في السوبر الإسباني والقنوات الناقلة
-
"لو شاكة إنه متجوز عليكي"، خطوات استخراج شهادة القيد العائلي 2026
-
شهادات ادخار إسلامية 2026، تعرف على أعلى عائد شهري
-
بعد 3 سنوات، أسامة جمال يكشف تفاصيل العثور على جثة مستأجر داخل شقته بطنطا
-
نماذج الوزارة الاسترشادية للصف الثالث الإعدادي 2026 PDF بالإجابات
-
أمام محل بلايستيشن، مراهقون ينهون حياة طفل بحدائق القبة
أكثر الكلمات انتشاراً