الجمعة، 09 يناير 2026

01:26 ص

"حرب مفاجئة".. ما وراء استراتيجية الجيش الإسرائيلي الجديدة؟!

ليس إعلانًا عسكريًا عاديًا، ولا تحديثًا روتينيًا لعقيدة قتالية، ولا حتى استعراضًا للقوة بعد صدمة السابع من أكتوبر. ما أعلنه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير عن استراتيجية جديدة تستعد لـ"حرب مفاجئة"، هو في جوهره اعتراف مؤجل بالخوف، ومحاولة منظمة لإدارة القلق الوجودي داخل المؤسسة العسكرية والمجتمع الإسرائيلي معًا.

من الردع إلى "الهلع"!

لسنوات طويلة، بنت إسرائيل عقيدتها الأمنية على ثلاث ركائز:

  • الإنذار المبكر
  • التفوق الاستخباراتي
  • الاحتواء الذكي للتهديدات

لكن السابع من أكتوبر لم يخرق هذه الركائز فقط، بل نسف الثقة فيها بالكامل. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال داخل غرف القرار: كيف نردع العدو؟ بل: كيف نمنع المفاجأة القادمة؟ ومن أين ستأتي؟

ومن هنا يولد مفهوم "الحرب المفاجئة"، ليس باعتباره استعدادًا للهجوم، بل خوفًا مرضيًا من تكرار الصدمة.

"لا احتواء بعد اليوم"؟!

حين يقول رئيس الأركان الإسرائيلي إنه “لن تكون هناك سياسة احتواء”، فهو لا يعلن تصعيدًا بقدر ما يعلن انهيار القدرة على التحمل طويل الأمد.

الاحتواء كان سياسة الأقوياء الواثقين من ميزان القوة.. أما التخلي عنه، فهو سلوك دولة تشعر أن الزمن لم يعد في صالحها، وأن أي تأجيل قد يكون قاتلًا. هذه ليست لغة المنتصرين، بل لغة من يعيش تحت ضغط سيناريوهات مفتوحة لا يستطيع السيطرة عليها.

ماذا عن الجبهة الداخلية؟

التركيز غير المسبوق على “الجبهة الداخلية” والسلطات المحلية يكشف بوضوح أن إسرائيل تتوقع:
    •    حربًا طويلة
    •    استنزافًا نفسيًا قبل أن يكون عسكريًا
    •    ضرب العمق لا الاكتفاء بالحدود

حين يطلب الجيش من البلديات أن تكون “الركيزة الأساسية”، فهذا يعني أن المؤسسة العسكرية تدرك أن الانهيار قد يبدأ من الداخل، لا من الجبهة.

وهنا تصبح إدارة الخوف، واحتواء الذعر، وضبط المزاج العام… أدوات عسكرية لا تقل أهمية عن الدبابات والطائرات.

الشارع الإسرائيلي اليوم ليس في حالة ثقة، بل في حالة توجس دائم:
    •    خوف من حرب متعددة الجبهات
    •    شك متزايد في جاهزية الجيش
    •    قلق من المستقبل الاقتصادي والاجتماعي
    •    هجرة صامتة لا تُعلنها الأرقام الرسمية

أما الصحافة الإسرائيلية، فتكتب كثيرًا عن:
    •    إعادة بناء الجيش
    •    ترميم الردع
    •    سد الثغرات

لكن بين السطور، يظهر سؤال واحد يتكرر بصيغ مختلفة: هل إسرائيل مستعدة فعلًا لما هو قادم؟

العدو الذي لا يُذكر!

في كل هذه الاستراتيجية، ثمة اسم لا يُذكر صراحة، لكنه حاضر بقوة في الحسابات: مصر.

الرعب الإسرائيلي الحقيقي لا يأتي من الميليشيات، ولا من الجماعات المسلحة، ولا حتى من الصواريخ العشوائية، بل من الجيوش النظامية الثقيلة، وعلى رأسها الجيش المصري.

القلق لا ينبع من نوايا معلنة، بل من:
    •    صمت استراتيجي مصري
    •    تحديث عسكري متواصل
    •    عقيدة قتالية تقوم على الصبر لا الاستعراض
    •    قدرة حقيقية على خوض حرب طويلة بلا انهيار داخلي

في العقل الإسرائيلي، أخطر سيناريو هو مواجهة: لا يمكن حسمها سريعًا، ولا احتواؤها سياسيًا، ولا التحكم في إيقاعها.

ما هو أخطر من العدو؟

في العمق، لا تواجه إسرائيل خصمًا واحدًا أو جبهة بعينها، بل تواجه تحولًا كاملًا في طبيعة الإقليم.

زمن الحروب الخاطفة، والحسم السريع، والتفوق الأحادي، يتآكل لصالح مشهد جديد: تعدد مراكز القوة، تشابك الجبهات، تراجع الهيمنة الأمريكية، وصعود فاعلين قادرين على إطالة أمد الصراع لا كسبه سريعًا.

وهذا تحديدا هو نوع من الحروب، الذي لم تُصمَّم له العقيدة العسكرية الإسرائيلية، ولا يتحمله مجتمع بُني على وهم الأمن الدائم.

استراتيجية الخائف أم الواثق؟!

الاستراتيجية الجديدة للجيش الإسرائيلي ليست دليل قوة، بقدر ما هي إدارة خوف مؤسسية، ومحاولة لفرض السيطرة على زمن لم يعد قابلًا للتوقع.

إسرائيل اليوم: "لا تخطط للحرب بقدر ما تحاول منع الصدمة التالية، ولا تبني ردعًا بقدر ما ترمم ثقة مكسورة، ولا تواجه أعداءها فقط… بل تواجه شكها في ذاتها".

وفي لحظات كهذه من التاريخ، أخطر ما يواجه الدول، ليس العدو على الحدود، بل القلق الذي يسكن غرف القرار.

search