الإثنين، 09 فبراير 2026

10:50 ص

عقدة نفسية وتاريخية.. لماذا تخشى إسرائيل “تعاظم قوة” الجيش المصري؟

في غرفة مغلقة داخل الكنيست، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يتحدث عن حماس، ولا عن حزب الله، ولا حتى عن إيران، كان يتحدث عن مصر.

قال إن قوة الجيش المصري تتعاظم.. وإن على إسرائيل أن تراقب ذلك عن كثب.. وأن تمنع هذا التعاظم “أكثر من اللازم”.

تصريح لم يكن عابرًا.. ولا زلة لسان.. بل تعبيرًا دقيقًا عن قلق قديم جدًا يسكن العقل الأمني الإسرائيلي منذ عقود. قلق اسمه.. الجيش المصري.

مخاوف إسرائيلية

في العقيدة الأمنية الإسرائيلية مبدأ واضح يُدرّس في الأدبيات الاستراتيجية الغربية: Intentions vs Capabilities

النوايا قد تتغير، الأنظمة قد تتبدل، السياسات قد تتغير… لكن القدرة العسكرية إذا تعاظمت.. تبقى تهديدًا دائمًا.

هذا يفسر العقدة.. فمصر لا تهدد إسرائيل سياسيًا، لكنها تملك جيشًا قادرًا على تهديدها عسكريًا في أي لحظة.. والتهديد هنا قد يكون “وجوديًا”.

صدمة 73

داخل الأكاديميات العسكرية الإسرائيلية يُدرس حتى اليوم مصطلح: The Egyptian Surprise المفاجأة المصرية.

نصر 6 أكتوبر 1973 لم يكن مجرد هزيمة استراتيجية بالنسبة لإسرائيل… بل كان أخطر الإخفاقات الاستخباراتية في التاريخ الإسرائيلي.

    •    الجيش المصري خدعهم استراتيجيًا

    •    عبر قناة السويس

    •    حطم خط بارليف

    •    أسقط أسطورة “الجيش الذي لا يُهزم”

ومصر فعلت كل ذلك رغم قدراتها العسكرية المحدودة في ذلك الوقت.

حرب 73 ليست مجرد ذكرى… إنها صدمة نفسية مؤسِسة للعقل العسكري الإسرائيلي… ومن يومها، ترى إسرائيل أن مصر دولة قادرة على إحداث مفاجأة استراتيجية.

العقيدة العسكرية

إسرائيل تبني عقيدتها العسكرية على:

    •    جيش صغير عالي التكنولوجيا

    •    تفوق استخباراتي

    •    حسم سريع للمعركة

وفي المقابل، مصر تبني عقيدتها العسكرية على:

    •    جيش ضخم قادر على خوض حرب طويلة تستنزف الخصم

وفق تصنيف Global Firepower (GFP) 2025، الجيش المصري ضمن أقوى 20 جيشًا عالميًا والأقوى عربيًا:

    •    مصر لديها 836,000 جندي نشط + 479,000 احتياطي مقابل 178,000 نشط و465,000 احتياطي لإسرائيل

    •    آلاف الدبابات (3,600+) مقابل 2,700 لإسرائيل

    •    طائرات مقاتلة وسرب جوّي كبير 1,089 طائرة مقابل 613 لإسرائيل

الفرق هنا مرعب… إسرائيل تخشى الحروب الطويلة والمعارك المفتوحة واسعة الجبهات… والجيش المصري هو النموذج المثالي لذلك.

سيناء… العقدة الجغرافية

اتفاقية السلام 1979 قامت على فكرة نفسية مهمة لإسرائيل… تقليل الوجود العسكري المصري في سيناء.

ليس لأن مصر كانت ستحارب، لكن لأن أي تعزيز هناك يخلق Security Dilemma أو معضلة أمنية لإسرائيل.

مصر تعزز قواتها في سيناء لمواجهة أي تهديد أو لحماية حدودها، لكن إسرائيل ترى هذا على أنه كسر لـ Strategic Comfort، بما يمثل “تهديدًا عسكريًا محتملًا”.

وبالتالي فإن أي تعزيز عسكري مصري في سيناء، حتى لمكافحة الإرهاب أو منع تهجير سكان قطاع غزة، يُفسَّر إسرائيليا كعودة تدريجية لـ “كابوس قديم” يتعلق بالمواجهة مع مصر.

عقدة “العقيدة”

بعد اتفاق السلام مع مصر، إسرائيل غيّرت بوصلتها العسكرية نحو:

    •    Asymmetric Warfare (الحروب غير 
التقليدية)

    •    التكنولوجيا المتقدمة

    •    المواجهات السريعة

لكن مصر لم تفعل ذلك.

العقيدة القتالية المصرية لا تزال قائمة على:

    •    الجيش النظامي

    •    المعركة التقليدية

    •    التدريب الأرضي المكثف

    •    جاهزية الحرب الشاملة (Decisive Battle Doctrine)

الجندي المصري ما زال يُدرَّب على State-to-State War، فضلا عن حرب ميليشيات التي نجح خلالها في القضاء على الإرهاب بسيناء.

وهذه الأسباب مجتمعة تزيد القلق الإسرائيلي… وتحوله إلى “رعب حقيقي”.

الحاضر الإسرائيلي "المتآكل"

إسرائيل الآن تعيش:

    •    صدمة 7 أكتوبر

    •    اهتزاز ثقة في الجيش

    •    انقسام داخلي حاد وغير مسبوق

    •    حرب مفتوحة بلا أفق

استطلاعات رأي إسرائيلية أظهرت أن ثقة الجمهور بالجيش الإسرائيلي تراجعت بشكل ملحوظ بعد 7 أكتوبر، من مستويات 63–72% قبل الحدث إلى حوالي 54% في منتصف 2024، وهو تراجع غير مسبوق في تاريخ الدولة منذ نشأتها.

داخليًا… تراجع الشعور بالأمان، صعود خطاب رد فعل أمني متطرف، وتأثيرات واضحة على مفهوم المواطنة والهوية.

والخطاب السائد في إسرائيل يتجه نحو: “إما الدولة الأمنية القوية… وإما الفوضى والانحلال”، وهو توجه يحد من مساحة النقاش الديمقراطي ويعزز سياسات الأمن كأولوية مطلقة.

وفي هذه اللحظة النفسية الحرجة، وداخل هذه البيئة المضطربة، فإن رؤية جيش عربي ضخم يتعاظم بجوارك… يعني “تهديد وجودي” لنظام سياسي واجتماعي يعاني في الداخل… ويتجه نحو التآكل الذاتي.

ما تخفيه إسرائيل!

تل أبيب لا تسعى أن تحارب القاهرة… لكنها تخشى أن تجد نفسها يومًا في مواجهة مصر.

وقتها ستواجه جيشًا كبيرًا جدًا…جاهزًا جدًا….ذو ذاكرة قتالية حقيقية.. يمتلك  عمق استراتيجي Strategic Depth… ويمتاز بقدرات إنذار مبكر Early Warning Doctrine

وفي العقل الإسرائيلي، هذا أسوأ كوابيس الأمن القومي… لأنه تهديد يمس “وجود الدولة من الأساس”.

حفظ الله مصر أرضًا وشعبًا وجيشا..

search