السبت، 17 يناير 2026

09:51 م

حكاية "السيطرة الصامتة" (سيرة)

صيف 2011، شلل يصيب التفكير والرؤية من تزاحم الأحداث وعبثية الأخبار، والتيه تضرب عنق الحقيقة والواقع، فقدت القدرة على التوقع والتحليل، كنت بحاجة ماسة إلى شيء ما يفتح لي أفق جديد لرؤية أبعد وأعمق وتحليل أشمل وأدق.

ساقني القدر إلى سيكولوجية الجماهير لجوستاف لوبون، التهمته مرتين متتاليتين مع كتابة ملخص شديد الدقة لكافة عناصره، الجماهير لا تعي بالعقل، تعي بالعاطفة..... من أجل نشر معلومة غير حقيقية لا بد من استخدام إستراتيجية التأكيد والتكرار والعدوى.… سيكولوجية الجماعة ليست محصلة سيكولوجية كل فرد فيها..... الفرد يكتسب سمات وسط الجماعة لم يكن ليكتسبها إذا كان بمفرده!!! إنه الجوستاف... الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي الذي لم أر له مثيلا.

فتحت كتابات جوستاف دربا جديدا من الفكر والتحليل، كنت في احتياج شديد لها، للإجابة عن سيل التساؤلات التي عصفت بذهني آنذاك، وتلاه الكثير من المراجع والكتب مرور بأعمال جوستاف الكاملة عروجا على الكلمة والمعتقد والتوقف قليلاً عند أعمال بيرنز، بلورة الرأي العام، البروباجندا، العلاقات العامة والهندسة الاجتماعية، والإبحار في موسوعة وليم سارجنت حرب العقول وهو مرجعية المراجع.

صيف 2017، اتصال هاتفي عاصف من صديقي الصحفي والكاتب خالد محمود مندهشاً من منشور كنت قد كتبته على صفحة التواصل الاجتماعي عن الحرب النفسية والشائعات، والتي بدأت الاهتمام بها إبان فترة 2011 عقب دراستي المستفيضة وقراءتي النهمة لها، قائلاً: أنت إزاي ماتعملش كتاب عن الحرب النفسية والشائعات؟

بدا الأمر لي وكأن طاقة نور تسطع في وجهي وتصحبني إلى عالم بعيد عن الجميع، عالم لا يرى سوى الأبيض أبيض والأسود أسود، غابات من الكلمات تحمل معاني مختلفة للكلمة الواحدة، عالم مزدحم من الحقائق والظنون، أرض قاحلة لا ترحم من يقترب منها.

المدهش في الأمر هو إيمانه الشديد بما يقوله ويقره ويؤكد عليه، حتى في عز اعتراضي على الفكرة كنت قد بدأت بتجميع خريطة للمراجع، ووضع تصور لمنهجية العمل، شكل عام موسع لحين استطلاع الرأي مع أهل المشورة.
وما كان منهم (أهل المشورة.... الماهر) إلا إجابة واحدة .... طبعاً..  
فعقدت النية وعزمت وتوكلت على الله وتركت ما كان بيدي وهو كتاب آخر عن العلاقات الزوجية من منظور فلسفى آخر، حتى أفسح الطريق للمولود الجديد، مولود يحمل في جيناته ملامح من بافلوف وسرديات صلاح نصر وأفكار لوبون ونظريات واطسون وبيرنز وزكريا إبراهيم، مولود يجمع لا يفرق، ينتصر للعلم والمجتمع لا للشخص والأمجاد.

مولود أصبح عمره الآن 9 سنوات حتى يستطع السير داخل العقول والجلوس داخل العواطف، مولود قادر على إثارة حاسة التفكير والتناول الموضوعي للأخبار، الأحداث، الأمثال، البرامج، مولود يحدث فارق في مجال تكالبت عليه الرتابة والتقليدية والأكاديمية سنوات طويلة.

سنوات من العمل والتفكر والسفر والترحال من القاهرة إلى شرم الشيخ إلى ويلز ثم مكتبات لندن وليفربول، شهور انتظار لكتاب تم شحنة من مكتبات أمريكا إلى القاهرة، في سبيل سطرين من مرجع لا أثر له في إقليمنا الطيّب ولا حتى جوجل بن الخوارزمي، فنحن رهن الاعتقال الافتراضي، نأخذ ما هو مصرح لنا به ونلبس ما يرونه هم مناسباً لنا ونأكل وفق هوى الفود بلوجر.

مولود يحلل ماهية الكارتون والألعاب الالكترونية والإنترنت، مولود يفرّق بين السينما والدعاية والخبر يفرق بين أنواع الشائعات التي لم تذكر من قبل، مولود يفرق بين الحرب النفسية الأفقية والرأسية، كتاب السيطرة الصامتة حالياً أو خلى بالك من عقلك سابقاً هو رحلة بحثية بين عصور ومفكرين يشبه رحلات جلال علام في مواقف وطرائف، بنطير نجبيها من كل أنحاء الدنيا.

أدعوكم لمشاركة هذا المولود والتفكر والتدبر والعمل على حفظ ما تبقى من هويتنا الطيبة فهي الحافظ الوحيد للنسل البشري.

رابط مختصر

تابعونا على

title

مقالات ذات صلة

النوستالجيا

03 يناير 2026 01:19 م

دورة حياة الإهمال

27 ديسمبر 2025 08:30 ص

هل يسقط الفنان...؟

20 ديسمبر 2025 08:40 ص

ما وراء السور

13 ديسمبر 2025 08:20 ص

search