الإثنين، 19 يناير 2026

02:20 م

بشورت ممزق وحذاء مهترئ، ماني من حواري السنغال إلى أيقونة أفريقيا

ساديو ماني

ساديو ماني

أصبح النجم السنغالي، ساديو ماني، أيقونة للقارة السمراء ليس لمهاراته في ملاعب كرة القدم ولا قيادته لمنتخبه إلى منصات التتويج فقط، لكن أيضا لتواضعه ومواقفه الإنسانية خارج المستطيل الأخضر التي عُرف بها على مدار مسيرته.    

من بلدة صغيرة نائية في السنغال إلى الملاعب الكبرى في أوروبا، رسم ماني، مسيرة استثنائية تجمع بين الإنجازات الرياضية المبهرة والالتزام بمساعدة بلته الصغيرة.

وقاد ساديو ماني، منتخب بلاده للفوز ببطولة كأس الأمم الأفريقية للمرة الثانية في تاريخه، عقب الفوز على المغرب بهدف دون رد في المباراة التي أقيمت أمس الأحد.

“شورت ممزق وحذاء مهترئ”

وُلِد ساديو ماني في بلدة بامبالي الصغيرة، الواقعة في السنغال، والتي يُقدَّر عدد سكانها بحوالي 1.260 نسمة.

بدأ ماني، ممارسة كرة القدم في سن متأخرة مقارنة بأقرانه، إذ كان والده يمنعه من اللعب وهو طفل، مفضلا أن يركز على التعليم والدين.

توفى والده وهو في السابعة من عمره، ومنذ ذلك الحين حظي بدعم كامل من أسرته لمتابعة حلمه في كرة القدم.

بدأ مسيرته الاحترافية بعد انضمامه إلى أكاديمية "جينيريشن فوت" للشباب، التي أنتجت لاعبين مشهورين مثل بابيس سيسيه، ديافرا ساكو وإسماعيل سار. 

بعد قضاء عدة سنوات في الأكاديمية، انتقل ماني إلى نادي ميتز الفرنسي عبر شراكة بين الناديين، حيث لعب موسمًا واحدًا في دوري الدرجة الثانية قبل أن ينتقل إلى نادي سالزبورج النمساوي.

ساديو ماني

أسرع هاتريك في تاريخ البريميرليج

في  سالزبورج، بدأ ماني يبرز كموهبة كروية، حيث سجل هدفين في مباراته الثانية مع النادي، وأنهى موسمه الأول مع الفريق مسجلاً 20 هدفًا و11 تمريرة حاسمة في جميع المسابقات.

استمر ماني في التألق خلال موسم 2013/2014، حيث سجل 23 هدفًا وصنع 19 تمريرة حاسمة في 50 مباراة، وحقق مع الفريق الثنائية المحلية بالفوز بالدوري والكأس.

ساديو ماني

أداءه المميز في النمسا جذب انتباه أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، فاستقطب نادي ساوثهامبتون ماني بصفقة قياسية بلغت 11.8 مليون جنيه إسترليني وهو في عمر 22 عامًا.

خلال موسمه الأول في الدوري الإنجليزي، خاض ماني 30 مباراة، سجل 10 أهداف وصنع 10 تمريرات حاسمة. بدأ الموسم ببطء، مسجلاً أول أهدافه ضد نادي ستوك سيتي في أكتوبر، ثم عانى من فترة 7 مباريات دون تسجيل أهداف، لكنه سرعان ما استعاد مستواه وسجل 9 أهداف في النصف الثاني من الموسم، بما في ذلك أسرع هاتريك في تاريخ الدوري الإنجليزي ضد أستون فيلا خلال دقيقتين و56 ثانية.

في موسم 2015/2016، واصل ماني تألقه، مسجلاً 15 هدفًا وصنع 9 تمريرات حاسمة في جميع المسابقات، وكان الهداف الأول لساوثهامبتون خلال الموسم، بما في ذلك هاتريك ضد مانشستر سيتي.

ثلاثي مرعب

بعد موسمين ناجحين مع ساوثهامبتون، استثمر نادي ليفربول، مبالغ كبيرة للتعاقد مع اللاعب السنغالي، ليصبح بذلك أغلى لاعب أفريقي في ذلك الوقت. 

وسجل ماني، هدفه الأول مع ليفربول في المباراة الافتتاحية ضد أرسنال في فوز 4-3، وفي موسمه الأول مع ليفربول، سجل 13 هدفًا وصنع 8 تمريرات حاسمة، وتم اختياره ضمن فريق الموسم من قبل رابطة اللاعبين المحترفين، كما حصل على جائزة أفضل لاعب في الفريق، واحتل ليفربول المركز الرابع وتأهل لدوري أبطال أوروبا.

في موسم 2017/2018، شكّل ماني خط هجوم قوي مع فيليبي كوتينيو ومحمد صلاح وروبرتو فيرمينو، وسجل 20 هدفًا في جميع المسابقات، منها 10 أهداف في دوري أبطال أوروبا، متفوقًا على معظم لاعبي أوروبا عدا كريستيانو رونالدو. وصل الفريق إلى نهائي دوري الأبطال، وسجل ماني هدفًا، ليصبح أول لاعب سنغالي يسجل في نهائي البطولة، رغم الخسارة 3-1 أمام ريال مدريد.

ساديو ماني

في الموسم التالي، أصبح ماني، خامس لاعب في تاريخ ليفربول يسجل في 6 مباريات متتالية على أرضه، كما أصبح الهداف التاريخي للفريق خارج الديار في دوري الأبطال، بعد هدفه ضد بايرن ميونيخ.

واصل ماني، كسر الأرقام القياسية في موسم 2018/2019، متجاوزًا رقم ديمبا با كأكثر لاعب سنغالي تسجيلًا للأهداف في موسم واحد بالدوري الإنجليزي، بعد تسجيله هدفه الـ17 ضد فولهام. 

تم ترشيحه لجائزة أفضل لاعب في الموسم من رابطة اللاعبين المحترفين، وفاز بجائزة الحذاء الذهبي للدوري الإنجليزي برصيد 22 هدفًا بالتساوي مع صلاح وأوباميانج. كما فاز ليفربول بدوري أبطال أوروبا بعد أن سجل ماني هدفًا في النهائي، فيما خسر الفريق الدوري بفارق نقطة واحدة لصالح مانشستر سيتي.

تألق ماني على المستوى الدولي والأوروبي جعله ضمن قائمة المرشحين لجائزة الكرة الذهبية، حيث احتل المركز الرابع خلف ليونيل ميسي وفيرجيل فان دايك وكريستيانو رونالدو، وحصل على جائزة أفضل لاعب أفريقي لعام 2019، ليصبح ثاني لاعب سنغالي يفوز بها.

هناك مع دروجبا وصلاح

في مارس 2020، سجل ماني، هدف الفوز ضد بورنموث، ليحقق ليفربول رقمًا قياسيًا جديدًا بـ22 انتصارًا متتاليًا في الدوري الإنجليزي، ويقترب من الفوز بالدوري للمرة الأولى منذ 30 عامًا، وأنهى الموسم بـ22 هدفًا، 18 منها في الدوري.

في الموسم التالي، عانى ماني وليفربول من تداعيات فيروس كورونا وانخفاض الأداء، حيث حقق الفريق انتصارًا واحدًا فقط في 7 مباريات متتالية بالدوري، ما أدى إلى إنهاء الموسم في المركز الثالث، ووصف ماني هذا الموسم بأنه الأسوأ في مسيرته.

وسجل ماني، أكثر من 100 هدف في الدوري الإنجليزي الممتاز، ليصبح ثالث أفريقي يصل لهذا الإنجاز بعد ديدييه درودجبا ومحمد صلاح.

ساديو ماني

وإجمالا، سجل ماني 120 هدفا مع الريدز في 269 مباراة، وقدم 46 تمريرة حاسمة لينتقل إلى بايرن ميونخ، ولعب 38 مباراة وسجل 12 هدفا وقدم 6 تمريرات حاسمة.

وفي صيف 2023، انتقل إلى النصر السعودي وسجل 43 هدفا في 110 مباراة وقدم 31 تمريرة حاسمة.

بطل أفريقيا مرتين

بدأ ساديو ماني مشواره مع السنغال حين شارك في أولمبياد 2012، وغاب عن المشاركة في كأس أمم إفريقيا 2015 بسبب إصابة قبل أن يعود لمباراتين في دور المجموعات.

في كأس أمم إفريقيا 2017، سجل في أول مباراتين، لكنه أهدر ركلة جزاء في ربع النهائي ضد الكاميرون. وفي كأس العالم 2018 سجل هدفًا ضد اليابان وشارك في كل مباريات دور المجموعات قبل خروج السنغال.

في كأس أمم إفريقيا 2019، سجل أهدافًا وأهدر ركلتين جزاء، وبلغ مع المنتخب النهائي قبل الخسارة أمام الجزائر، وتم اختياره ضمن فريق البطولة.

قاد السنغال للفوز بكأس أمم إفريقيا 2021، وسجل الركلة الحاسمة في النهائي ضد مصر، وسجل ثلاث أهداف وقدم تمريرتين حاسمتين، وحصل على لقب أفضل لاعب في البطولة. كما سجل أهدافًا حاسمة في تصفيات كأس العالم 2022 وأصبح الهداف التاريخي للسنغال في 2022 برصيد 32 هدفًا.

تعرض لإصابة ومنعته من المشاركة في كأس العالم 2022، لكنه سجل هدفين في مباراته المئوية مع المنتخب عام 2023 وتأهل بالسنغال لكأس العالم 2026.

قاد السنغال أيضًا للفوز بكأس أمم إفريقيا 2025، بتسجيله هدف الفوز في نصف النهائي ضد مصر، وفاز الفريق في النهائي ضد المغرب، وحصل ماني، على لقب أفضل لاعب في البطولة وحمل الكأس كقائد.

ساديو ماني

قائد الفعل لا الشارة

وخلال نهائي بطولة أمم أفريقيا 2025، شهدت مباراة المغرب والسنغال، جدلا كبيرا، بسبب احتساب ركلة جزاء لصالح المغرب في اللحظات الأخيرة، كان قرار الانسحاب من المباراة بيد المدرب بابي ثياو، مدرب منتخب السنغال، وهو القرار الذي كان سيؤدي إلى منح لقب البطولة للمغرب، لولا تدخل قائد الفريق، النجم ساديو ماني.

ورفض ماني، الانسحاب، وأعاد زملاءه إلى أرض الملعب، مطالبًا إياهم بإكمال المباراة "كالرجال"، مما جسّد روح القتال والإصرار لدى اللاعبين.

وعلق خاليدو كوليبالي، نجم السنغال، قائلا: “راودني هذا الحلم للفوز بكأس أفريقيا مرات كثيرة، أن نصل إلى هذه اللحظة ونفوز بالكأس، ساديو الأجدر برفعها، حمل المنتخب كاملًا على عاتقه، بذل كل ما لديه من أجل بلاده، وقاد الفريق بالفعل داخل الملعب وخارجه لا بالشارة، ما قدمه يؤكد أنه القائد الحقيقي للجميع، ولهذا يستحق أن يرفع الكأس وحده، أشعر بسعادة كبيرة من أجله، لأنه نال ما يستحقه عن جدارة”.

ساديو ماني

هذه اللحظة أصبحت علامة فارقة في مسيرة الفريق، وأظهرت قوة الشخصية القيادية لماني خارج الملعب قبل داخله.

رجل الخير والإحسان

ساديو ماني ليس مجرد أسطورة كرة القدم في منتخب السنغال، بل هو أيضًا أسطورة في مجال الخير والإحسان.

ساديو ماني

وتجلت مواقف ماني، ببناء مستشفى حديث بتكلفة 693 ألف دولار يخدم قريته والمناطق المحيطة بها، كما تبرع بـ850 ألف دولار لإنشاء مدارس جديدة، وقدم لكل عائلة في بلدته بامبالي مبلغ 70 يورو شهريًا، لدعم مصاريف المعيشة.

كما عمل ماني، على إدخال خدمة الإنترنت إلى قريته، وافتتح محطات وقود، وأنشأ مخبزًا حديثًا بقيمة 250 ألف دولار.

ودائمًا ما يوزع ماني، الملابس والأحذية للأطفال، ويتبرع بأجهزة كمبيوتر للطلاب لمساعدتهم على التعلم والتطور. ومن لفتاته الإنسانية البارزة، توزيع 300 قميص لفريق ليفربول قبل نهائي دوري أبطال أوروبا 2018، رغبة منه في إسعاد سكان قريته وإشراكهم في فرحة المناسبة، حتى لو خسر فريقه النهائي آنذاك.

وقال ماني: "لماذا أريد عشر سيارات فيراري، وعشرين ساعة من الذهب، أو طائرتين؟ أنا أنشأت مدارس وملعبًا، وأعطي الملابس والطعام للناس الذين يعيشون في الفقر، أريدهم أن يشعروا بشيء من الفرحة التي منحني إياها الله".

وأضاف: "أحيانًا أشعر بالخجل وأنا أتحدث عن ذلك، لكني سعيد بأن أقدم ما أستطيع لشعبي وأحسن حياتهم".

وعقب الفوز ببطولة أفريقيا، قال: “في البداية، أنا لا ارغب مطلقاً في أن يعرفني الناس بعد مسيرتي كلاعب كرة قدم عظيم. أرغب فقط في أن يعرفوني كإنسان عظيم.. هذا الأمر أكثر أهمية بالنسبة لي، بالطبع سيعرفونني كلاعب كرة قدم، لكنني أرغب في أن يعرفوني أيضا، كإنسان لأنه بالنسبة لي هناك الكثير والكثير والكثير من الأشياء أكثر أهمية من كرة القدم”.

search