الجمعة، 23 يناير 2026

01:55 ص

مطلقات على ورق الحكومة.. زوجات يلجأن إلى "وصمة العرفي" لانتزاع معاش ميت

طلاق على ورق وزواج في الخفاء، حين تتحول القسيمة إلى حيلة للنجاة

طلاق على ورق وزواج في الخفاء، حين تتحول القسيمة إلى حيلة للنجاة

في ليلة شتوية باردة بإحدى قرى سوهاج، لم تكن دموع "أم رفاعي" تسيل حزنًا على فراق زوجها، بل خوفًا من المجهول، فقد وجدت السيدة الأربعينية نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، إما الجوع مع زوج يعمل باليومية "أرزقي" تعثرت خطاه في الحياة، أو "الطلاق" على الورق للفوز بمعاش والدها الراحل.

لم تكن الخطة تتطلب منها مغادرة فراش الزوجية، بل فقط تبديل "القسيمة الرسمية" بأخرى "عُرفية"، لتعود إلى حضن زوجها ليلًا، وفي الصباح تذهب لصرف معاش حكومي مخصص للأرامل والمطلقات سواء من خلال أحد البرامج الحكومية أو معاش الوالد.

تلك الحيرة التي عاشتها "أم رفاعي" لم تكن مجرد قصة عابرة في الصعيد، بل هي خيط رفيع يقودنا إلى عالم سري من "التحايل المقنّن" يمتد من أقصى الجنوب إلى أرقى أحياء القاهرة، بل إلى كل محافظات الجمهورية تقريبًا.

طلاق على الورق، بينما تمضي الحياة كما هي

طلاق على الورق.. وزواج في الظل

لم تكن الحاجة وحدها هي الدافع وراء تنفيذ الخطة ذاتها في أحياء القاهرة الراقية، ففي قصة "فاتن" (38 عامًا)، المحامية التي تدرك ثغرات القانون جيدًا، كان الطمع في "الرفاهية" هو السبب.

ابنة مدير البنك الراحل، وجدت أن زواجها يقف حائلًا بينها وبين معاش "دسم" تركه والدها، وكانت الخطة محكمة تمامًا.. “طلاق رسمي بالتراضي، ثم عودة بعقد عرفي”، لكن فاتن اصطدمت بعقبة بيولوجية لم تحسب لها حسابًا، إذ حملت في طفلها الثالث، هنا، اضطرت للانتظار حتى وضعت مولودها، ثم نفّذت الطلاق الرسمي لتحصل على المعاش، وعادت إلى زوجها سرًا، لتجمع بين الحسنيين "الزوج والمال".

محامية تتحايل على القانون بتبديل قسيمة الزواج الرسمي بزواج العرفي من أجل المعاش

في مشهد آخر، تظهر "سامية"، السيدة الخمسينية التي ورثت عن والدها الموظف الكبير معاشًا ضخمًا، رأت فيه طوق نجاة لمساعدتها على تجهيز بناتها الخمس.

سامية ضحت بلقب "زوجة رسمية" لتتحوّل إلى "مطلقة" في الأوراق الثبوتية أمام الحكومة، بينما ظلت تدخر كل قرش من المعاش لستر بناتها، مستمرة في حياتها الزوجية بعقد عرفي لا يراه أحد.

انفصال معلن في الأوراق الرسمية وزواج سري من أجل المعاش

لكن الرياح لا تأتي دائمًا بما تشتهي السفن، وهو ما حدث مع "كريم"، الذي أقام حفل زفاف أسطوري، ليكتشف الجميع لاحقًا أنه “عريس سري”!

الفضيحة دوّت حين نُقلت زوجته إلى المستشفى في حالة إجهاض، وحين طلبت إدارة المستشفى قسيمة الزواج، ظهر ما كان مستورًا عن أعين الناس، الزوجة اختارت "العرفي" لتحصل على معاش والدها الراحل، ليخسر كريم طفله الذي توفي نتيجة الإجهاض، وينكشف المستور أنه متزوج بعقد عرفي من أجل حصول زوجته على معاش والدها.

زواج يبدأ بعقد عرفي طمعًا في معاش الوالد

الفجوة تتسع.. والأرقام تتحدث 

بلغة الأرقام، سجلت مصر في عام 2023 أكثر من ربع مليون حالة طلاق (نحو 265,606 حالة)، وفقًا لبيانات صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ورغم أن النسبة الأكبر كانت في الحضر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة باحثًا عن إجابة: كم من هذه الحالات كان طلاقًا حقيقيًا لاستحالة العِشرة، وكم منها كان "مسرحية" خبيثة للحصول على أموال التأمينات من خلال المعاش بطريقة ملتوية تتحايل على القانون؟

أستاذة علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الدكتورة سوسن فايد، ألقت هالة ضوء حول هذا الواقع المؤلم واصفة إياه بـ"الاضطراب القيمي".

فايد أكدت في تصريحات لـ"تليجراف مصر"، أن الأمر يتجاوز الفقر، وقالت إنه "حلب" للمال العام تحت شعار "هتكسبي وهيبقى ليكي دخل".

وحذرت من أن المرأة في مثل هذه الحالات تضع رقبتها تحت مقصلة الزوج الذي قد يرمي الورقة العرفية في أي لحظة، ناهيك بتشوه القدوة أمام الأبناء الذين يتربون على أن التحايل "شطارة".

الدكتورة سوسن فايد

حلال في الشرع.. حرام في الجيب

يقف الأزواج في منطقة رمادية على حافة فاصلة بين الدين والدنيا، حيث تقول المأذونة الشرعية، أمل سليمان في هذه الحالة "الزواج حلال، لكن المال حرام". 

وتؤكد أن دور المأذون ينتهي عند توثيق الطلاق الرسمي، ولا يملك سلطة التفتيش في النوايا، لكنها تحذر: "من يعقد لهما عرفيًا بعد ذلك شريك في الجريمة".

المأذونة أمل سليمان

دينيًا، يحسم الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر، الجدل الفقهي حول هذه المسألة، مؤكدًا أن الطلاق الصوري "يقع شرعًا" طالما استوفى أركانه، حتى لو كانت النية التحايل. 

ويضيف لـ"تليجراف مصر": "لقد اتخذوا آيات الله هزوًا.. المال الذي يدخل جيوبهم سُحت، والزوج شريك في الإثم".

ويشير قابيل إلى مآسٍ لاحقة تقع حين تتنازع الزوجة مع زوجها "العرفي" على الميراث أو النسب، فلا تجد ما يحميها.

الدكتور أسامة قابيل

"سيستم" الدولة.. جزر منعزلة

وتكمن الكارثة الحقيقية في غياب التنسيق بين أجهزة الدولة، وهو ما يكشفه مصدر بوزارة الصحة، مؤكدًا أن مكاتب الصحة تعمل في "جزيرة منعزلة" عن هيئة التأمينات، السيدة تلد، ويُسجل المولود باسم الأب عبر "محضر إداري" أو "إقرار بُنوة"، دون أن يُرسل "إشعار" واحد إلى هيئة المعاشات بأن هذه “المطلقة” أنجبت، ما يعني أنها متزوجة فعليًا.

وعلى الضفة الأخرى، يعترف مسؤول بالهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بـ"عجز الرقابة"، حيث يقول بوضوح: "لا نملك شرطة تقتحم البيوت لنتأكد من وجود زوج، نحن نتعامل مع الورق".

ويشير إلى أن القانون يمنح المعاش للابنة غير المتزوجة، لكن "العرفي" يظل ثقبًا أسود يبتلع أموال الدولة، ولا يتم اكتشافه إلا ببلاغ كيدي أو بالمصادفة.

الطلاق الصوري يمر من بوابة المعاشات

الجريمة تبحث عن عقاب تحت قبة البرلمان

تستنزف هذه الظاهرة أموال التأمينات، بينما يقف المشرِّع موقف "المترقب"، وفي هذا الصدد يطالب عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب سابقًا، الدكتور إيهاب رمزي بإحصاءات دقيقة قبل سن قوانين جديدة، مشددًا على ضرورة استرداد الأموال المنهوبة.

عضو اللجنة التشريعية بمجلس النواب سابقًا، الدكتور إيهاب رمزي 

فيما يرى عضو مجلس الشيوخ، النائب عصام هلال، أن الأزمة ليست في القانون بقدر ما هي في "إثبات الواقعة"، فالأوراق العرفية لا يعتد بها رسميًا، ما يجعل إثبات التحايل شبه مستحيل دون تشديد العقوبات لتحقيق الردع.

 عضو مجلس الشيوخ، عصام هلال 

من جانبه، يقول عضو اللجنة التشريعية بمجلس الشيوخ، الدكتور عبد السند يمامة، إن قانون التأمينات الاجتماعية لم يُطرح حتى الآن للنقاش على أجندة مجلس الشيوخ أو النواب للمراجعة أو التعديل، مؤكدًا أنه يجب طرح قانون التأمينات الاجتماعية للتعديل: "نأمل أن يُطرح قريبًا للنقاش حتى يتم مناقشته وفق القواعد في مجلسي الشيوخ والنواب".

عضو اللجنة التشريعية بمجلس الشيوخ، الدكتور عبدالسند يمامة

سقوط الكبار.. قضية بنات سعدالدين وهبة

ولعل أبرز دليل على أن هذا التحايل لا يقتصر على البسطاء فحسب، ما كشفه المحامي عماد سليمان لـ"تليجراف مصر" حول قضية هزت الأوساط الفنية والثقافية، بطلتها الفنانة الكبيرة سميحة أيوب وأبناء الكاتب الراحل سعدالدين وهبة.

الواقعة بدأت في عام 1997 حين اكتشفت ابنتا الكاتب أن زوجة أبيهما الفنانة الشهيرة تزوجت عرفيًا من كاتب آخر، واستمرت في صرف المعاش لسنوات.

وبعد صراع قضائي طويل، وشهادات أثبتت تواجد الزوج الجديد في شقة الزوجية، قضت المحكمة بإدانتها واسترداد مبلغ تجاوز نصف مليون جنيه لصالح التأمينات، في واقعة نادرة أثبت فيها "الخصم" ما عجزت عنه أجهزة الدولة.

المحامي عماد سليمان

11.5 مليون مستفيد.. والخطر قائم

في ظل وجود نحو 11.5 مليون صاحب معاش ومستفيد في مصر، تظل هذه الجريمة سببًا في استمرار نزيف أموال الدولة، وبينما حاولت "تليجراف مصر" الحصول على تعليق من المجلس القومي للمرأة حول دوره في توعية النساء بخطورة هذا المسلك، التزم المجلس الصمت، ليبقى الملف مفتوحًا، والمال العام مباحًا لمَنْ يملك “ورقة عرفي”!

التزام المجلس القومي للمرأة بالصمت عن الرد 

اقرأ أيضًا:

الطلاق الوهمي.. ظاهرة تؤججها الحاجة للأموال

القضاء يكشف تحايل أم بزواج عرفي لاستمرار حضانة ونفقة الأطفال

لتحقيق العدالة الضريبية، ياسر جلال يطالب بعدم الحجز على المعاش

search