الثلاثاء، 17 فبراير 2026

09:16 م

قمة ترامب وخامنئي: بين إرث الشاه وحسابات النووي

إذا كانت السياسة هي فنّ فتح الممكن، فهي أيضًا فنّ إدارة التناقضات وتوظيف اللحظات التاريخية. وفي الحالة الإيرانية، نحن أمام نموذج مركّب يصعب اختزاله في سردية واحدة. فمنذ عهد رضا شاه ثم محمد رضا بهلوي، لم تغب إيران يومًا عن حسابات القوى الكبرى، بل كانت دائمًا عقدة جيوسياسية في قلب الصراع الدولي على الطاقة والنفوذ والأمن الإقليمي.

في عهد الشاه، كانت إيران ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية في الخليج. فقد مثّلت “شرطي الخليج” في مواجهة المدّ السوفيتي، كما ارتبطت بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، سواء على مستوى التعاون الأمني أو تبادل النفط والمعلومات. ولم يكن سرًا أن تل أبيب رأت في طهران الشاه حليفًا استراتيجيًا يوازن الثقل العربي آنذاك.

لكن السؤال الجوهري الذي ما زال يطرح نفسه: لماذا سقط الشاه رغم كل تلك الخدمات؟ الرواية التي تختزل المشهد في “خيانة أمريكية” تبدو مغرية سياسيًا، لكنها لا تكفي وحدها لفهم ما حدث عام 1979. نعم، الشاه كان مريضًا بالسرطان، ونعم، إدارة جيمي كارتر رفعت شعار حقوق الإنسان، وقلّصت دعمها غير المشروط لبعض الأنظمة الحليفة. لكن الداخل الإيراني كان يغلي. 

الفجوة الاجتماعية اتسعت، القبضة الأمنية اشتدت عبر جهاز السافاك، والهوية الدينية والقومية شعرت بأنها مهددة أمام مشروع تغريبي متسارع. الثورة لم تكن قرارًا أمريكيًا بقدر ما كانت نتيجة تآكل شرعية داخلية تراكمت لسنوات.

أما الحديث عن أن الولايات المتحدة أطاحت بالشاه لأنه بنى دولة قوية بعائدات نفطية ضخمة، فهو يحتاج إلى تدقيق. صحيح أن عائدات النفط بعد 1973 عززت طموح إيران الإقليمي، لكن واشنطن آنذاك كانت ترى في إيران القوية حليفًا يخدم استراتيجيتها، لا تهديدًا لها. بل إن البرنامج النووي الإيراني بدأ في عهد الشاه بدعم أمريكي وأوروبي ضمن إطار الاستخدام السلمي للطاقة، في سياق عالمي كان يشجع انتشار التكنولوجيا النووية المدنية بين الحلفاء.

التحول الجذري جاء مع الثورة الإسلامية. هنا تبدلت المعادلة: من حليف استراتيجي إلى خصم أيديولوجي يرفع شعار “الموت لأمريكا” ويطرح مشروعًا عابرًا للحدود. ومنذ ذلك الحين، دخلت العلاقة الأمريكية–الإيرانية في حالة صراع منخفض الحدة، يتراوح بين العقوبات، والمواجهات غير المباشرة، والتفاوض المرحلي.

إن القول إن واشنطن “مكّنت” نظام الملالي لإبقاء إيران ضعيفة ومحبوسة داخل إطار ديني، يتجاهل حقيقة أن الثورة قلبت المصالح الأمريكية رأسًا على عقب، وأدت إلى أزمة الرهائن التي شكلت إهانة كبرى للإدارة الأمريكية. ما حدث لاحقًا كان إدارة أزمة طويلة، لا هندسة مسبقة لنظام بديل.

لكن لا يمكن إنكار أن النظام الإيراني بعد 1979 أعاد تعريف دوره الإقليمي عبر بناء شبكة نفوذ في العراق ولبنان وسوريا واليمن. طهران تسميها “محور مقاومة”، وخصومها يرونها أذرعًا لزعزعة استقرار الدول العربية. وبين السرديتين، تبقى الحقيقة أن إيران نجحت في تحويل الضغط الخارجي إلى أدوات نفوذ إقليمي، مستفيدة من فراغات الدولة الوطنية في بعض الساحات

اليوم، وبعد أحداث 7 أكتوبر وما تلاها من تصعيد إقليمي، عاد التركيز الدولي إلى إيران، ليس فقط بسبب أذرعها، بل بسبب برنامجها النووي. القلق الأساسي في واشنطن وتل أبيب يتمثل في منع تحول البرنامج من عتبة نووية إلى قدرة عسكرية مكتملة. وهنا تكمن حساسية اللحظة: إيران تقترب تقنيًا من مستوى يثير المخاوف، لكنها تدرك أن إعلان امتلاك سلاح نووي قد يفتح عليها أبواب مواجهة شاملة.
فهل يمكن أن نشهد قمة بين دونالد ترامب والمرشد علي خامنئي؟
القمة المحتملة – إن حدثت – لن تكون مصالحة تاريخية بقدر ما ستكون إدارة توازنات: واشنطن تريد منع إيران من التحول إلى قوة نووية عسكرية، وطهران تريد رفع العقوبات وتثبيت اعتراف بدورها الإقليمي. وبين الهدفين مساحة تفاوض واسعة، لكنها محفوفة بالألغام.

في النهاية، إيران ليست مجرد ملف نووي، بل عقدة جيوسياسية تمس أمن الخليج، ومستقبل إسرائيل، واستقرار المشرق العربي. وأي لقاء بين ترامب وخامنئي – إن تم– سيكون تتويجًا لمسار طويل من الصراع والمساومات، لا بداية عهد جديد خالٍ من التوتر.

السياسة تفتح الممكن، نعم، لكنها لا تلغي صراع المصالح. وفي الشرق الأوسط، لا شيء يُحسم نهائيًا… بل يُدار إلى حين.

search