فنزويلا الآن.. لماذا حان وقت تفريغ "البندقية الصغيرة"؟
قبل أيام، كتبتُ أن الولايات المتحدة مقبلة على فعلٍ ما ضد فنزويلا. لم يكن ذلك استباقًا للحدث بقدر ما كان قراءة في منطق القوة. ففنزويلا، التي يعني اسمها بالإسبانية “البندقية الصغيرة”، لم تعد مجرد دولة في أمريكا اللاتينية، بل تحولت إلى هدفٍ مكتمل الأركان، وفريسةٍ جاهزة في مرمى وحشٍ كاسرٍ يسعى إلى إحكام قبضته على النصف الغربي من الكرة الأرضية.
هذا التوقيت ليس عابرًا. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة الكاسحة التي اعتادت قيادة العالم من موقع الهيمنة، تشعر اليوم بأن الأرض تتحرك تحت أقدامها. التقدم الاقتصادي الصيني لم يعد مجرد أرقام في تقارير دولية، بل تحول إلى مشروع نفوذ شامل، يمتد من التجارة إلى التكنولوجيا، ومن البحر إلى الفضاء. أما عسكريًا، فقد أعلنت بكين نجاحها في تدشين حاملة طائرات جديدة متقدمة، ومع حلول عام 2027 ستكون الصين قد امتلكت ثلاث حاملات طائرات حديثة، في رسالة واضحة مفادها أن زمن الاكتفاء بالدفاع قد انتهى.
ورغم ذلك، فإن ميزان القوة لا يزال يميل لصالح الولايات المتحدة، لا تفوقًا أخلاقيًا، بل بحكم معادلات الجغرافيا والهيمنة الصلبة. فالولايات المتحدة هي الدولة الكبرى الوحيدة التي تنعم بحدود آمنة خالية من الصراعات، وتقع بعيدًا تمامًا عن أي تهديد مباشر يمس سيادتها. كما أنها ما زالت تفرض سيطرتها على مفاصل الطاقة الحيوية في العالم، وتواصل، بلا مواربة، رفع إنتاجها من الوقود الأحفوري، ضاربةً عرض الحائط بكل الشعارات البيئية التي رفعتها يومًا ما.
وفوق ذلك، نجحت واشنطن في تقليص الحضور الروسي والصيني في الشرق الأوسط، مستفيدة من التحولات التي شهدتها سوريا، ومن استهداف البرامج النووية الإيرانية، في محاولة لإعادة رسم خرائط النفوذ وفق مقاسها الخاص.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى في فنزويلا عن هذه المعادلة الكبرى. فطريقة التعامل مع الرئيس نيكولاس مادورو لم تكن إجراءً قانونيًا معزولًا، بل كانت رسالة سياسية صريحة، موجهة إلى كل الفاعلين الدوليين، مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على القبض على خصومها، متى شاءت، وبالأسلوب الذي تختاره.
ما تسعى إليه واشنطن اليوم هو تثبيت فكرة واحدة: أن القرن الحادي والعشرين يجب أن يُكتب بالحبر الأمريكي وحده. اقتصاد ضخم، وقوة عسكرية هائلة، وتفوق تكنولوجي، كلها أدوات تُستخدم لتكريس صورة الإمبراطورية التي لا تُقهر. غير أن هذه الصورة بدأت تتآكل من الداخل. فالنمو الاقتصادي الأمريكي يشهد تباطؤًا ملحوظًا، والاقتصاد بات خدميًا أكثر منه إنتاجيًا، قائمًا على الاستهلاك والديون لا على الصناعة الحقيقية.
الأخطر من ذلك أن الولايات المتحدة فقدت كثيرًا من بريقها الأخلاقي. الصورة التي طالما روّجت لنفسها باعتبارها حامية “العالم الحر” انهارت تحت وطأة الاستخدام المفرط للقوة. من العراق إلى غزة، ومن لبنان إلى سوريا وإيران، بات واضحًا أن منطق القوة حل محل منطق القانون، وأن العالم يُدار اليوم وفق شريعة الغاب، أو ما يشبه “قانون إسبرطة”، كما عبّر نتنياهو عن فلسفة إسرائيل الأمنية.
أما المؤسسات الدولية، فقد تحولت إلى هياكل خاوية. عجزت عن وقف الإبادة الجماعية في غزة رغم مرور عامين عليها، وفشلت في إنهاء مآسي السودان واليمن وليبيا. عجز دولي كامل، واتحاد أوروبي يلعب دور التابع لا الشريك، في مشهد يكشف انهيار النظام الدولي الذي بُني عقب الحرب العالمية الثانية.
وختامًا، وبين صعود إمبراطوريات وتآكل أخرى، يبقى المستقبل رهانًا مفتوحًا على ضمير الإنسانية: هل يستيقظ قبل أن يتحوّل العالم إلى ساحة صراع بلا قانون، أم أن صوت القوة سيظل أعلى من صوت العدالة؟
الأكثر قراءة
-
موعد مباراة المغرب ونيجيريا في نصف نهائي كأس الأمم الأفريقية
-
نماذج امتحانات إنجليزي للصف الأول الإعدادي pdf.. امتحانات شاملة بالإجابات
-
حسن الخاتمة.. وفاة شاب ساجدًا أثناء إمامته لوالده بقليوب
-
نماذج امتحانات إنجليزي للصف الخامس الابتدائي الترم الأول 2026
-
نيجيريا تهزم الجزائر وتتأهل لملاقاة المغرب في نصف نهائي أمم أفريقيا
-
"محمود المليجي إمبراطور الشر الطيب” كتاب جديد لـ رشدى الدقن
-
وظائف بنك مصر 2026 لحديثي التخرج.. الشروط وطريقة التقديم
-
مشاهدة بث مباشر مباراة منتخب مصر و كوت ديفوار في أمم أفريقيا
مقالات ذات صلة
ماذا تريد الولايات المتحدة من فنزويلا؟
24 ديسمبر 2025 01:48 م
لغز الخلاف بين صلاح وليفربول: صراع خفي يهدد أسطورة الريدز
08 ديسمبر 2025 12:47 م
اختراق الجدار العربي: أبعاد ومخاطر المشروع الإسرائيلي الجديد
28 نوفمبر 2025 04:23 م
السودان في مواجهة المصير المجهول
20 نوفمبر 2025 01:16 م
أكثر الكلمات انتشاراً