الخميس، 15 يناير 2026

11:20 م

إيران فوق صفيح ساخن: حسابات القوة وحدود المغامرة

إيران ليست دولة عابرة في التاريخ أو الجغرافيا، بل كيانٌ تشكَّل عبر قرون من الحضارة الفارسية العريقة، التي تركت بصمتها في السياسة والثقافة والاقتصاد. ولعل لحظة صعود رضا خان إلى الحكم عام 1924، وإعلانه شاهًا على إيران، كانت واحدة من أهم محطات التحول في تاريخ الدولة الحديثة. فقد امتلك رضا شاه رؤية واضحة لإيران كدولة علمانية قوية على غرار النموذج التركي، مستلهمًا تجربة مصطفى كمال أتاتورك، الذي ربطته به علاقات سياسية وفكرية متميزة.

في سنوات قليلة، نجح رضا شاه في وضع أسس دولة صناعية حديثة، مستفيدًا من اكتشافات النفط التي منحت إيران فرصة للعب دور حيوي ومؤثر في الشرق الأوسط. غير أن الصدام مع المصالح البريطانية شكّل نقطة الانكسار؛ إذ أُجبر رضا شاه على التنازل عن العرش لابنه محمد رضا بهلوي، قبل أن يُنفى بعيدًا عن وطنه إلى جنوب إفريقيا، في مشهد يعكس مبكرًا حجم التدخل الخارجي في الشأن الإيراني.

وتأتي اللحظة المفصلية الثانية مع الانقلاب الأمريكي–البريطاني على رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، بعد قراره تأميم النفط الإيراني. ذلك الحدث لم يكن مجرد إسقاط حكومة وطنية، بل كان زلزالًا سياسيًا أعاد تشكيل الوعي الإيراني، وفتح الباب أمام صعود التيار الديني المعارض للنظام الملكي. في خضم تلك الاضطرابات، برز اسم روح الله الخميني، الذي بدأ في بناء نفوذ ديني وسياسي داخل الحوزات العلمية، مهددًا عرش الشاه من تحت أقدامه.

ورغم أن الشاه استطاع بحلول عام 1975 أن يحوّل إيران إلى واحدة من أكثر دول المنطقة تقدمًا، مع عوائد نفطية قاربت 50 مليار دولار سنويًا، فإن التحديث السريع المصحوب بالاستبداد السياسي خلق فجوة عميقة بين النظام والمجتمع. ومع عام 1978، انفجرت الثورة، لتدخل إيران مرحلة جديدة كليًا مع سقوط الشاه وقيام نظام ولاية الفقيه.

منذ تلك اللحظة، أعادت إيران تعريف دورها الإقليمي. لم تعد دولة قومية تسعى للتنمية الداخلية فحسب، بل مشروعًا أيديولوجيًا توسعيًا، عمل على تعزيز نفوذه في الدول العربية ذات المكوّن الشيعي، من لبنان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن، فيما عُرف بمشروع “الهلال الشيعي”. 

وجاء الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 ليمنح طهران فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها، حتى بات العراق أحد أهم ساحات التأثير الإيراني المباشر. ثم أضاف ما سُمّي بـ”الربيع العربي” مساحات جديدة للحركة، ليصل الغرور السياسي ذروته حين أعلن قاسم سليماني أن إيران باتت تتحكم في أربع عواصم عربية.

وكان الاتفاق النووي عام 2015 في عهد باراك أوباما بمثابة العصر الذهبي لطهران؛ إذ أتاح لها متنفسًا اقتصاديًا وسياسيًا واسعًا. غير أن هذا المشهد انقلب رأسًا على عقب مع صعود دونالد ترامب إلى الحكم عام 2017، وانسحابه من الاتفاق، وإطلاقه سياسة “الضغط الأقصى”. العقوبات القاسية أصابت الاقتصاد الإيراني في مقتل، وقلّصت بشكل كبير قدرة طهران على تمويل أذرعها الإقليمية مثل حماس وحزب الله والحوثيين والحشد الشعبي.

ثم جاءت عملية طوفان الأقصى لتشكّل نقطة التحول الأخطر. إذ بدا واضحًا أن القرار الأمريكي–الإسرائيلي قد اتجه نحو ثلاث غايات كبرى:

أولًا، القضاء على البرنامج النووي الإيراني.
ثانيًا، تفكيك أذرع إيران العسكرية في الإقليم.
ثالثًا، محاصرة النظام الإيراني وإضعافه تمهيدًا لإسقاطه، بعد تحييد برنامجه الصاروخي.

وفي هذا السياق، اندلعت ما عُرف بـ”حرب الاثني عشر يومًا”، التي شهدت ضربات أمريكية مباشرة استهدفت منشآت نووية إيرانية، وأعلن بعدها الرئيس ترامب “القضاء على البرنامج النووي”. ومع نجاح واشنطن في تضييق الخناق على حلفاء طهران، وفي مقدمتهم فنزويلا، بدا أن الإدارة الأمريكية باتت أكثر جرأة في دعم الاحتجاجات داخل الشارع الإيراني، والتلويح بخيارات عسكرية مباشرة.

اليوم، يقف النظام الإيراني أمام معادلة شديدة القسوة: فالمواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة تفتقر إلى أي تكافؤ حقيقي في موازين القوة، بينما مواجهة الداخل الغاضب تبدو أكثر صعوبة في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وتآكل شرعية النظام، واتساع رقعة السخط الشعبي.

وهنا يظل السؤال الأخطر معلقًا: ما مصير إيران إذا سقط النظام الإيراني؟ هل تدخل البلاد مرحلة فوضى وانقسام، أم تشهد إعادة تأسيس لدولة جديدة تعيد إيران إلى موقعها الطبيعي كقوة إقليمية مستقرة؟

سؤال مفتوح، لكن المؤكد أن إيران اليوم تقف بالفعل فوق صفيح ساخن، وأي خطوة خاطئة قد تُشعل حريقًا يتجاوز حدودها إلى الإقليم بأكمله.

search