الأربعاء، 04 مارس 2026

03:12 ص

إيران على حافة الهاوية

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد حرب تصريحات أو صراع ظلٍّ عبر الوكلاء، بل دخلت طورًا جديدًا يقترب من لحظة الحسم. فهذه المواجهة، في حقيقتها، ليست وليدة اللحظة، بل مؤجلة منذ عام 1979، منذ أن أعلن نظام ولاية الفقيه عداءه الصريح لواشنطن، ورفع شعار “الموت لأمريكا”، لتدخل إيران رسميًا في دائرة الدول التي تصنفها الولايات المتحدة ضمن معسكر العداء الاستراتيجي.
لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: لماذا تأجلت هذه المواجهة أكثر من أربعة عقود؟ ولماذا يبدو أن لحظة الحسم تقترب الآن تحديدًا؟

لفهم المشهد، لا بد من العودة إلى لحظة سقوط الشاه محمد رضا بهلوي. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تتدخل عام 1979 لحمايته كما فعلت في أزمة مصدق عام 1953 (وليس 1951)، حين دعمت انقلابًا أعاد الشاه إلى الحكم. هذا الامتناع عن التدخل لم يكن عجزًا، بل كان قرارًا محسوبًا. فقد رأت واشنطن في النظام الجديد، رغم عدائه الأيديولوجي، فرصة لإعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط.

أولًا، النظام الإيراني قائم على مشروع مذهبي عابر للحدود، يسعى إلى تشكيل ما يُعرف بـ"الهلال الشيعي". هذا المشروع، من وجهة نظر أمريكية، شكّل أداة لإضعاف البنية القومية العربية التقليدية، وإعادة تفكيك مراكز القوة في الإقليم عبر توظيف الانقسامات الطائفية، خصوصًا في دول ذات مكونات مذهبية متعددة.

ثانيًا، غضّت واشنطن الطرف عن تمدد النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، بما سمح لطهران بالتغلغل في مراكز القرار وصناعة واقع سياسي وأمني جديد عبر أذرعها العسكرية والتنظيمية.
ثالثًا، لعبت الميليشيات المرتبطة بإيران – مثل الحشد الشعبي، حزب الله، والحوثيين – دورًا محوريًا في إعادة تشكيل خرائط النفوذ، وزعزعة استقرار عدد من الدول العربية، الأمر الذي أعاد إنتاج الحاجة الاستراتيجية للوجود الأمريكي في المنطقة.
رابعًا، مثّل التهديد الإيراني المستمر لدول الخليج عاملًا مهمًا في تكريس الحضور العسكري الأمريكي وترسيخ القواعد والتحالفات الدفاعية، تحت مظلة حماية أمن الطاقة وأمن الحلفاء.
غير أن هذا الدور الوظيفي – إن صح التعبير– يبدو أنه بلغ حدوده القصوى. فإيران، وفق قراءة المشهد الراهن، تجاوزت الخطوط الحمراء التي رسمتها واشنطن، وفي مقدمتها ضمان التفوق الأمني الإسرائيلي.

الخط الأحمر الأول يتمثل في البرنامج النووي الإيراني. فقد وصلت نسب تخصيب اليورانيوم إلى مستويات مرتفعة تجاوزت 80%، وهي نسبة تقترب تقنيًا من العتبة اللازمة لإنتاج سلاح نووي (90%). والتاريخ الأمريكي في هذا السياق واضح؛ من قصف مفاعل تموز العراقي عام 1981، إلى تفكيك البرنامج النووي الليبي في عهد جورج بوش الابن، وصولًا إلى سياسة “المنع المطلق” لامتلاك خصومها سلاحًا نوويًا في الشرق الأوسط.

أما الخط الأحمر الثاني، فهو ما جرى في عملية "طوفان الأقصى". فالتقديرات الغربية تشير إلى أن طهران كانت على علم – إن لم تكن مشاركة في التخطيط الاستراتيجي– بهذه العملية التي هزّت العمق الإسرائيلي وأعادت تعريف مفهوم الردع في المنطقة. من هنا، باتت إيران تُنظر إليها باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأمن إسرائيل، وليس مجرد داعم من الخلف.
وعندما تلتقي العتبة النووية مع تهديد الأمن الإسرائيلي المباشر، فإن معادلة الردع التقليدية تتغير جذريًا. لذلك، فإن أي قرار أمريكي بالمواجهة لن يكون مجرد رد فعل تكتيكي، بل إعادة رسم لقواعد الاشتباك في الشرق الأوسط.

إننا أمام لحظة فارقة: إما إعادة احتواء إيران بشروط جديدة أكثر صرامة، أو الدخول في مرحلة تفكيك تدريجي لنفوذها الإقليمي. وفي كلا السيناريوهين، فإن المنطقة مقبلة على إعادة تشكل عميقة قد تُسقط أنظمة، وتُعيد ترتيب تحالفات، وتُدخل الشرق الأوسط في نسخة جديدة من توازنات ما بعد الحرب الباردة.
إيران اليوم ليست فوق بركان فحسب، بل على حافة هاوية استراتيجية، حيث يصبح أي خطأ في الحسابات كفيلًا بإشعال مواجهة قد تعيد تشكيل الإقليم بأكمله.

search