الخميس، 19 فبراير 2026

01:07 ص

تحت مظلة المعاشات.. أموال المغتربين تبحث عن صندوق بعد سن التقاعد

معاشات للمصريين بالخارج

معاشات للمصريين بالخارج

أثار اقتراح برلماني بإنشاء صندوق معاشات اختياري للمصريين العاملين بالخارج نقاشًا حادًا بين الخبراء والسياسيين، وسط دور حاسم لتحويلات المغتربين كمصدر رئيسي للعملة الصعبة في مصر.

وتقدم عضو مجلس النواب، محمد الصالحي، بمشروع قانون لإنشاء صندوق معاشات المصريين العاملين والمقيمين بالخارج، يعتمد نظامًا اختياريًا مرنًا يتيح الاشتراك وفق إمكانياتهم المالية، مقابل حق أصيل في معاش كريم عند التقاعد أو حالات العجز أو الوفاة.

مظلة تأمينية عادلة

مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، هدى الملاح، ترى أن إنشاء صندوق معاشات للمصريين العاملين بالخارج فكرة مطلوبة، نظرًا لدور تحويلاتهم كأحد أبرز مصادر النقد الأجنبي، مع ضرورة وجود مظلة تأمينية عادلة تحميهم بعد سنوات العمل.

وتضيف: الصندوق يوفر أيضًا حماية اجتماعية لمن يفتقرون تغطية تأمينية كافية في دول الإقامة، مع تعزيز الرابط المؤسسي بين الدولة وأبنائها بالخارج، وتمويل مشروعات تنموية عبر وعاء استثماري سيادي.

مدير عام المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى، هدى الملاح

الإدارة المستقلة

وأيدت هدى الملاح في تصريحات لـ"تليجراف مصر"، فكرة أن يكون الصندوق اختياريًا غير إلزامي، تحت إدارة مستقلة وشفافة بعيدة عن البيروقراطية التقليدية.

ولفتت إلى ضرورة ألا يكون الصندوق مجرد امتداد لنظام التأمينات التقليدي، بل صندوق استثماري حديث يخضع لإشراف مهني مستقل، مع تقارير أداء دورية معلنة، مشيرة إلى أن المصري بالخارج ليس مصدر تحويلات فحسب، بل شريك تنموي يستحق حماية آمنة وعادلة.

وأوضحت أن الصندوق خطوة استراتيجية مهمة اجتماعيًا واقتصاديًا، إذ يحمي المصريين بالخارج بعد سنوات عملهم، ويخفف الضغط على الموازنة العامة، والاشتراك الاختياري يجعل كل مشترك يموّل جزءًا من معاشه، ما يقلل الاعتماد على خزانة الدولة ويحد من عجز التأمينات المستقبلي.

التأثير الاقتصادي

وأضافت أن الاشتراك في الصندوق يمثل تدفقًا نقديًا مستقرًا يُستثمر لتحقيق عوائد طويلة الأجل، ما يعزز موارد الدولة ويُمكنها من تمويل مشروعات تنموية دون زيادة الضرائب أو الاقتراض، بالإضافة إلى أن الصندوق يربط المصريين بالخارج بمؤسسات الدولة بشكل مستدام، ويمنحهم ثقة في إدارة أموالهم بطريقة شفافة وآمنة.

وأشارت إلى أن إنشاء الصندوق ليس مجرد خدمة اجتماعية، بل أداة اقتصادية فعالة تخفف العبء على الموازنة، وتحوّل التزامات الدولة إلى مسؤولية مشتركة مع المواطنين، مع تعزيز استدامة الموارد المالية طويلة الأمد.

وشددت على أن نجاحه يعتمد على تصميم ذكي، إدارة مهنية مستقلة، وضمان الشفافية في الاستثمار والتحصيل، ليصبح نموذجًا يربط بين الحماية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية المستدامة.

دعم وأمان

من جانبه، يرى عضو مجلس الشيوخ، حازم الجندي، أن إنشاء الصندوق يوفر مظلة حماية اجتماعية وتأمينية للمصريين بالخارج، وشبكة أمان تشعرهم بدعم الدولة في الصعوبات والأزمات، مع تعزيز التواصل بالوطن لترسيخ الولاء والانتماء.

عضو مجلس الشيوخ، حازم الجندي

الشروط التنفيذية

وأوضح ضرورة أن يتبع الصندوق جهة حكومية مختصة، كالهيئة القومية للتأمينات الاجتماعية أو ما تحدده الحكومة، ويعمل بنظام مرن واختياري يتيح الاشتراك مقابل اشتراكات شهرية أو سنوية مناسبة، بالإضافة لربطه بالمنظومة الرقمية الموّحدة لوزارة الخارجية، لتسهيل الاشتراك والسداد من الخارج عبر تطبيق مرن يناسب جميع الفئات، ويدعم الدفع الإلكتروني من أي دولة.

ودعا الجندي الحكومة إلى دراسة هذا المشروع، مع إجراء دراسة اكتوارية متكاملة لضمان استدامته المالية، ووضع إطار تشريعي وتنفيذي واضح يحقق الشفافية والكفاءة في الإدارة، مع تقديم حوافز تشجيعية لجذب أكبر عدد من المشتركين.

الإشكاليات الجوهرية

على النقيض، يرى الخبير الاقتصادي، مدحت نافع، أن إنشاء صندوق معاشات اختياري للمصريين العاملين بالخارج في هذا التوقيت ينطوي على إشكاليات جوهرية تفوق مزاياه النظرية.

ولفت إلى أن تحويلات المصريين بالخارج مورد حيوي للاقتصاد، وقد بلغت مستويات غير مسبوقة، حيث تتحمل عبئًا مزدوجًا بدعم الأسر وتخفيف الضغط على ميزان المدفوعات، وأن إنشاء وعاء جديد يعتمد على نفس الكتلة النقدية يعني إعادة توزيع مورد محدود بدلًا من خلق مورد جديد، ما يؤدي إلى مزاحمة استخداماته الإنتاجية الطبيعية.

مخاطر سعر الصرف والتضخم المحلي

وأضاف مدحت نافع لـ"تليجراف مصر": الصندوق الذي يعتمد على عوائد الاستثمار كمصدر رئيسي يظل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، ومخاطر سعر الصرف والتضخم المحلي، وإذا تراجعت العوائد أو الاشتراكات، يتحول الضغط سريعًا إلى الدولة للتدخل، حتى في غياب ضمان قانوني صريح، مع مخاطر سياسية تفوق الفنية، إذ يصعب ترك مدخرات المغتربين تتآكل دون تدخل حكومي، ما يخلق التزامًا ضمنيًا على الموازنة العامة.

الخبير الاقتصادي، مدحت نافع

الاختياري والإلزامي

وأوضح أن الفرق بين الصندوق الاختياري وأنظمة التأمين الإلزامي كبير وجوهري، حيث يعتمد الإلزامي على التضامن الاجتماعي وإعادة التوزيع بين الأجيال بضمان الدولة الكامل، بينما الاختياري أداة استثمارية فردية تتحمل مخاطر السوق.

وأضاف أن الخلط بينهما في الخطاب العام قد يوّلد توقعات غير واقعية لدى المشاركين بأن الدولة تضمن عوائدهم كما في النظام الإلزامي.

كفاءة الموارد

وفيما يخص كفاءة تخصيص الموارد، شدّد نافع على أن الأولوية ليست لصندوق جديد، بل لإصلاح بيئة الاستثمار المحلية، وتعزيز أدوات الادخار القائمة، وتمكين المغتربين من الاستثمار المباشر في أدوات شفافة دون وسيط سيادي.

وكشف أن الفكرة بصيغتها المطروحة تنطوي على مخاطر مزاحمة واستدامة والتزام ضمني على الخزانة، دون إضافة مورد جديد حقيقي للاقتصاد، مشيرًا إلى أن الحل ليس في أوعية جديدة تمتص المورد ذاته، بل في تعظيم كفاءة استخدامه عبر إصلاحات هيكلية أوسع.

اقرأ أيضًا:

زيادة الرواتب والمعاشات.. أبرز ملامح الحزمة الاجتماعية الجديدة

اتحاد أصحاب المعاشات: لا نريد زيادة 15%، وهدفنا المساواة بالعاملين بالدولة

search