الجمعة، 27 فبراير 2026

02:41 ص

وصمة اجتماعية وعار مزمن، جدل أخلاقي حول استغلال الأطفال في إعلانات التسول الحلال

استغلال الأطفال

استغلال الأطفال

لا يزال ظهور الأطفال المرضى والمحتاجين في إعلانات جمع التبرعات يثير جدلاً أخلاقياً وقانونياً حاداً، خاصة مع تصاعد هذه الحملات في رمضان.

استغلال الأطفال 

أكد أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، أن الإعلانات التي تعرض أطفالاً مرضى ومحتاجين بشكل مباشر لجمع التبرعات تشكل استغلالاً أخلاقياً وقانونياً خطيراً يشبه التسول المقنع في الشوارع، إذ يُسهم في تعزيز ثقافة الاعتمادية وتحويل الفقراء إلى متلقين دائمين، متعارضاً مع القانون والكرامة الإنسانية.

إباحية الفقر 

وأضاف أن هذه الإعلانات المعروفة عالميا بـ "إباحية الفقر"، تعزز ثقافة الاعتماد علي الآخرين، برسم الطفل أو المريض كضحية عاجزة تنتظر الإنقاذ من المتبرع أو الجمعية، وتُكرس صوراً نمطية سلبية للفقراء كمساكين بلا كرامة،  وتسهم في تفضيل الشفقة على معالجة الأسباب الجذرية كضعف التأمين الصحي والفساد، كما أن الجمعيات تنفق الملايين على هذه الإعلانات بدلاً من العلاج، ما يُولد اعتياد الأسر على طلب التبرعات بدلاً من البحث عن الحلول المستدامة، وأن  يقبل المجتمع الإحسان كبديل عن المطالبة بالحقوق.

التسول عبر الشاشة

وأوضح سعيد صادق لـ"تليجراف مصر"، أن عرض الأطفال المرضى أو المحتاجين في إعلانات جمع التبرعات يُعد شكلاً حديثاً من التسول الإعلامي أو التسول الحلال، ويُوصف في مصر بـ"التسول عبر الشاشة" أو "انتزاع التبرعات بالفزع" ، ما يسهم في تعزيز ثقافة الاعتمادية في المجتمعات الفقيرة، حيث يشبه التسول التقليدي الذي يستدر عطفاً مباشراً بعرض الضعف الجسدي أو المرضي، لكنه يستخدم كاميرات وموسيقى حزينة ومواعظ دينية متكررة، خاصة في رمضان ليصل إلى ملايين المشاهدات محولاً معاناة الطفل إلى سلعة عاطفية تباع مقابل تبرعات .

أستاذ علم الاجتماع السياسى، الدكتور سعيد صادق

استنزاف الملايين ووصمة الأطفال

وأعلن عن وجود تقارير تؤكد استنزاف ملايين الجنيهات في الإنتاج بدلاً من إنفاقها على علاج الأطفال المرضى المشاركين في الإعلانات، وتكشف أن الأطفال المعروضين في صور الفقر المدقع أو المرض يعانون وصمة اجتماعية مستمرة، تعزز شعورهم بالعجز بدلاً من التمكين، إضافة إلى أن منظمات عالمية مثل الـ UNICEF ابتعدت تدريجياً عن هذه الإعلانات بعد انتقادات، إذ تُضر بالطفل أكثر من نفعها علي المدي الطويل.

آثار نفسية ووصمة العار

وأوضح صادق أن عرض صور الأطفال المرضى والمحتاجين في إعلانات جمع التبرعات،  يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، ويولد شعوراً بالعار والوصمة، إذ يرى الطفل نفسه "الطفل المسكين" أو "المريض" الذي يُستدر عطف الناس"، ما يربط قيمته الذاتية بضعفه، ومرضه، وفقره، ويُنتج عاراً مزمناً يستمر في بعض الحالات إلى سن البلوغ، ويعزز الشعور بالذنب "أنا عبء"، ويؤدي إلى انخفاض احترام الذات وتجنب المواقف الاجتماعية خوفاً من التعرف عليه.

استغلال عاطفي وفقدان السيطرة

وأضاف أن الطفل يُشعر بالاستغلال العاطفي وفقدان السيطرة، حيث أن الطفل غالبًا لا يملك خياراً حقيقياً في الموافقة ، حتى وإن وافق أهله بالنيابة عنه، فيشعر أنه أداة لجمع المال لا إنساناً كاملاً، ويشبه ما يحدث في حالات نشر صور الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يُضعف الثقة بالآخرين من الأهل والمجتمع 

اضطرابات طويلة الأمد

وتابع أستاذ علم الاجتماع السياسي: أن استغلال الأطفال في إعلانات التبرعات يؤثر على التطور الاجتماعي والشخصي، ويسبب انعزالاً وتنمراً مدرسياً وشعوراً بالاختلاف في مرحلة الطفولة، يعيق بناء علاقات صحية ويزيد من الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة في مرحلة المراهقة، بينما التأثير طويل الأمد يشكل هوية ضحية بدلاً من ناجٍ، ويُعيق طلب المساعدة مستقبلاً .

حلول التمكين والرقابة

ولفت صادق إلي أن الحل يكمن في حملات تركز على الأمل والتمكين والقصص الناجحة، لبناء استقلالية حقيقية تحترم كرامة الأطفال وتبتعد عن تحويلهم إلى أدوات تسول عاطفية، كما يجب الاعتماد على حملات توعية عامة وقصص مجهولة الهوية دون وجوه أو تفاصيل شخصية، مع توجيه التبرعات عبر قنوات رسمية موثوقة مثل المستشفيات الحكومية و57357 والجمعيات المرخصة بشفافية، وتشديد الرقابة من جهاز حماية المستهلك، المجلس القومي للطفولة والأمومة، والنيابة العامة. 

أركان قانون مكافحة الاتجار بالبشر

من جانبه أكد المستشار القانوني والمحامي بالنقض، أحمد مهران، أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010 يعتمد على ثلاثة أركان أساسية: الفعل (مثل التجنيد أو النقل أو الإيواء أو العرض)، والوسيلة (مثل استغلال الضعف أو الخداع)، والغرض (الاستغلال غير المشروع للإنسان لتحقيق منفعة) .

شروط الجريمة في الإعلانات

وأوضح مهران أن عرض الطفل في الإعلانات الخيرية لا يُعد اتجاراً بالبشر إذا تم بموافقة ولي أمره، واحترام كرامته، ودون ربح شخصي غير مشروع، ضمن إطار قانوني، إذ يتحول إلى جريمة إذا توافرت عناصر الاستغلال، مثل استخدامه كوسيلة ضغط عاطفي مهين  مثل الإذلال أو التعرية أو تشويه الصورة، أو تحقيق أرباح غير مشروعة من التبرعات، أو استغلال حاجة الأسرة أو جهلها، وأن الفقه القانوني الحديث يميل إلي أن النية الخيرية لا تنفي الجريمة إذا تحققت هذه العناصر.

المستشار القانوني والمحامي بالنقض، أحمد مهران

العقوبات القانونية

وأضاف أن قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لسنة 2010  ينص على عقوبة السجن المشدد وغرامة من 50 ألف إلى 200 ألف جنيه كحد أدنى، وقد تصل إلى السجن المؤبد وغرامات أكبر إذا كان المجني عليه طفلاً أو ارتُكبت الجريمة من خلال جماعة منظمة أو ترتبت عليها أضرار جسيمة، متسقاً مع تشديد التشريعات المصرية على جرائم الأطفال .

قيود قانون الطفل

ولفت المستشار القانوني إلى أن قانون الطفل رقم 126 لسنة 2008 لا ينص على حظر مطلق صريح عن نشر صور الأطفال في حملات التبرعات، لكنه يفرض قيوداً صارمة تجعل حماية كرامة الطفل أولوية مطلقة، وأن أي نشر يُهينه أو يضره نفسياً أو يعرضه للاستغلال الإعلامي أو الدعائي يُعد مخالفة، كما يمنع تعريض الطفل للخطر أو نشر بيانات أو صور تضر بمستقبله أو خصوصيته، ويمتد ذلك إلى الاستغلال التجاري غير اللائق، مع التأكيد على أن الدولة تكفل حمايته  من أي ممارسات ضارة أو غير مشروعة.

جهات الرقابة المتعددة

 وبدوره أوضح الخبير القانوني المتخصص في جرائم الإنترنت، محمد صابر، أن جهاز حماية المستهلك يتولى مراقبة إعلانات التبرعات، لكنه ليس الجهة الوحيدة المختصة عن استغلال الأطفال، إذ تخضع المسألة لتداخل قوانين وجهات متعددة تشمل حماية المستهلك وقانون الطفل والمجلس الأعلى للإعلام والنيابة العامة.

الخبير القانوني المتخصص في جرائم الإنترنت، محمد صابر

تداخل قوانين الطفل والمستهلك

وأضاف أن قانون الطفل يتداخل مع قانون حماية المستهلك إذا ثبت استغلال الأطفال في الإعلانات الخيرية، إذ يتعرض المخالف للغرامات والعقوبات عند نشر صورهم أو استخدامهم بما ينتهك حقوقهم أو يكشف هويتهم في سياقات محمية قانوناً، ويُعد استخدام الأطفال المرضى لجمع الأموال انتهاكاً لحقوقهم في نظر بعض المختصين إذا تم دون ضوابط أو موافقات قانونية.

 إجراءات الإخطار والعقوبات

وأكد الخبير القانوني أن جهاز حماية المستهلك أو المجلس الأعلى للإعلام المخالفات يتولى التحقيق في الحملات الإعلانية البحتة، بينما يُخطر النيابة العامة والمجلس القومي للطفولة والأمومة والجهات الرقابية الإعلامية عند استغلال طفل أو تعريضه للخطر أو انتهاك خصوصيته، أو مخالفة قانون الطفل، أو عدم التزام جهة الإعلان بقرارات الجهاز أو استمرار المخالفة.

search