الجمعة، 06 مارس 2026

01:15 ص

رغم اختلاف العصور.. القرار واحد: لا قواعد عسكرية على أرض مصر

في تاريخ الأمم، هناك قرارات تُتخذ لظرفٍ مؤقت، وهناك مبادئ تُرسَّخ لتصبح جزءًا من هوية الدولة.
ومبدأ رفض وجود قواعد عسكرية أجنبية على أرض مصر ليس موقفًا عابرًا، بل عقيدة سيادية ممتدة عبر عقود.

عندما أنهى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الوجود العسكري البريطاني عام 1954 بعد اتفاقية الجلاء، لم يكن الأمر مجرد إنهاء احتلال، بل إعلانًا واضحًا أن مصر لن تكون ساحة نفوذ عسكري لأحد. كانت تلك اللحظة تأسيسًا لقاعدة وطنية صلبة: الأرض المصرية ملك لإرادة المصريين فقط.

وفي عهد الرئيس أنور السادات، ورغم التحولات الكبرى في خريطة التحالفات الدولية، ورغم الانفتاح السياسي والاستراتيجي، بقي القرار ثابتًا. مصر تنفتح، تفاوض، تتحرك بمرونة… لكنها لا تفرط في سيادتها.

ثم جاء عهد الرئيس محمد حسني مبارك، في زمن امتلأت فيه المنطقة بقواعد عسكرية متعددة الجنسيات، ومع ذلك لم تتحول مصر إلى منصة عسكرية لأي قوة خارجية، وظل القرار الوطني محفوظًا داخل حدود الدولة.

واليوم، في ظل إقليم يموج بالصراعات، وتحالفات يعاد تشكيلها، وضغوط تتزايد، يعيد الرئيس عبد الفتاح السيسي التأكيد على هذا الثابت التاريخي، نافيًا بشكل قاطع أي وجود أو اتفاق لإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على أرض مصر.

لكن أهمية موقف الرئيس السيسي لا تكمن فقط في النفي، بل في السياق الذي يصدر فيه هذا الموقف.
فالدولة المصرية اليوم ليست في موقع الباحث عن حماية، بل في موقع الفاعل والمؤثر.
جيش وطني يُصنَّف ضمن الأقوى إقليميًا، بنية تسليحية متطورة، تنوع في مصادر السلاح، عقيدة عسكرية مستقلة، وقدرة على حماية الحدود في أصعب الظروف.

الرئيس السيسي خلال السنوات الماضية لم يكتفِ برفض فكرة القواعد، بل عمل على ترسيخ مفهوم الدولة القادرة: دولة تؤمن حدودها بنفسها. دولة تبني قوتها دون ارتهان. دولة تنفتح على الشرق والغرب دون أن تنحاز إلا لمصلحتها الوطنية.

الفارق بين التعاون العسكري ووجود القواعد فارق جوهري.
مصر تشارك في تدريبات مشتركة مع دول عديدة، توقع اتفاقيات دفاعية، تتبادل خبرات، لكن كل ذلك يتم تحت سقف السيادة الكاملة. لا شبر من الأرض خارج القرار المصري، ولا قاعدة تُدار إلا بعلم الدولة وإرادتها الكاملة.

وفي ظل الشائعات التي تتردد بين الحين والآخر، يأتي موقف الرئيس السيسي واضحًا، حاسمًا، وممتدًا في جذوره إلى عقيدة وطنية لم تتغير عبر أربعة عهود.
وهو بذلك لا يدافع عن قرار سياسي فقط، بل يصون تاريخًا من الاستقلال، ويؤكد أن قوة الدولة لا تُقاس بعدد القواعد الأجنبية على أرضها، بل بقدرتها على الاستغناء عنها.

إن وحدة الموقف عبر الرؤساء، رغم اختلاف الرؤى والمدارس، تؤكد أن الأمر ليس مرتبطًا بشخص، بل بثابت من ثوابت الدولة المصرية.
لكن لكل مرحلة رجالها، ولكل تحدٍ قيادته، وفي لحظة إقليمية دقيقة، جاء التأكيد الرئاسي ليغلق الباب أمام أي تأويل.

رغم اختلاف العصور… القرار واحد.
لا قواعد عسكرية على أرض مصر.
لأن السيادة ليست شعارًا يُرفع، بل عهدًا يُصان..

search