أزمة بنيوية.. هل ينهار الجيش الإسرائيلي قريبًا؟
في الظاهر، تبدو إسرائيل كما لو أنها تخوض حربًا على جبهات متعددة، لكن في العمق، هناك جبهة أخطر تُفتح من الداخل، جبهة لا تُقاس بالصواريخ ولا تُحسم بالدبابات، بل تُقاس بسؤال بسيط وخطير: من سيحمل السلاح؟.
الدولة التي قامت على فكرة “جيش الشعب”، تواجه اليوم احتمالًا غير مسبوق: جيش بلا مجندين، أو مجتمع بلا عقد اجتماعي.
80 ألف خارج المعادلة
بحسب تقديرات عسكرية وإعلامية إسرائيلية، هناك ما يقرب من 80 ألف شاب من الحريديم في سن التجنيد (18–24 عامًا) خارج الخدمة العسكرية، رغم أهليتهم القانونية.
هذا الرقم لا يعكس مجرد فجوة رقمية، بل يكشف عن تصدع متزايد بين الدولة وأحد أسرع مكوناتها نموًا.
تجنيد شبه غائب
ورغم الضغوط السياسية والقضائية، لا تزال نسبة التجنيد داخل المجتمع الحريدي أقل من 10%، وفق تقديرات متقاطعة صادرة عن دوائر عسكرية وبحثية داخل إسرائيل.
بمعنى آخر، قطاع كامل تقريبًا يقف خارج معادلة “تقاسم العبء”، في وقت تتآكل هذه المعادلة نفسها.
جيش ينزف… وأزمة بنيوية تتكشف
في المقابل، يواجه الجيش الإسرائيلي نقصًا حادًا في القوى البشرية، مع حاجة فورية إلى نحو 12 ألف جندي إضافي، معظمهم في الوحدات القتالية، بحسب تقديرات المؤسسة العسكرية.
هذا النقص ليس طارئًا، بل مرشح للتفاقم، حيث تشير التقديرات إلى فجوة سنوية إضافية تتراوح بين 2500 و3000 جندي بدءًا من عام 2027.
لكن الأخطر أن هذه الأرقام لم تعد تعكس أزمة مؤقتة، بل ما يمكن وصفه بـ"أزمة بنيوية” تضرب أساس النموذج العسكري نفسه.
وهنا تتقاطع الأرقام مع الواقع الميداني: استنزاف مستمر في غزة، توتر متصاعد على الجبهة الشمالية، تطورات متلاحقة في سوريا، انفجار مرتقب في الضفة الغربية، في ظل مواجهة أوسع مع إيران.
حين يضغط الخارج… ينكشف الداخل
في لحظة إقليمية مشتعلة، حيث تتزايد احتمالات التصعيد مع إيران وتتعقد حسابات الردع في أكثر من ساحة، يصبح النقص البشري داخل الجيش الإسرائيلي أكثر من مجرد أزمة إدارية.
إنه خلل استراتيجي، لأن أي تصعيد واسع النطاق لا يختبر فقط قدرات السلاح، بل قدرة المجتمع نفسه على الاستمرار في القتال، وهنا يظهر التناقض بوضوح: دولة تستعد لحروب طويلة ومجتمع يتراجع فيه الاستعداد لتحمل كلفتها.
الحاخامات أم الجنرالات؟
لكن الأزمة لا تتوقف عند الأرقام، فالجيش الإسرائيلي يخوض اليوم معركة من نوع آخر،ـ داخل المعسكر نفسه، ليست معركة جبهات، بل معركة تعريف: من يملك القرار داخل المؤسسة العسكرية؟ الجنرالات… أم الحاخامات؟.
في ظل نقص بشري حاد، يدفع الجيش نحو توسيع دمج النساء في الوحدات القتالية كحل عملياتي لتعويض العجز، لكن وفق ما كشفته رسائل وبيانات صادرة عن قيادات دينية صهيونية، اعترض عشرات الحاخامات على هذه السياسات، مطالبين بوقف دمج النساء في بعض الوحدات، واعتبار ذلك “مساسًا بالقداسة” وتهديدًا لهوية الجيش.
هنا يتصادم نموذجان بوضوح:
• نموذج عسكري يرى أن الجاهزية تُقاس بالكفاءة والقدرة القتالية
• ونموذج ديني يعتبر أن “الشرعية” و”القداسة” شرط أساسي للنصر
وبين هذين النموذجين، يتعمق التصدع داخل المؤسسة.
جيش يعاني… وعقيدة تتقدم
تشير معطيات عسكرية إلى أن النساء يشكلن نسبة معتبرة من القوة القتالية، في ظل حاجة الجيش لتعويض النقص البشري، لكن في المقابل، يتصاعد نفوذ التيار الديني داخل الوحدات القتالية، ومعه تتزايد محاولات إعادة تعريف طبيعة الجيش ودوره.
لم يعد الصراع هامشيًا، بل بات يدور داخل غرف القرار نفسها.
القضاء يصعّد… والسياسة تناور
بعد سقوط الإعفاءات القانونية في 2023، دخلت الأزمة مرحلة أكثر حدة، فبحسب قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية في 2024، تم إبطال الإعفاء الشامل للحريديم، قبل أن تتجه المحكمة لاحقًا نحو المطالبة بإجراءات أكثر صرامة ضد المتهربين.
لكن، وفق تقارير قانونية وإعلامية إسرائيلية، لم تُنفذ هذه القرارات بشكل كامل، ما فتح الباب أمام توتر متصاعد بين مؤسسات الدولة.
أوامر بلا قوة
في محاولة لاحتواء الأزمة، أصدر الجيش عشرات الآلاف من أوامر التجنيد، وصل عددها إلى نحو 54 ألف أمر في يوليو 2025.
لكن المفارقة واضحة:
الأوامر تصدر… لكن التنفيذ يتعثر.
والقانون يُكتب… لكن لا يُفرض.
صراع يتجاوز التجنيد
تحاول الحكومة تمرير قانون يعيد فعليًا الإعفاءات، في وقت يتم تأجيل الحسم لصالح اعتبارات سياسية وتمرير الميزانية تحت ضغط الحرب.
لكن في الخلفية، يتشكل صراع أعمق:
احتجاجات في الشارع،
وضغوط من الأحزاب الدينية،
وغضب متزايد داخل الأوساط العلمانية وقوات الاحتياط.
من يعرّف الدولة؟
لم تعد القضية تتعلق بمن يتجند ومن لا يتجند، بل بمن يملك تعريف الدولة نفسها.
هل هي دولة أمنية، يقوم بقاؤها على الخدمة العسكرية؟، أم دولة دينية تعيد ترتيب أولوياتها على حساب هذا الالتزام؟، وهنا تتقاطع أزمة التجنيد مع صراع الحاخامات والجنرالات، لتكشف عن سؤال أعمق: هل تُدار إسرائيل بعقل المؤسسة العسكرية… أم بمنطق المرجعية الدينية؟.
ثلاثة مسارات… ونقطة واحدة
تدور السيناريوهات حول 3 خيارات:
• فرض التجنيد بالقوة
• استمرار التآكل التدريجي
• أو تسوية سياسية غامضة
لكنها جميعًا تلتقي عند حقيقة واحدة: كل تأجيل للحل… يوسّع الفجوة.
تهديد وجودي
إسرائيل اليوم لا تواجه فقط تهديدات على حدودها، بل اختبارًا في قلبها، اختبار للقدرة على التوفيق بين الدين والدولة، بين المجتمع والجيش، بين العقيدة والضرورة.
فإذا استمر هذا المسار، هل تقترب إسرائيل من لحظة فارقة… حيث لا يكون الصراع على الجبهات… بل على تعريف الدولة نفسها؟، أم أنها تقترب بالفعل من نموذج جديد… دولة بلا جيش شعب، وجيش بلا شعب؟!.
اقرأ أيضًا..
الأكثر قراءة
-
بعد سنوات من تعثر إيفرجرو، تفاصيل تسوية أكبر مديونية في قطاع الأسمدة بـ40 مليار جنيه
-
هل يسمح بعرض مباراة المنتخب في المقاهي رغم قرار الغلق الرسمي؟
-
حقيقة إعدام إسرائيليين في كوريا الشمالية.. هل أمر كيم جونج أون بتنفيذ الحكم؟
-
موعد مباراة مصر وإسبانيا والقنوات الناقلة
-
الحبس سنة مع الشغل للمتهمين بالاعتداء على "طالب كعابيش"
-
بعد ظهوره في الكنيست.. هل ارتداء التربون يعد تشبهًا باليهود؟
-
ارتفاع الذهب بدعم تراجع الدولار رغم تسجيل أسوأ أداء شهري منذ 2008
-
موعد مباراة مصر وإسبانيا الودية اليوم استعدادًا لكأس العالم
مقالات ذات صلة
معضلة “السماء والأرض”.. لماذا لم يسقط نظام الملالي حتى الآن؟
24 مارس 2026 10:02 ص
"عسكرة الطاقة".. هل تتحقق نبوءة إرميا؟
18 مارس 2026 08:30 م
فرصة أم كارثة أم نبوءة ؟.. انقسام إسرائيلي حول إسقاط نظام الملالي
13 مارس 2026 05:09 م
الهيكل الثالث وتدمير الأقصى.. نظرية مؤامرة أم مخطط إسرائيلي؟
07 مارس 2026 10:47 م
أكثر الكلمات انتشاراً