الأحد، 05 أبريل 2026

11:56 ص

"ترندات الموت".. كيف تقتل "المشاهدات" ضمير صانعي المحتوى؟

استخدام وسائل التواصل الإجتماعي

استخدام وسائل التواصل الإجتماعي

بعد واقعة ضبط أحد صناع المحتوى بمحافظة البحيرة، لنشره مقطع فيديو تضمن ادعاءات كاذبة عن مخدر خطير ووقائع اغتصاب لا أساس لها من الصحة، فتح ملف خطورة السعي وراء “الترند” والمشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكشفت التحقيقات أن المتهم اعترف بتلفيق ما ورد في المقطع بهدف تحقيق انتشار واسع وحصد التفاعل، رغم عدم صحة المحتوى، مدفوعًا بما وصف بـ“هوس الشهرة” الذي دفعه لإعادة نشر الفيديو أكثر من مرة بعد فشله في تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول تأثير المحتوى المضلل واستغلال الشائعات من أجل تصدر محركات البحث.

ارتفاع الدوبامين ودافع التريند

وفي السياق ذاته، قالت الدكتورة إيمان عبد الله، استشاري العلاج النفسي الأسري، إن السعي وراء الترند يرتبط بارتفاع إفراز مادة الدوبامين في الدماغ، وهو ما يمنح صناع المحتوى شعورًا مؤقتًا بالسعادة والمتعة، ويدفعهم للاستمرار في البحث عن نفس الإحساس من خلال مزيد من المشاهدات.

إدراك الخطر مع الإحساس بالحصانة

وأوضحت الدكتورة إيمان عبدالله لـ"تليجراف مصر" أن بعض صناع المحتوى قد يدركون وجود مخاطر حقيقية في ما يقدمونه، لكنهم في الوقت نفسه يعتقدون داخليًا أنهم محصنون أو أن الخطر لن يحدث لهم شخصيًا، وهو ما يزيد من اندفاعهم نحو سلوكيات أكثر خطورة.

الدكتورة إيمان عبدالله استشاري العلاج النفسي الأسري 

المقارنة الاجتماعية وضغط المشاهدات

وأضافت أن المقارنة بالآخرين والضغط الاجتماعي للحصول على نسب مشاهدة أعلى يلعبان دورًا كبيرًا في دفع البعض للانجراف، مع شعور متزايد بالحاجة لإثبات الذات عبر التفاعل الرقمي.

تراجع القيمة الذاتية والاستسهال التدريجي

وأشارت إلى أن هذا السلوك قد يرتبط بتراجع الإحساس بالقيمة الذاتية، حيث يبدأ الشخص في التضحية بالسلام النفسي والجسدي تدريجيًا، وصولًا إلى تقليل تقدير المخاطر بشكل خطير.

الخطر كوسيلة للتريند

ولفتت استشارية العلاج النفسي إلى أن بعض صناع المحتوى قد يصلون إلى مرحلة اعتبار المخاطر نفسها وسيلة للحصول على المشاهدات، وهو ما يمثل تحوّلًا خطيرًا في مفهوم المحتوى.

من المغامرة إلى الهلاك

وأكدت أن ما يبدو للبعض على أنه “مغامرة” قد يتحول مع الوقت إلى تهور واستسهال للمخاطر، قد يؤدي إلى إصابات خطيرة أو حتى الوفاة، محذرة من هذا المسار التصاعدي.

رسالة تحذيرية

واختتمت بأن ما يحدث ليس مجرد تدهور عابر، بل نتيجة تفاعل نفسي وسلوكي مع ضغوط المشاهدات، قد يدفع الإنسان إلى المخاطرة بنفسه من أجل الحصول على “لايكات” وانتشار أوسع.

حكم السعي وراء “التريند” بالمحتوى الهابط

ومن جانب آخر، أكد الشيخ أشرف عبدالجواد أحد علماء وزارة الأوقاف أن السعي وراء “الترند” والمشاهدات من خلال تقديم محتوى هابط يتضمن تجاوزات وإسفافًا وإهدارًا للقيم، يُعد أمرًا محرمًا شرعًا بشكل قاطع، مستشهدًا بقول الله تعالى: “ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد”، موضحًا أن الإنسان مُحاسب على كل ما يصدر عنه من قول أو فعل.

المسؤولية الواقعة على صُنّاع المحتوى

وأشار الشيخ عبدالجواد، في تصريحات لـ"تليجراف مصر"، إلى أن كل من يتصدر المشهد، سواء كان إعلاميًا أو صحفيًا أو صانع محتوى، يتحمل مسؤولية كبيرة، لأن له جمهورًا يتأثر بما يقدمه، وبالتالي يُحاسب على ما ينشره من أفكار وسلوكيات.

الشيخ أشرف عبدالجواد أحد علماء وزارة الأوقاف 

الثواب والعقاب على ما يُقدَّم للجمهور

وأوضح أن صانع المحتوى يُثاب إذا قدم ما ينفع الناس وينشر الوعي والخير، مستدلًا بحديث النبي ﷺ: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له”.

كما أكد أنه إذا قدّم محتوى هابطًا أو ما يخالف القيم الدينية والاجتماعية أو يدعو إلى الفساد، فإنه يأثم ويُحاسب على ذلك.

النية لا تُبرر العمل الفاسد

وأشار إلى قاعدة شرعية مهمة، وهي أن النية الصالحة لا تُبرر العمل الفاسد، موضحًا أن بعض صُنّاع المحتوى قد يبررون ما يقدمونه بأنه للترفيه أو إدخال السرور، لكن إذا كان المحتوى يحمل إسفافًا أو تدنيًا في القيم، فإنه يظل عملًا محرمًا.

ضوابط الحرية الشخصية

وأكد أن الحرية الشخصية يجب أن تكون منضبطة بأحكام الشريعة الإسلامية، فإذا تعارضت مع الثوابت الدينية فلا يُعتد بها، مستشهدًا بقول الله تعالى: “وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم”، وكذلك قوله: “إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا”.

تأثير القدوة وتحمل نتائجها

وأوضح أن الإنسان يُحاسب على تأثيره في غيره، مستدلًا بحديث النبي ﷺ: “من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة”.

الرقابة الإلهية ومحاسبة الإنسان

وأشار إلى أن الله سبحانه وتعالى يراقب أفعال العباد، مستشهدًا بقوله تعالى: “إن الله كان عليكم رقيبًا”.

التذكير بيوم القيامة والحساب

وأكد أن كل إنسان سيُحاسب على ما قدم، مستشهدًا بعدد من الآيات، منها: “ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئًا”، “اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون”، “إذا زلزلت الأرض زلزالها… يومئذٍ تحدث أخبارها”، موضحًا أن الأرض ستشهد على أفعال الإنسان.

التحذير من الانسياق وراء الشيطان

وأشار إلى أن الشيطان يتبرأ من الإنسان يوم القيامة رغم أنه كان سببًا في إضلاله.

رسالة أخيرة لصُنّاع المحتوى

واختتم بالتأكيد على ضرورة أن يتقي صناع المحتوى الله في كل ما يقدمونه، وألا ينجرفوا وراء الشهرة الزائفة أو المكاسب المادية، خاصة إذا كانت من طريق غير سوي، داعيًا إلى تقديم محتوى نافع يُسهم في إصلاح المجتمع، ويكون سببًا في النجاة يوم القيامة.

وفي سياق متصل، قالت المحامية سمر جمال، إن نشر الأخبار الكاذبة لا يُعد جريمة في كل الأحوال، وإنما يتوقف ذلك على مجموعة من المعايير القانونية الواضحة، التي يُبنى عليها تحديد المسؤولية الجنائية.

متى يتحول إلى جريمة؟

أوضحت أن نشر الخبر الكاذب يصبح جريمة إذا توافر القصد والتعمد، بمعنى أن يكون الناشر على علم بعدم صحة الخبر، ورغم ذلك يتعمد نشره بهدف التضليل أو الإضرار بالغير.

المحامية سمر جمال 

كما أشارت  إلى أن الأمر يزداد خطورة إذا تضمن النشر إساءة أو تشهيرًا بشخص أو جهة، مما يؤدي إلى الإضرار بسمعتهم، وهو ما يندرج تحت جرائم السب والقذف.

وأكدت أن نشر الشائعات التي تثير الذعر بين المواطنين، مثل الأخبار غير الصحيحة عن كوارث أو أحداث أمنية، يُعد تهديدًا للأمن العام، ويُعاقب عليه القانون.

وأضافت أن الأخبار المضللة التي تمس المصلحة العامة، خاصة في المجالات الاقتصادية أو السياسية، قد يكون لها تأثير مباشر على استقرار الدولة، وهو ما يجعلها جريمة تستوجب العقاب.

طبيعة العقوبة

وأوضحت المحامية أن العقوبة تختلف بحسب خطورة الفعل، وقد تتراوح بين الغرامة والحبس، وفقًا لما يترتب على النشر من أضرار.

كما بيّنت أن الواقعة قد تُصنّف كجنحة إساءة استخدام وسائل الاتصال، وقد ترتبط أيضًا بجنحتي التشهير والإضرار بالسمعة، خاصة إذا تم ذكر اسم شخص أو مؤسسة بشكل صريح.

إثبات القصد الجنائي

وأكدت سمر  أن القصد الجنائي يُعد عنصرًا أساسيًا في هذه الجرائم، ويثبت عندما يتعمد الشخص نشر محتوى كاذب وهو يعلم بعدم صحته، أو عندما يقصد الإضرار بسمعة الغير، سواء كان فردًا أو مؤسسة أو حتى دولة، كما أوضحت  أن النشر لا يُعد جريمة في بعض الحالات، مثل وقوع الخطأ دون قصد مع المبادرة بتصحيحه، أو إذا كان المحتوى مجرد رأي أو تحليل وليس ادعاءً لوقائع مؤكدة، أو في حال عدم ترتب أي ضرر فعلي على النشر.

نصائح القانونية المهمة التي يجب على المواطنين الالتزام بها 

وأضافت المحامية سمر نديم أن هناك مجموعة من النصائح القانونية المهمة التي يجب على المواطنين الالتزام بها لتجنب الوقوع تحت طائلة القانون، خاصة فيما يتعلق بنشر المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومن أبرزها:

التحقق قبل النشر

شددت على ضرورة عدم مشاركة أي خبر قبل التأكد من صحته، من خلال مراجعة مصدره والتأكد من موثوقيته، ومعرفة ما إذا كان منشورًا عبر أكثر من جهة معروفة، بالإضافة إلى البحث عن أدلة واضحة تدعمه، وليس مجرد شائعات.

تجنب النشر بدافع العاطفة

أوضحت أن كثيرًا من الأخبار الكاذبة تنتشر بسبب إثارتها للغضب أو الفضول، لذلك يجب التوقف لحظة والتساؤل: هل يتم نشر هذا الخبر لأنه صحيح أم فقط لأنه مثير؟

احترام خصوصية الآخرين

أكدت المحامية سمر نديم على أهمية عدم تداول معلومات شخصية أو توجيه اتهامات دون دليل، لما قد يسببه ذلك من أضرار حقيقية للأفراد، كما نصحت بضرورة اكتساب أساسيات التحقق، مثل البحث العكسي عن الصور، والتأكد من تاريخ الخبر، وقراءة المحتوى كاملًا بدلًا من الاكتفاء بالعنوان.

عدم المساهمة في نشر الشائعات

ولفتت إلى أن إعادة نشر الأخبار الكاذبة، حتى دون كتابتها، يجعل الشخص شريكًا في نشر الضرر.

تصحيح المعلومات الخاطئة بهدوء

ودعت إلى تنبيه الآخرين عند نشر معلومات غير صحيحة، ولكن بأسلوب هادئ وبعيد عن الهجوم، مع تقديم المصادر الموثوقة، كما شجعت على ترسيخ ثقافة التحقق والصدق بين الأفراد، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي.

اختتمت بالتأكيد على أن نشر الأخبار الكاذبة قد يؤدي إلى تشويه سمعة الأبرياء، والتعرض لمساءلة قانونية، فضلًا عن فقدان ثقة الآخرين.

اقرأ أيضًا:

دفاع المتهم في واقعة كوبري أكتوبر: لا يتذكر شيئًا والسيارة مستأجرة

search