الإثنين، 06 أبريل 2026

11:56 م

"مغلق حتى إشعار آخر" ورسائل في زجاجة محطمة.. حكايات البحارة العالقين في مضيق هرمز

سفن عالقة جانب مضيق هرمز

سفن عالقة جانب مضيق هرمز

"مغلق المضيق حتى إشعار آخر"… لم تكن هذه مجرد كلمات عابرة على شاشة هاتف، بل كانت بمنزلة نداء استغاثة أخير أرسله الربان السوري "عبد الحليم" لصديقه، قبل أن تبتلعه وحشة الانقطاع التام للاتصالات داخل مياه مضيق هرمز.

على بُعد أميال من اليابسة، حيث تتلاطم أمواج القلق مع رياح السياسة، كانت سفينته تلقي مخطافها قبالة سواحل "خورفكان"، محملة بسماد اليوريا، وتنتظر تصريحًا بالعبور إلى الموانئ الإيرانية.

هناك، حيث يتحول البحر إلى رقعة شطرنج ملتهبة، يصبح مصير البشر معلقًا بقرار سياسي أو صاروخ طائش.

سفن عالقة جانب مضيق هرمز 

رسائل في زجاجة محطمة

بصوت يملؤه الترقب، يروي الربان خالد الحمود، صديق عبد الحليم، تفاصيل تلك اللحظات القاسية، مشيرًا إلى أن آخر تواصل بينهما كان قبل عشرة أيام، حين أخبره صديقه بإغلاق المضيق وانتظار موافقة الحرس الثوري الإيراني.

ويضيف لـ"تليجراف مصر": "بعدها انقطع الإنترنت وانتهى الاتصال… وإلى الآن لا نعرف هل عبروا بسلام، أم ما زالوا عالقين في قلب الخطر؟".

هذا القلق المكتوم لا يخص كابينة قيادة واحدة، فالتوتر في مضيق هرمز لم يعد مجرد نشرة أخبار مسائية، بل واقع يفرض سطوته على آلاف البحارة الذين يخوضون غمار هذا الممر المائي الحيوي، حيث تُحبس الأنفاس مع كل ميل بحري تقطعه السفن.

مضيق هرمز 

بورصة الأرواح.. حين يعادل الخطر ثلاثة أضعاف الراتب

تحت وطأة هذا التهديد، تغيرت قواعد اللعبة البحرية تمامًا، يصف الربان المصري أحمد الناجي، البالغ من العمر واحد وثلاثين عامًا والمسؤول عن خط سير الرحلات البحرية، الوضع الراهن بأنه "ملاحة على حد السيف".

يؤكد الناجي أن العمل في المضيق بات محفوفًا بحذر شديد وسط تبادل الضربات الصاروخية، حيث تُجبر السفن على الإفصاح عن هويتها وحمولتها ومسارها بدقة متناهية لتجنب أي اشتباه مميت.

وفي لغة الأرقام التي تترجم حجم الرعب، يشير الناجي إلى أن الرحلات لم تتوقف كليًا، لكن "بورصة الأرواح" ارتفعت إذ قفزت رواتب البحارة تعويضًا عن المخاطر المحدقة، لتصعد من متوسط ستمائة أو سبعمائة دولار، لتلامس سقف الألف والثمانمائة دولار للرحلة الواحدة، في حين تتحمل الشركات أعباءً مضاعفة لتأمين بضائعها ورجالها.

مرافئ الانتظار الجبري

على الجانب اللوجستي تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، حيث تؤكد مسؤولة العمليات في شركة "هاباج لويد" لسفن الحاويات، مروة السلحدار، أن مياه الخليج تعج حاليًا بالسفن التجارية القابعة في مناطق المخطاف، تنتظر إشارة خضراء تضمن عبورًا آمنًا.

وتوضح أن سلامة الأطقم البشرية تتصدر الأولويات، مما دفع شركات الملاحة إلى إصدار أوامر صارمة بإيقاف السفن في مناطق آمنة تابعة للموانئ المستهدفة.

هذا الشلل المؤقت خلق أزمة خانقة في شرايين التجارة، ودفع بعض الشركات إلى اللجوء للشحن البري عبر سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية لتقليل الخسائر، وباتت موانئ مثل "خورفكان" في الشارقة و"صلالة" في عمان نقاط ارتكاز استراتيجية لتفريغ الحمولات هربًا من فخ المضيق المغلق.

مسؤولة العمليات في شركة "هاباج لويد" لسفن الحاويات، مروة السلحدار 

الفخ الجغرافي وحرب الأعلام

يرى وكيل المخابرات العامة المصرية سابقًا، محمد رشاد، أن الأزمة لا تضرب الجميع بسيف واحد، فالعبور مستمر نسبيًا، باستثناء السفن ذات الارتباط بالولايات المتحدة أو إسرائيل. 

ويؤكد رشاد عدم وجود سفن مصرية عالقة، مبررًا ذلك بأن الاستثمارات المصرية لا تتركز في ناقلات النفط العملاقة التي تتصدر مشهد العبور في هرمز، بل تعتمد حركة التجارة المصرية هناك على سفن نقل الأسمدة والمنتجات الأزوتية.

 وكيل المخابرات العامة المصرية سابقاً، محمد رشاد

يتفق معه مدير العمليات البحرية بإحدى كبريات الخطوط الملاحية، معتز الديب، موضحًا أن الأزمة الحالية هي "أزمة طاقة" وليست أزمة بضائع عامة، فالصين على سبيل المثال تعبر سفنها بانسيابية بفضل علاقاتها بإيران.

ويشير الديب إلى أن الخطر يرتبط بـ"علم السفينة" وجنسيتها لا بملكية شحنتها، وهنا تبرز كارثة اقتصادية خفية؛ فقد قفزت تكلفة التأمين على الرحلة الواحدة لتصل إلى نحو مليوني دولار، وهو رقم فلكي يرفع قيمة "النولون" البحري ويثقل كاهل المستوردين.

ورغم أن مصر لا تمتلك سوى سفينتين تقريبًا لنقل البترول وتعتمد على الخطوط الدولية، إلا أن الأزمة تطولها بشكل غير مباشر عبر تأخر شحنات الزيت الخام المتجهة لمصافي التكرير المصرية، مما يجبرها على السحب من احتياطيها الاستراتيجي.

مدير العمليات البحرية بإحدى كبريات الخطوط الملاحية، معتز الديب

أرواح معلقة في ألفي سفينة

تتسع دائرة المعاناة لتشمل آلاف البحارة الذين تحولوا إلى رهائن لظروف لا ناقة لهم فيها ولا جمل، يكشف خبير النقل الدولي عمرو قطايا عن رقم صادم؛ فهناك نحو ألفي سفينة تأثرت بالتوترات الحالية في منطقة الخليج.

البحارة، ومن ضمنهم المصريون، عالقون على متن سفنهم، عاجزون عن العودة إلى أوطانهم حتى بعد انتهاء فترات إجازاتهم المقررة، في ظل غياب أي طرق بحرية بديلة لمضيق هرمز الذي يمثل ممراً إجبارياً للحركة.

خبير النقل الدولي، عمرو قطايا

وفقًا لاتفاقية "MLC 2006" الخاصة بالعمل البحري، فإن احتجاز البحارة على متن السفن لفترات طويلة تتجاوز عقود عملهم، أو هجرهم، انتهاك صارخ للقانون البحري الدولي، وتلزم الاتفاقية الملاك بضمان عودة البحارة إلى ديارهم، وتعتبر بقاءهم دون أجر أو إمدادات "هجراً" يستوجب تدخل السلطات، ويضع السفينة وطاقمها تحت طائلة المسؤولية القانونية في الموانئ التي يرسون بها.

فاتورة الرعب.. كيف يدفع المستهلك الثمن؟

لا تبقى ارتدادات هذا الزلزال حبيسة البحر، فيوضح الخبير الاقتصادي علي الإدريسي أن استمرار المرور الجزئي أنقذ العالم من "صدمة قلبية" في الأسواق، إلا أنه استقرار هش ومكلف.

هذه البيئة عالية المخاطر تفرض ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر" على أقساط التأمين، فضلاً عن تكاليف التشغيل الإضافية الناتجة عن تغيير المسارات أو تقليل السرعات.

الخبير الاقتصادي علي الإدريسي

ويحذر الإدريسي من أن هذه الفاتورة المليارية لا تتحملها شركات الشحن وحدها، بل تتسرب تدريجيًا لتستقر في أسعار السلع النهائية، فالدول المستوردة للطاقة والسلع، كمصر، ستجد نفسها أمام ضغوط تضخمية مستوردة، سواء في أسعار الوقود المباشرة أو في تكلفة النقل الداخلي للسلع، مما يدق ناقوس الخطر بضرورة تحصين الاحتياطي الاستراتيجي قبل أن تمتد نيران المضيق إلى جيوب المستهلكين.

اقرأ أيضا:

"هرمز للأصدقاء فقط".. هل تتجه مصر دبلوماسيًا نحو طهران لتمرير سفنها بأمان؟

خارطة العبور الآمن، دول منحتها إيران "مفتاح" مضيق هرمز وأخرى ممنوعة

search