بين العنف والانتحار.. ما الذي ننتظره؟
ليست المشكلة أن فتاة أنهت حياتها… المشكلة أننا بدأنا نتعامل مع الخبر كأنه عادي، ففي كل مرة نقرأ خبراً عن فتاة أنهت حياتها، أو سيدة لم تجد مخرجاً من دائرة ضيقة تطبق عليها يوماً بعد يوم، نتعامل مع الأمر باعتباره "حادثة فردية"، ونمضي؛ كأن ما حدث لا يخصنا، أو كأن تكراره لا يحمل دلالة.
لكن الحقيقة التي لم يعد ممكناً تجاهلها، أن هذه الحوادث لم تعد فردية، بل صارت تعبيراً عن واقع ضاغط، يتكرر بصور مختلفة، وينتهي دائماً بنفس الصمت الثقيل.
خلال السنوات الأخيرة تم تسجيل مئات حالات الانتحار، مع حضور ملحوظ للنساء بين هذه الحالات، في ظل ضغوط اجتماعية ونفسية واقتصادية متراكمة؛ فالأرقام الكاملة لا تُعلن دائماً، لكن ما يُعرف منها يكفي لطرح سؤال واضح: لماذا يصل إنسان إلى هذه اللحظة دون أن يجد يداً تمتد إليه؟
الإجابة لا تبدأ من لحظة الانتحار، بل من سياق أوسع، تتداخل فيه الضغوط، ويغيب فيه أحياناً الإطار الحامي، فالمرأة في قلب هذا السياق، لا لأنها ضعيفة بطبيعتها، بل لأنها تتحمل عبئاً مضاعفاً في بيئة لا تزال، رغم كل التقدم، تعاني من اختلالات واضحة.
فعلي سبيل المثال؛ تشير نتائج مسح الأسرة المصري إلى أن نحو 31% من النساء المتزوجات أو المطلقات في الفئة العمرية من 15 إلى 49 عاماً تعرضن لأحد أشكال العنف خلال حياتهن، سواء كان نفسياً أو جسدياً أو كليهما معاً. هذه النسبة لا تعكس مجرد أرقام، بل تكشف عن واقع ممتد داخل البيوت، حيث يحدث العنف غالباً بعيداً عن الأعين، وبعيداً عن المساءلة.
الأكثر دلالة، أن أقل من 1% فقط من الناجيات من العنف الأسري يتقدمن ببلاغات رسمية، وهو رقم لا يشير فقط إلى ضعف الإقدام على الإبلاغ، بل إلى فجوة أعمق تتعلق بالثقة، والخوف، والوصمة الاجتماعية. الصمت هنا ليس اختياراً… بل نتيجة.
وحين ننظر إلى الصورة من زاوية أخرى، نجد أن العنف ليس فقط مأساة إنسانية، بل أيضاً عبء اقتصادي ثقيل، فالتقديرات تشير إلى أن التكلفة المباشرة وغير المباشرة للعنف ضد المرأة في مصر تصل إلى ما لا يقل عن 2.17 مليار جنيه سنوياً، وقد ترتفع إلى أكثر من 6 مليارات جنيه إذا تم احتساب الحجم الحقيقي للحالات غير المبلغ عنها؛ هذا رقم لا يمكن تجاهله في أي نقاش جاد حول التنمية.
ورغم هذا كله، لا يزال الإطار التشريعي يعاني من التشتت، حيث لا يوجد حتى الآن قانون موحد وشامل لمناهضة العنف ضد المرأة، بل نصوص متفرقة لا توفر دائماً الحماية الكافية، ولا تعكس حجم الظاهرة وتعقيدها، فالنتيجة ليست فقط قصوراً قانونياً، بل شعوراً عاماً بعدم الحماية.
الأمر نفسه ينطبق على قانون الأحوال الشخصية، الذي ينظم أدق تفاصيل الحياة الأسرية، فتأخر هذا القانون لا يعني فقط استمرار الجدل، بل يعني استمرار حالات من عدم التوازن داخل الأسرة، قد تتحول مع الوقت إلى نزاعات، ثم إلى عنف، ثم إلى نتائج أكثر قسوة.
المفارقة أن الدولة المصرية لم تتأخر في إدراك حجم التحدي، فالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان وضعت بوضوح مسألة حماية المرأة ومناهضة العنف ضمن أولوياتها، واعتبرت إصدار قانون شامل في هذا المجال هدفاً أساسياً. كما أن التوصيات التي قدمت لمصر عن طريق آلية الاستعراض الدوري الشامل، شددت على ضرورة تطوير الإطار التشريعي بما يحقق حماية فعالة للنساء.
ولعل الأهم من ذلك، أن القيادة السياسية نفسها كانت دائماً سباقة في هذا الملف، حيث أكد رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة على ضرورة تسريع وتيرة إصدار التشريعات المتعلقة بالمرأة والأسرة، إدراكاً منه أن الاستقرار المجتمعي يبدأ من استقرار الأسرة، وأن الحماية القانونية ليست ترفاً، بل أساساً من أسس العدالة.
نحن إذن لا نبدأ من نقطة خلاف، بل من مساحة اتفاق؛ فهناك وعي بالمشكلة، وإدراك لحجمها، وتوجيه واضح نحو الحل. ما ينقصنا فقط هو أن تتحول هذه الرؤية إلى نصوص واضحة، قابلة للتطبيق، تمنح الأمان لمن يحتاجه، وتضع حدوداً لمن يتجاوز.
المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء، حين تتحول القضايا الكبرى إلى نقاشات مؤجلة، كل حالة عنف لا تجد ردعاً، وكل إنسان يصل إلى حافة اليأس دون دعم، هي إشارة يجب أن نتوقف عندها، فالقانون هنا ليس مجرد تنظيم للعلاقات، بل محاولة لإعادة التوازن، ومنع الانزلاق، وفتح نافذة أمل قبل أن تُغلق الأبواب.
قانون الأحوال الشخصية، وقانون موحد لمناهضة العنف ضد المرأة، لم يعودا مطالب نخب أو موضوعات للنقاش الأكاديمي، بل أصبحا ضرورة مجتمعية، تمس الحياة اليومية للناس، وتحدد شكل المستقبل.
لأن السؤال لم يعد كم حالة نحتاج لنفهم…
بل كم حالة يمكن أن نتجنبها لو تحركنا في الوقت المناسب.
الأكثر قراءة
-
بعد وفاة 7 أشخاص، شهود عيان يكشفون تفاصيل اللحظات المرعبة في حريق مصنع الزاوية الحمراء
-
تحول ملحوظ في النظرة المستقبلية لأداء الاقتصاد المصري.. ماذا يتوقع صندوق النقد؟
-
بسعر 2500 جنيه.. "التموين" تُجهز 400 نقطة استلام للقمح
-
مكاسب مزدوجة.. كيف تستفيد مصر من غاز حقل "أفروديت" القبرصي؟
-
للخريجين الجدد.. تفاصيل أحدث وظائف البنك العربي الإفريقي الدولي 2026
-
تصل لـ20 جنيهًا.. تفاصيل رسوم تحويل إنستاباي
-
توقعات النمو تتراجع.. حرب إيران تلقي بظلالها على اقتصادات الشرق الأوسط
-
المركزي: ميزان المدفوعات يحقق 2.1 مليار دولار عجزًا كليًا خلال 6 أشهر
مقالات ذات صلة
واشنطن وطهران.. مفاوضات تحت التهديد في إسلام أباد
12 أبريل 2026 01:38 م
الخليج بعد حرب إيران.. من مظلة الحماية إلى عقيدة الاعتماد على الذات
17 مارس 2026 05:34 م
حقوق الإنسان.. وزارة سقطت سهوًا من التشكيل الجديد!
16 فبراير 2026 10:33 ص
النظام الدولي على المحك: قراءة في انسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية
09 يناير 2026 10:12 ص
أكثر الكلمات انتشاراً