الإثنين، 20 أبريل 2026

03:46 ص

د. شريف عبد الحميد

الإصلاح الإداري في مصر ومشكلة اختيار المديرين

في أحد المستشفيات، كان هناك طبيب يعرفه الجميع، لم يكن الأقدم بين زملائه، لكنه كان الأقدر؛ المرضى يطلبونه بالاسم، وزملاؤه يلجأون إليه حين تتعقد الأمور، واسمه يتردد بوصفه رجلاً يعرف ما يفعل، وبعد سنوات من هذا النجاح، صدر القرار الذي بدا منطقياً في ظاهره؛ ترقيته مديراً للمستشفى، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد يدخل غرفة العمليات كما كان، ولم يعد يقف طويلاً أمام مريض، بل صار يومه يبدأ بالأوراق وينتهي بالاجتماعات، فقد ربحنا مديراً، وخسرنا طبيباً. 

هذه ليست حكاية فردية، بل صورة تتكرر في أماكن كثيرة، وبالمنطق نفسه، مدرس متميز يعرف كيف يصل إلى طلابه، وكيف يحوّل الحصة إلى لحظة حقيقية من الفهم، ثم يصدر القرار؛ لقد أصبحت مديراً للمدرسة، وبالتالي يبتعد عن الفصل، ويغادر مساحة تأثيره، ويدخل إلى عالم آخر لا يشبه ما أتقنه لسنوات، وهنا لا نخسر مجرد معلم جيد، بل نخسر قيمة كانت في مكانها الصحيح. 

المسألة تبدأ من فكرة تبدو بديهية؛ أن النجاح في المهنة يؤدي تلقائياً إلى الإدارة، وكأن الإدارة هي الخطوة التالية في كل مسار، ولكن هذه الفكرة، على بساطتها، تخفي خلطاً واضحاً بين أمرين مختلفين؛ التميز في أداء العمل، والقدرة على إدارة الآخرين فيه. فليس كل من يجيد العمل يجيد إدارته، وليس كل من نجح في موقعه مؤهلاً لقيادة غيره. 

الإدارة ليست مكافأة، ولا امتداداً طبيعياً للمهنة، بل هي مهنة أخرى مستقلة بذاتها لها أدواتها وطبيعتها، فالطبيب يتعلم كيف يعالج، والمعلم يتعلّم كيف يشرح، أما المدير فيتعامل مع منظومة كاملة من البشر والموارد والقرارات، وهي مهارات لا تأتي تلقائياً مع الخبرة، بل تحتاج إلى إعداد مختلف.

ولهذا لم يعد هذا الطرح محل جدل كبير في الأدبيات الحديثة، فقد نقلت Harvard Business Review عن تحليل أجرته Gallup أن المؤسسات تخطئ في اختيار الشخص المناسب للإدارة في نحو 82% من الحالات، وهو رقم لا يعني فشل المديرين بقدر ما يكشف عن فجوة واضحة بين الكفاءة المهنية والقدرة على القيادة، كما تشير دراسات الإدارة الصحية إلى أن الانتقال من الممارسة إلى الإدارة دون تأهيل كافي يخلق تحديات حقيقية في اتخاذ القرار وإدارة الفرق. 

وفي التعليم، تؤكد تقارير البنك الدولي أن القيادة المدرسية عنصر حاسم في تحسين أداء الطلاب، بل إن أثر الإدارة الجيدة قد يوازي أثر المعلم نفسه حين تحسب التأثيرات المباشرة وغير المباشرة معاً، وهذا ما دفع كثيراً من النظم إلى التعامل مع الإدارة باعتبارها مساراً يحتاج إلى إعداد، لا مجرد نتيجة للأقدمية.
المشكلة في مصر ليست في الأشخاص، بل في الفكرة التي تحكم المسار؛ فنحن ما زلنا نرى الإدارة نهاية طبيعية لأي نجاح أو مكافأة نهاية الخدمة، بينما قد يكون هذا الانتقال سبباً في فقدان الكفاءة في موقعها الأصلي، دون ضمان نجاحها في موقعها الجديد، وهكذا نخسر مرتين: نخسر مهنياً متميزاً، ولا نكسب بالضرورة مديراً ناجحاً.

الإصلاح الإداري الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأسماء أو الهياكل، بل من تغيير هذه الفكرة؛ يبدأ عندما ندرك أن التقدم لا يجب أن يكون له طريق واحد، وأن البقاء في المهنة ليس فشلاً، كما أن الانتقال إلى الإدارة ليس واجباً؛ يبدأ عندما يكون لدينا مسار مهني واضح، ومسار إداري له شروطه وتأهيله.

لأن الحفاظ على الطبيب الجيد في مكانه قد يكون أهم من ترقيته، وبقاء المعلم المؤثر في فصله قد يصنع أثراً لا تعوضه أي إدارة، فالمؤسسات لا تبنى فقط بكفاءة الأفراد، بل بكيفية وضع كل فرد في المكان الذي يناسبه. 
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: من يصلح للإدارة؟ بل متى؟ وكيف؟ وعلى أي أساس؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال، ببساطة، هي النقطة التي يبدأ منها أي إصلاح إداري حقيقي.

search