الخليج بعد حرب إيران.. من مظلة الحماية إلى عقيدة الاعتماد على الذات
في منطقتنا لا تكفي متابعة الحرب من شاشات الأخبار، لأن بعض الحروب لا تُقاس بعدد الصواريخ التي سقطت، بل بعدد الأوهام التي سقطت معها، والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بعد كل هذا الوقت، لم تعد مجرد مواجهة عسكرية مفتوحة، بل تحولت إلى امتحان تاريخي لفكرة الأمن في الخليج كله.
لقد انكشفت حقيقة قاسية، لا تحتمل الزينة اللغوية ولا المجاملة الدبلوماسية؛ انكشفت حقيقة أن الخليج، رغم ثروته، ما زال يعيش بين قوتين لا تنظران إليه إلا باعتباره موقعاً استراتيجياً، وممراً للطاقة، وساحة لتصفية الحسابات؛ فإيران تضرب حين تريد أن تردع، والولايات المتحدة تتحرك حين تريد أن تحمي مصالحها الكبرى، وفي مقدمتها إسرائيل والملاحة الدولية، أما العواصم الخليجية فقد وجدت نفسها، مرة أخرى، في المنطقة الرمادية: ليست خارج النار، وليست داخل قرار الحرب.
هذا ليس انطباعاً أدبياً، ولا انفعالاً سياسياً، ولا مبالغة صحفية، بل إنه وصف مباشر لما جرى؛ فالهجمات امتدت إلى أكثر من ساحة خليجية، وارتبكت الأجواء والممرات والمنشآت، بينما انصب الجهد الأميركي، في صورته الأوضح، على إدارة الحرب مع إيران وحماية مسارات الملاحة، والمعنى هنا لا يحتاج إلى شارح؛ حين تُمس إسرائيل، تتحرك القوة الأميركية بأقصى درجات الوضوح، أما حين يُهدد الخليج، تبدأ الحسابات.
ومن هنا يجب أن يبدأ التفكير الخليجي الجديد، ليس من زاوية: من ربح الجولة؟ فهذا سؤال يليق بالمعلقين على المباريات، ولكن من زاوية: ماذا بعد؟ لأن الدول الجادة لا تسأل فقط عمن أطلق النار، بل عما سيأتي بعد الدخان، ومستقبل هذه الحرب، بعد كل ما جرى، يتجه غالباً إلى واحد من مسارين، وفي كلا المسارين لا يملك الخليج ترف الانتظار.
المسار الأول أن تنجح الحرب في تحقيق هدفها الأكبر؛ وهو إنهاك النظام الإيراني، أو إسقاطه، أو دفعه إلى تفكك عميق يعيد تشكيل طهران من الداخل، وقد يبدو هذا السيناريو لبعض العواصم خبراً مريحاً، لكنه ليس بالضرورة بشارة استقرار. فليس كل سقوط خلاصاً، وليس كل انهيار بداية طيبة، فسقوط نظام كبير في دولة بحجم إيران لا يعني تلقائياً ميلاد نظام معتدل، منضبط، قابل للتفاهم، يفتح صفحة جديدة مع جواره العربي. بل قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية، أو صراع أجنحة، أو صعود قيادة جديدة أشد براغماتية، ولكن أكثر عداء، وقد ينشأ مركز سلطة جديد يرى أن أفضل طريق لاكتساب الشرعية هو تصدير التوتر إلى الخارج.
لقد علمتنا هذه المنطقة أن الأنظمة حين تسقط لا تسقط وحدها، بل تُسقط معها التوازنات وتفتح الأبواب على احتمالات لا يملك أحد مفاتيحها. وقد يأتي بعد النظام الإيراني من هو أقل أيديولوجية، نعم، لكنه أكثر قسوة، وأكثر ميلاً إلى المغامرة، وأكثر استعداداً لاستخدام الخارج وقوداً لتثبيت الداخل. لذلك فإن الرهان الساذج على أن سقوط النظام يعني تلقائياً أمان الخليج، هو رهان يصلح للأمنيات أكثر مما يصلح للسياسة.
أما المسار الثاني، وهو ربما الأقرب حتى الآن، فهو أن تفشل الحرب في إسقاط النظام، وتنجح فقط في تجريحه، وهنا يدخل الخليج في المرحلة الأخطر؛ فإيران مجروحة، لكنها لم تُكسر، مُستنزفة، لكنها لم تسقط، ومحاصرة، لكنها أكثر خشونة، وأكثر رغبة في الانتقام، وأكثر إصراراً على إعادة بناء الردع، وفي هذه الحالة لن تكون المنطقة أمام نظام مهزوم، بل أمام نظام جريح، والفارق كبير بين المهزوم والجريح. فالمهزوم قد يبحث عن تسوية، أما الجريح، خصوصاً إذا كان يحمل ذاكرة ثأر ومشروع نفوذ، فإنه يصبح أكثر توتراً، وأكثر عنفاً، وأكثر استعداداً لتوسيع ساحة الرد.
ومعنى ذلك، ببساطة لا تحتاج إلى بلاغة، فالخليج إذا لم يسقط النظام الإيراني أمامه، فسيتعين عليه أن يتعامل مع نظام سيكون أشرس مما كان، لا أهدأ مما كان، وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل الخليج مستعد في الحالتين؟ إذا سقط النظام، فهل يملك ما يكفي من القوة والخبرة للتعامل مع فراغ خطير أو مع نظام جديد مجهول الطباع؟ وإذا بقي، فهل يملك القدرة على التعايش الندي مع نظام سيخرج من الحرب أكثر خشونة، وأكثر اقتناعاً بأن ضرب الخليج هو أقصر الطرق إلى تعديل موازين الإقليم؟
بين هذين المسارين تتكشف الحقيقة التي لا تحب بعض النخب قولها بصوت عالي؛ فالخليج لا يملك اليوم رفاهية الاستمرار في عقيدة الاتكال الأمني القديمة، ذلك أن المظلة الأميركية، كما أثبتت هذه الحرب، ليست مظلة بالمعنى الرومانسي الذي رُوج له طويلاً، فهي مظلة انتقائية، تُفتح حيث تتقاطع المصلحة الأميركية المباشرة، وتُطوى أو تضيق حين تصبح الكلفة أكبر من العائد.
حين تعرضت إسرائيل لهجمات، كان الدفاع الأميركي مستميتاً، واضحاً، سريعاً، بلا غموض في الأولوية؛ أما حين تلقى الخليج ضربات وتهديدات على أجوائه ومرافئه ومنشآته، فقد بدا المشهد مختلفاً؛ بيانات دعم، وإدارة أزمة، ومطالبات بحماية الملاحة، ولكن ليس ذلك المعنى الكامل لتحالف يجعل الخليج مطمئناً إلى أن أمنه يدار باعتباره أولوية مساوية لأولوية إسرائيل، وهنا تصبح العبارة الشعبية، بكل ما فيها من قسوة، أقرب إلى الوصف السياسي منها إلى المبالغة وهي "اللي متغطي بالأميركان عريان".
ليست هذه جملة انفعالية، ولا شطارة صحفية، ولا رغبة في المزايدة، فهي خلاصة تجربة. فالولايات المتحدة لا تتحرك وفق احتياجات الخليج، بل وفق ترتيب أولوياتها هي؛ وإذا تعارض الأمن الخليجي مع حسابات الانتخابات الأميركية، أو إرهاق الرأي العام، أو أولوية الجبهة الإسرائيلية، أو تكلفة الانخراط المباشر، فسوف يُطلب من الخليج أن يصبر، وأن يدفع، وأن يستضيف، وأن ينتظر.
ولهذا فإن إعادة النظر في التحالفات الخليجية لم تعد رفاهية فكرية، بل أصبحت ضرورة بقاء، والمقصود هنا ليس قطع العلاقة مع واشنطن، فهذا غير واقعي، ولا فتح الأبواب مجاناً لخصومها، فهذا انتحار استراتيجي. فالمطلوب هو شيء أكثر نضجاً؛ الانتقال من التبعية الأمنية إلى الشراكة المشروطة. أي أن يعيد الخليج تعريف علاقته بالولايات المتحدة من موقع المستهلك للحماية إلى موقع الشريك الذي يملك بدائل، ويبني قدرته الذاتية، ويمنع أن يُستخدم أمنه كورقة تفاوض في ملفات الآخرين.
وفي قلب هذا التحول يجب أن يبرز مشروع طال تأجيله وهو "ناتو عربي" حقيقي، لا إعلامي، ليس اسماً للاستهلاك، ولا صورة جماعية لوزراء الدفاع، ولا غرفة بيانات عابرة. فالمطلوب منظومة دفاع عربية خليجية متكاملة تبدأ من توحيد الإنذار المبكر، ودمج الدفاعات الجوية والصاروخية، وتنسيق الاستخبارات، وتأمين البحر الأحمر والخليج العربي، وتمر عبر عقيدة ردع مشتركة، وتنتهي بصناعة عسكرية وبحث علمي قادرين على تحويل المال إلى قوة، لا إلى صفقات سلاح مبعثرة.
لقد أثبتت هذه الحرب أن البنية التحتية للطاقة، والموانئ، والمطارات، والفضاء الجوي الخليجي كله، يمكن أن يتحول في أي مواجهة ممتدة إلى هدف مباشر، وهذا وحده كافي لكي تفهم دول الخليج أن الأمن لا يُشترى بالقطعة، ولا يُدار برد الفعل، ولا يُبنى بالاعتماد على الخارج فقط. لأن الخارج، مهما كان صديقاً، يظل خارجاً، ولأن من لا يملك قرار دفاعه، لا يملك طمأنينته كاملة.
وإذا كان من درس أكبر من هذه الحرب، فهو أن شراء السلاح ليس هو بناء القوة، فالقوة الحقيقية لا تبدأ من عقد الصفقة، بل من العقل الذي يفهم السلاح، ويطوره، ويصونه، ويجعله جزءاً من مشروع سيادي، لا مجرد رقم في ميزانية ضخمة. فالقوة تبدأ من العلم العسكري، من الجامعات، ومراكز الأبحاث، والتقنيات الدفاعية، والذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الاعتراض، والتصنيع المحلي للذخائر والمسيرات والرادارات.
لقد دخلت المنطقة عصراً لم تعد فيه الكثرة العددية وحدها تصنع الردع، فهذا زمن المعرفة، الدولة التي تملك المعرفة تملك القرار، والدولة التي تكتفي بالاستيراد تظل رهينة المورد، وموعد الشحن، والموافقة السياسية من العواصم الكبرى. وقد يكون في المخزن سلاح كثير، لكن القرار الحقيقي في مكان آخر، وهذه هي المأساة الحديثة للدول الثرية إذا لم تُحول المال إلى علم، والعلم إلى صناعة، والصناعة إلى استقلال نسبي في القرار.
إن الخليج، إذا أراد أن يخرج من هذه الحرب أقوى لا أضعف، فعليه أن يتصرف من الآن على أساس أن كل الاحتمالات مفتوحة، فإذا سقط النظام الإيراني، يجب أن يكون مستعداً للتعامل مع فراغ خطير، أو مع نظام جديد قد يسعى إلى تثبيت نفسه بالتشدد والمغامرة. وإذا بقي النظام، فلا بد من الاستعداد لإيران أكثر قسوة، وأكثر اقتناعاً بأن ضرب الخليج هو أسرع الطرق إلى تعديل موازين الإقليم. وفي الحالتين، فإن الأمن الذي لا يُنتج محلياً لن يُضمن خارجياً.
الخلاصة أن لحظة الخليج الحقيقية ليست بعد انتهاء الحرب، بل الآن، في قلبها. الآن يجب أن يُعاد تعريف معنى الأمن، ومعنى الحليف، ومعنى الردع. الآن يجب أن تتقدم فكرة الدفاع العربي المشترك من الخطابة إلى المؤسسة. الآن يجب أن يصبح الاستثمار في العلم العسكري بنداً سيادياً لا هامشياً. لأن الدول التي لا تحمي نفسها بنفسها، تُستعمل خرائطها عند الأزمات، ثم تُترك لتلملم شظاياها وحدها.
هذه الحرب لم تكشف فقط هشاشة إيران، ولا شراسة إسرائيل، ولا حدود القوة الأميركية. لقد كشفت، قبل ذلك وبعده، أن الخليج، إن لم يصنع لنفسه مظلته، فسيبقى واقفاص تحت سماء الآخرين، ينتظر قرار فتحها وإغلاقها.
الأكثر قراءة
-
حذر من "الحلزونية".. خبير يوضح الطريقة الصحيحة لاختيار الرنجة
-
موعد استطلاع هلال العيد 2026.. متى تعلن دار الإفتاء أول أيام عيد الفطر؟
-
الخليج بعد حرب إيران.. من مظلة الحماية إلى عقيدة الاعتماد على الذات
-
أسعار كحك الصعيدي 2026.. قائمة كاملة بأسعار الكحك والبسكويت
-
موعد عرض الحلقة الأخيرة من مسلسل المداح أسطورة النهاية
-
أحمد العوضي عن جدل ارتباطه بـ يارا السكري: علي كلاي السبب
-
الرد الذي لم تتوقعه إسرائيل.. "شبح" لاريجاني يغرد بعد دقائق من إعلان مقتله
-
بعد تصاعد وتيرة الأحداث، مشاهدة مسلسل إفراج الحلقة 28
مقالات ذات صلة
حقوق الإنسان.. وزارة سقطت سهوًا من التشكيل الجديد!
16 فبراير 2026 10:33 ص
النظام الدولي على المحك: قراءة في انسحاب أمريكا من 66 منظمة دولية
09 يناير 2026 10:12 ص
فنزويلا اليوم.. إيران غدًا؟
04 يناير 2026 02:19 م
اختطاف مادورو: فصل جديد في زمن جنون ترامب
03 يناير 2026 02:35 م
أكثر الكلمات انتشاراً