جدل التبرع بالأنسجة.. متى يتحقق "المستحيل" بين انتهاك حرمة الموتى وصيانة الحياة؟
أزمة التبرع بالأنسجة بعد الوفاة
"ده تمثيل بالجسد".. بهذه الكلمات الحادة تلخص آمال خليل (67 عامًا)، على المعاش، موقفها الرافض لمقترح التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، فالأمر لا يرتبط من وجهة نظرها بإنقاذ حياة بقدر ما يتصل بصورة ذهنية قاسية عن الجسد بعد الموت.
توضح آمال: “التمثيل يعني أن هناك من يريد الانتقام، فلا يكتفي بالقتل بل يواصل اعتداءه بتشويه الجثة أو قطع أجزاء منها”.
هذه الحساسية تجاه أي تدخل طبي بعد الوفاة، يشاركها فيها يوسف عصام (24 عامًا، مهندس)، الذي يربط الأمر بفكرة "البعث"، متسائلًا: "ليه أتبرع بحاجة وأُبعث مرة ثانية بهيئة ناقصة؟ أنا سأموت بلحمي وعظمي".

بنوك الأنسجة
في المقابل، يبرز صوت أحمد فؤاد (48 عامًا)، صحفي، الذي يرى في التبرع تطبيقًا لقوله تعالى "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا"، مؤكدًا أن وجود "بنوك أنسجة منظمة" سيقطع الطريق على عصابات الاتجار بالبشر والخطف، متمنيًا أن يضمن القانون ميزات للمتبرعين وأسرهم في الاستفادة من هذه البنوك مستقبلًا.
الموت حرقًا.. أرقام مرعبة
خلف هذا الجدل المجتمعي، تكمن كارثة طبية صامتة، إذ تشير تقديرات "مؤسسة أهل مصر" إلى تسجيل نحو 100 ألف حالة حروق سنويًا في مصر، معظمها حوادث منزلية، وتصل نسبة الوفيات فيها إلى 30%.

يكشف هذا التحقيق الفجوة الواسعة بين النص التشريعي والواقع المجتمعي في ملف التبرع بالأنسجة (الجلد) بعد الوفاة في مصر، فبينما يفتك الحرق بنحو 100 ألف مصاب سنويًا، يصطدم المسار الطبي بجدار من الموروثات الثقافية، والمخاوف الدينية، وضبابية الخطاب الرسمي الذي غلّب الجانب الاقتصادي على الإنساني، ما جعل "قانون زرع الأعضاء" مجرد حبر على ورق فيما يخص المتوفين.

وكشفت مؤسِسة مستشفى أهل مصر، الدكتورة هبة السويدي، في تصريحات لها أن تكلفة علاج مصاب الحروق الواحد قد تصل إلى 50 ألف جنيه يوميًا، مع احتياج لرعاية مكثفة تمتد لثلاثة أشهر.
وأوضحت أن هناك حالات تعالج حاليًا بـ"جلد مستورد"، لكن نطمح لإنشاء "بنك أنسجة محلي" يعتمد على التبرع الطوعي لتقليل هذه الأعباء وإنقاذ الأرواح.

طبيب جراحة التجميل، الدكتور ضياء الديك، يؤكد أن التبرع بالأنسجة يمثل "فرصة حقيقية للحياة"، خاصة لمرضى الحروق الشديدة الذين يواجهون خطر النزيف وفقدان السوائل، مشددًا على أن التعامل مع الجثمان يتم وفق أسس طبية دقيقة بعيدًا عن "التشويه"، وأن هذه الأنسجة ستتحلل في كل الأحوال، فلماذا لا تنقذ إنسانا آخر؟
متاهة الفتاوى.. هل الجسد "ملكية خاصة"؟
يعد الجانب الديني المحرك الأساسي لرفض أو قبول الفكرة، وفي هذا الإطار يطرح موظف بالمعاش يُدعى عامر محمد (75 عامًا)، تساؤلًا فلسفيًا: "كيف أتبرع بشيء ليس ملكي؟ جسدي ملك للخالق".
يوافقه الرأي عاطف أحمد (39 عامًا)، مدير شركة مقاولات، مؤكدًا أن "أنا من أبناء الصعيد والتشريح أو المساس بالجسد مرفوض تمامًا في بيئتنا إلا للضرورة"، بينما تذهب نسرين محروس (47 عامًا) إلى أبعد من ذلك، معتقدة أن "المتوفى يشعر بكل شيء أثناء الغسل، فكيف نشرح جثته؟".

هذا الانقسام على المستوى الجماهيري يجد صدى في الأروقة الدينية؛ فبينما تؤكد دار الإفتاء أن التبرع صدقة جارية جائزة شرعًا، ويرى المتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية القمص موسى إبراهيم أنه "عمل يتوافق مع وصايا البذل والعطاء"، يبرز رأي معارض من داخل الأزهر، إذ يؤكد أستاذ الفقه المقارن، الدكتور أحمد كريمة، أن المسألة محل خلاف لكونها قضية مستحدثة، ويميل شخصيًا للرأي "المانع" استنادًا لحرمة الجسد.

القانون المعطل
رغم وجود القانون رقم 5 لسنة 2010 الذي ينظم زرع الأعضاء والأنسجة البشرية، فإن الواقع يظهر شللًا تامًا في بند "المتوفين".
ويؤكد المتحدث باسم وزارة الصحة، الدكتور حسام عبدالغفار، أنه لا يوجد حتى الآن "متبرع واحد" بالأعضاء من المتوفين في مصر، رغم نجاح منظومة التبرع من الأحياء.

عالميًا، تتصدر إسبانيا قائمة الدول التي تبيح التبرع بالأنسجة على مدار 34 عامًا متتالية بمتوسط 5 متبرعين من كل مليون شخص، فما الذي ينقص مصر؟
يرى عضو لجنة الصحة بمجلس الشيوخ، الدكتور محمد البدري، أن الإطار التشريعي متكامل ولا يحتاج لتعديل، بل المشكلة في "إقناع الناس"، متسائلًا: "البنك سيمتلئ منين لو مفيش متبرعين؟".

أما عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، الدكتورة إيرين سعيد، فتضع يدها على "خطأ استراتيجي" في طريقة طرح الفكرة؛ حيث اعتبرت أن ربط التبرع بـ"أهداف اقتصادية" كتقليل عبء الموازنة، كان سببًا رئيسًا في نفور المواطنين.
وتؤكد: "لا ينبغي تقديم التبرع كوسيلة لتوفير النفقات، بل كقضية إنسانية"، مشددة على أن البرلمان لا يمكنه "إجبار" المواطنين على التبرع، وأن غياب القناعة المجتمعية يُفقد أي قانون فاعليته.

المدخل الثقافي.. هل من حل؟
على المستوى الاجتماعي، ترى أستاذة علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الدكتورة سوسن فايد، أن الإشكالية تكمن في "المدخل الثقافي"، بالتالي فإن ترسيخ قيمة التبرع هذه يحتاج لجهد إعلامي وديني مبسط لإعادة تشكيل الوعي العام بعيدًا عن مفاهيم "التشويه".

وبينما ينتظر العلم "بنك جلد" ينقذ آلاف الأطفال والكبار، تظل أصوات الشباب منقسمة فبينما تقول ملك إيهاب (18 عامًا) التي تنوي كتابة وصية للتبرع بأعضائها: "كدا كدا الواحد مات.. ليه ما أفيدش غيري؟"، فإن يوسف كمال (21 عامًا) يقف على النقيض ويخشى على مشاعر أهله: "أنا ميت، لكن أهلي هم اللي مش هيستحملوا".
وفي النهاية، يبقى ملف التبرع بالأنسجة في مصر عالقًا بين نصوص قانونية "جامدة"، ومخاوف شعبية "مشروعة"، وحاجة طبية "ملحة"، في انتظار خطاب رسمي وإعلامي يغلِّب الإنسان على الأرقام.

اقرأ أيضًا:
جدل التبرع بالجلد يتجدد.. حرمة الجسد في مواجهة إنقاذ حياة المرضى
هبة السويدي: التبرع بالجلد "الحل الفوري الوحيد" لإنقاذ مرضى الحروق
هبة السويدي: 50 ألف جنيه يوميًا تكلفة علاج حالة مصابة بحروق، وعناية لـ3 أشهر
الأكثر قراءة
-
علشان "لقمة عيش" حلال.. حكايات "تبكي الحجر" لضحايا حريق مخزن الزاوية الحمراء (خاص)
-
استقرار تحت الضغط.. ماذا يعني تثبيت التصنيف الائتماني لمصر في هذا التوقيت؟
-
الدولار يواصل الهبوط.. الأخضر دون الـ52 جنيهًا بداية تعاملات الأربعاء
-
سكن لكل المصريين 9.. صندوق الإسكان يكشف حقيقة الطرح والتفاصيل
-
وزير المالية: التسهيلات الضريبية أدت لأداء قوى في الإيرادات
-
ليس كل الأطفال أبرياء.. "سالب 18"وثائقي يتناول جرائم القُصّر تحت راية القانون
-
كيف نجحت مصر في خفض الدين الخارجي رغم أزمات الأسواق الناشئة؟.. وزير المالية يجيب
-
ارتفاع أسعار الفضة في مصر اليوم.. الأونصة تقترب من 4 آلاف جنيه
أخبار ذات صلة
علشان "لقمة عيش" حلال.. حكايات "تبكي الحجر" لضحايا حريق مخزن الزاوية الحمراء (خاص)
15 أبريل 2026 03:57 م
رئيس جامعة المنصورة الأهلية: نسعى لتحويل الخريجين إلى قيمة مضافة للدولة (حوار)
15 أبريل 2026 03:27 م
البرلمان يفتح ملف "الإيجابي الزائف" في تحاليل المخدرات.. هل تظلم أدوية البرد الموظفين؟
13 أبريل 2026 03:53 م
من "بوسطة عين الرمانة" إلى صواريخ 2026.. كيف تشكلت ملامح الصراع في لبنان؟
13 أبريل 2026 08:22 م
أكثر الكلمات انتشاراً