الأربعاء، 22 أبريل 2026

01:07 ص

بسبب عقد زواج.. كيف قلمت “النقض” أظافر “البهائية” في مصر؟

البهائية....تعبيرية

البهائية....تعبيرية

شهدت الساحة القضائية مؤخرًا، فصلًا جديدًا وحاسمًا في ملف التعامل القانوني مع معتنقي الديانة البهائية، حيث أصدرت محكمة النقض حكمًا قضائيًا تاريخيًا يقضي بإلغاء حكم سابق كانت قد أصدرته محكمة الأسرة بإثبات عقد زواج مؤرخ بين زوجين بهائيين.

هذا الحكم لم يكن مجرد إجراء إداري، بل جاء ليرسخ مبادئ قانونية تتعلق بالهوية، والنظام العام، والحدود الفاصلة بين حرية العقيدة الشخصية والاعتراف الرسمي للدولة بالآثار القانونية المترتبة على تلك العقيدة.

تطور النزاع القضائي ومسار القضية في المحاكم

بدأت وقائع هذه القضية في عام 2020، حينما قررت سيدة بهائية اللجوء إلى القضاء لإضفاء الصبغة الرسمية على زواجها، فأقامت دعوى قضائية أمام محكمة مصر الجديدة لشؤون الأسرة استنادًا إلى عقد زواج عرفي مؤرخ في عام 1981، وهو العقد الذي دُون فيه صراحة اعتناقهما للديانة البهائية.

واختصمت السيدة كل من وزيري الداخلية والعدل بصفتهما المسؤولين عن توثيق الأوراق الرسمية، مطالبة بالحكم بإثبات هذا الزواج والاعتداد به والعمل بموجبه قانونًا.

وفي المرحلة الأولى، استجابت محكمة الأسرة لطلب السيدة وقضت بإثبات الزواج، وهو ما دفع المسؤولين الحكوميين (وزيرا الداخلية والعدل ورئيس مصلحة الأحوال المدنية) للتحرك الفوري بالاستئناف على هذا الحكم.

ورغم أن محكمة الاستئناف قضت في البداية بسقوط الحق في الاستئناف لتقديمه بعد المواعيد القانونية، فإن المسؤولين لم يتوقفوا ولجأوا إلى محكمة النقض، وهي أعلى سلطة قضائية، للطعن في الحكم، وسط مذكرة من النيابة العامة أبدت فيها رأيًا بعدم قبول الطعن، لكن محكمة النقض كان لها كلمة الفصل.

الفلسفة القانونية والنظام العام

استندت محكمة النقض في إلغاء حكم إثبات الزواج إلى فلسفة قانونية تفرق بوضوح بين "حرية العقيدة" وبين "الاعتراف القانوني".

وذكرت المحكمة في حيثياتها، أن الدستور المصري وإن كفل للفرد حرية اعتناق ما يشاء من أصول العقائد، إلا أن ممارسة هذه الحرية مشروطة بعدم المساس بالنظام العام للدولة واستقرارها.

وأوضحت المحكمة أن الديانة البهائية تخرج عن نطاق الأديان السماوية الثلاثة المعترف بها رسميًا في الدولة (الإسلام، المسيحية، اليهودية).، وبناءً عليه، اعتبرت المحكمة أن إثبات مثل هذا الزواج في الأوراق الرسمية التي تصدرها الدولة ينطوي على مساس بالنظم المستقرة، وبالتالي لا يجوز قيد "البهائية" في مستندات الأحوال المدنية أو أي مستندات رسمية أخرى تتضمن خانة الديانة، لأن ذلك يصطدم مباشرة بالنظام العام.

449
449

الأبعاد القانونية والدينية للوجود البهائي في مصر

وقال المحامي بالنقض أيمن محفوظ، إن الأنشطة البهائية محظورة في مصر بقرار جمهوري منذ عام 1960 (القانون رقم 263)، ومن الناحية الدينية، يتبنى الأزهر الشريف موقفًا حاسمًا يعتبر فيه البهائية فرقة مارقة خارجة عن ملة الإسلام وليست ديانة سماوية مستقلة، مما يجعل ممارساتهم غير معترف بها رسميًا.

وأضاف محفوظ في تصريحات لـ“تليجرف مصر” أن الدولة ترفض كتابة "بهائي" في خانة الديانة بالبطاقة الشخصية، ويتم الاستعاضة عنها بوضع "علامة شرطة" (-)، ويرى الكثيرون أن ادعاءات البهائية بوجود رسالة بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم تمثل تهديدًا مباشرًا للهوية الدينية الإسلامية للدولة.

القلق من الأجندات الخارجية والأمن القومي

وفي قراءة للأبعاد الأمنية والاجتماعية لهذا الحكم، صرح المحامي أيمن محفوظ، بأن قرار محكمة النقض يفتح ملف خطورة البهائيين على الهوية المصرية بشكل مباشر، لافتا إلى وجود علامات استفهام كبرى حول ارتباط البهائيين بالمركز البهائي العالمي الموجود في مدينة "حيفا" الواقعة تحت السيادة الإسرائيلية حاليًا.

رغم أن البهائيين يبررون وجود مركزهم هناك بنفي مؤسسهم إلى تلك المنطقة قبل قيام دولة إسرائيل، فإن محفوظ، أكد أن هذا الأمر يظل مثار شبهة واضحة، وحذر من أن مطالبات البهائيين بحقوق مدنية قد تخفي وراءها أغراضًا تهدف إلى تقسيم المجتمع أو المطالبة بـ"حكم ذاتي" تحت غطاء الحقوق المشروعة، وهو ما قد يؤدي إلى وضع فئة محظورة قانونًا في موقع يتيح لها فرض شروطها على الدولة.

476
ترى المحامية والحقوقية رحاب التحيوي

لا يتعارض مع حرية العقيدة

من جانبها، ترى المحامية والحقوقية، رحاب التحيوي، أن قرار عدم توثيق عقد زواج لزوجين من أتباع الديانة البهائية، جاء متوازنًا ولا يتعارض مع مبدأ حرية العقيدة كما نص عليه الدستور.

وأوضحت التحيوي في تصريحات لـ“تليجراف مصر”، أن الحكم فرّق بوضوح بين حرية الفرد في اعتناق أي معتقد يختاره، وبين الآثار القانونية التي تترتب على هذا الاعتقاد داخل الدولة.

وأضافت أن الدستور يكفل حرية الإيمان بالأديان السماوية الثلاثة (الإسلام، المسيحية، واليهودية) أو حتى عدم اعتناق أي دين، لكنه لا يُلزم الدولة بالاعتراف رسميًا بمعتقدات خارج هذا الإطار في الوثائق الرسمية.

وتابعت التحيوي أن البهائيين لهم حرية ممارسة معتقداتهم دون تدخل، لكن لا يجوز للدولة توثيق ما يخالف الإطار القانوني المعترف به للأديان السماوية.

اقرأ أيضا:

النقض تلغي حكما قضائيا بإثبات “زواج البهائيين”

search