الجمعة، 05 يونيو 2026

07:03 م

أزهري يوضح رحلة التقويم الهجري من الجاهلية حتى عهد عمر بن الخطاب

التقويم الهجري

التقويم الهجري

أوضح عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، الدكتور علي أحمد رأفت، كيف كان التقويم عند العرب قبل الإسلام، وماذا كانوا يسمون الأشهر وأيام الأسابيع، وكذلك كيفية التأريخ قبل التقويم الهجري، حتى الاستقرار عليه ووضعه في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

من المقرر وفقًا للحسابات الفلكية، أن يبدأ العام الهجري الجديد 1448، يوم الثلاثاء الموافق 16 يونيو 2026 والموافق الأول من المحرم، على أن تستطلع دار الإفتاء هلال الشهر بعد غروب شمس يوم الإثنين 15 يونيو الجاري، من خلال اللجان الشرعية والعلمية المنتشرة في أنحاء الجمهورية.

كيف كان التقويم عند العرب قبل الإسلام؟

قال الدكتور علي أحمد رأفت، إن التقويم في أصل اللغة هو ضبط السنين والشهور والأيام، موضحًا أن الأمم قد عرفت منذ القدم أنظمة متباينة (مختلفة) للتقويم، فكان لكل حضارة حسابها الخاص للزمن.

وأضاف الدكتور رأفت لـ"تليجراف مصر"، أن أساس بناء التقويم هو الزمان؛ والزمان في جوهره مقدار حركة الأفلاك، وهذا المقدار يقسم طبقات متسلسلة، كالآتي:

  • القرون: أوسع وحدات الزمان.
  • السنون: مجامع الأيام.
  • الشهور: أجزاء السنة.
  • الأيام: مقادير الشهور.
  • الساعات: أجزاء اليوم.
  • الدقائق: أجزاء الساعة.
  • الثواني: أدق وحدات القياس الزمني.

وتابع عضو مركز الأزهر، أن العرب في جاهليتهم ابتدعوا تقويمًا قمريًا، يعتمد على سير القمر، فجعلوا السنة اثني عشر شهرًا، وأطلقوا عليها أسماء هي:

  1. صفر أول.
  2. صفر ثانٍ.
  3. ربيع أول.
  4. ربيع ثانٍ.
  5. جُمادى أول.
  6. جُمادى ثانٍ.
  7. رجب.
  8. شعبان.
  9. رمضان.
  10. شوال.
  11. ذو القعدة. 
  12. ذو الحجة.

ثم جاء الإسلام، فأبدل شهر المحرم بصفر أول، وجعل له مكان الصدارة في العام الهجري، بحسب عضو  مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية.

الدكتور علي أحمد رأفت.
الدكتور علي أحمد رأفت

ما أسماء الأشهر ومعانيها؟

وشرح الدكتور علي، الأشهر العربية ومعانيها، بما في ذلك أسباب تسميتها، على النحو التالي:

  • المحرم: سمي بذلك لتحريم القتال فيه.
  • صفر: قيل لخلو الديار ساعة الحرب، وقيل لأسواق الصفرية باليمن.
  • ربيع أول وثان: لوقوعهما في فصل الربيع عند التسمية.
  • جُمادى أول وثان: من تجمد الماء فيهما، أو من الأرض الجامدة التي لم يصبها المطر.
  • رجب: من “رَجَبَ الشيءَ” أي هابه وخافه.
  • شعبان: لتشعب الناس فيه طلبًا للرزق أو للغارات.
  • رمضان: من شدة الرمضاء والحر.
  • شوال: من تشول الإبل بأذنابها، وكانت العرب تتشاءم بالزواج فيه.
  • ذو القعدة: من القعود وترك الأسفار.
  • ذو الحجة: لوقوع الحج فيه.

أسماء أيام الأسبوع في الجاهلية

كما تطرق الدكتور علي إلى أسماء أيام الأسبوع في الجاهلية، لافتًا إلى أن العرب عرفوا أيضًا أيام الأسبوع، وكانت سبعة، وقيل إنهم أخذوها من البابليين، وأسماؤها: "أوَّل – أهون – حُبار – دُبار – مُؤنِس – عُروبة – شُبار).

وأشار الدكتور علي إلى أن البيروني ذكر أن العرب كانوا يقسمون الشهر القمري إلى عشرة أقسام، كل قسم ثلاثة أيام، بحسب ظهور الهلال، وكانت أسماؤها: (الغُرَر – النَّقل – العُشر – البِيض – الدِّرع – الظُّلْم – الحنادس – الدَّادِي - المحاق).

ما الفرق بين السنة القمرية والشمسية 

ذكر عضو مركز الأزهري، أنه من المعروف أن السنة الشمسية تبلغ 365 يومًا وخمس ساعات وثمانٍ وأربعين دقيقة، بينما السنة القمرية لا تتجاوز 354 يومًا وثماني ساعات وأربعين دقيقة، مشيرًا إلى أنه لإزالة الكسور في السنة الشمسية، جُعلت كل ثلاث سنوات متتالية سنوات بسيطة (365 يومًا)، ثم تأتي السنة الرابعة كبيسة (366 يومًا)، أما السنة القمرية فقد عولجت بأسلوب الكبس، أي أن يكون الشهر مرة (29 يومًا) ومرة (30 يومًا) على التوالي.

ما هو النسيء عند العرب؟

ولفت الأزهري إلى أن العرب في الجاهلية كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم، غير أنهم تلاعبوا بها وفق مصالحهم، فإذا احتاجوا إلى الحرب في شهر محرم، أجلوا حرمته إلى شهر آخر، وهو ما عُرف بـ “النسيء”، متابعًا:"في الجاهلية كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم: رجب، ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم".

وأشار الأزهري إلى أن العرب في الجاهلية كانوا يواجهون مشقة بالغة؛ إذ كانوا أهل حروب وغارات، فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متتالية (ذو القعدة، ذو الحجة، والمحرم) دون قتال، فكانوا يقولون: “لئن توالت علينا ثلاثة أشهر لا نصيب فيها غنيمةً من خلال الحروب، لنهلكن”.

النسيء
آية قرأنية عن النسيء

“القلمس” مفتي النسيء

وتابع الأزهري:"ومن هنا بدأ النسيء، أي التلاعب بالأشهر الحرم، فإذا احتاجوا إلى الحرب في المحرم، أجلوا حرمته إلى شهر آخر، كأن يجعلوا صفر ثانيًا بديلاً عنه"، لافتًا إلى أن العرب كان لهم رجل يُدعى القلمس، يُشبه المفتي، يذهبون إليه قائلين: أنسئنا شهرًا، أي أخر عنا حرمة هذا الشهر إلى شهر آخر، فيجيبهم إلى طلبهم فورًا.

وبحسب الأزهري وصف الشاعر الكميت هذا الحال بقوله: “ألسنا الناسئين على معد .. شهورَ الحلِّ نجعلها حراما”، لافتًا إلى أن موعد الحج لم يسلم من النسيء أيضًا.

كيف كان العرب يؤرخون قبل التاريخ الهجري؟

شرح الدكتور علي أن كل طائفة من العرب كانت تؤرخ بما اشتهر في بيئتها من الحوادث العظام، ولم يكن لهم تاريخ جامع يوحدهم؛ فمنهم من جعل بناء إبراهيم وإسماعيل الكعبة مبدأً لتأريخه، ومنهم من اتخذ موت كعب بن لؤي علامة زمنية، ومنهم من ربط حسابه بحادثة الفيل، وهكذا مضت القبائل كل على نهجها، بلا نظام موحد ولا تقويمٍ شاملٍ.

وتابع الدكتور علي أن الهجرة النبوية كانت الحدث الأجل في تاريخ الإسلام، لذا اتخذ عامها مبدأ للتقويم الجديد، غير أنه لم يكن تقويمًا بالمعنى العلمي الدقيق، إذ ظل متعلقًا بالعرف القديم القائم على تسمية الأعوام بأحداث مشهورة وقعت فيها.

ولفت الدكتور علي إلى أن العام الأول للهجرة سُمي بعام الإذن بالرحيل، أي الهجرة، والعام الثاني سُمي بعام الأمر، أي الأمر بالقتال.

استمرار النهج في خلافة أبي بكر الصديق

لم ينظر في قضية التقويم في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إذ استمر هذا النهج، نظرًا لقِصر ولايته وكثرة أحداثها الكبرى؛ فقد واجه حروب الردة، وفتح العراق والشام، وغزو فارس، وهي من أخطر ما واجه الإسلام في مطلع الخلافة، بحسب عضو مركز الأزهر.

كما أوضح عضو مركز الأزهر أنه ربما استقرار ذلك العرف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم الحاجة إلى وضع أسس دقيقة له سببًا في استمراره دون تعديل.

وضع عمر بن الخطاب التقويم الهجري

وبحسب الأزهري فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما جاءت خلافته بعد أبي بكر الصديق، كان هاجسه الأول تنظيم الدولة في جميع شؤونها، ولا سيما في ظل الفتوحات المتسارعة.

واستمر العمل بالتقويم العرفي خمس سنوات، حتى كتب إليه أبو موسى الأشعري يقول: تأتينا من أمير المؤمنين كتب لا ندري على أيها نعمل، فقد قرأنا صكًا محله شعبان، فما ندري أي الشعابين؟ أهو الماضي أم القابل؟.

وتابع الأزهري أنه عندئذٍ تنبه عمر رضي الله عنه إلى خطورة الأمر، فجمع مستشاريه وعرض عليهم القضية، فتباينت الآراء: فمنهم من اقترح تقويم العجم، ومنهم من اقترح تقويم الفرس، ومنهم من أشار إلى غيرهما، إلا أن عمر رفضها جميعًا.

التقويم الهجري
التقويم الهجري

الاستقرار على التقويم الهجري

استقر الرأي في النهاية على اعتماد التقويم الهجري، بجعل عام الهجرة بداية لتاريخ دولة الإسلام، وهو تاريخ لم يختلف فيه أحد، وكان معروفًا للكافة، وفقًا لما أوضحه الدكتور علي، مشيرًا إلى أن عمر رضي الله عنه كان مُلهَمًا في اختياره، موافقًا لما نزل به القرآن الكريم عن أصل التقويم وفوائده.

ويتجلى ذلك في قوله تعالى:﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].

التقويم القمري اختيارًا ربانيًا

أكمل الدكتور علي حديثه أن اعتماد التقويم القمري كان اختيارًا ربانيًا، يحمل في جوهره معنى التغير وعدم الثبات، ويكشف عن أسرار إعجازية بالغة؛ منها: الجمع بين الدين والدنيا، وربط الأرض بالسماء، وجعل حركة الأفلاك ميزانًا للزمان ومواقيت للعبادة والمعاملات.

متى بدأ اعتماد التقويم الهجري؟

أما توقيت اعتماد التقويم الهجري، فبدأ في العام الثامن عشر للهجرة، وأصبح نظامًا رسميًا للأمة الإسلامية، يضبط الوثائق والمعاملات ويؤرخ للفتوحات والعهود، وفقًا لما أوضحه الدكتور علي.

لماذا تبدأ السنة الهجرية بمحرم وليس ربيع الأول؟

كما تطرق الأزهري إلى أن هناك كثيرًا من الناس يخطئون حين يظنون أن يوم خروج الرسول صلى الله عليه وسلك من مكة أو يوم وصوله إلى يثرب هو بداية حساب السنين في الإسلام، موضحًا أن الصحيح عند غالبية المؤرخين أن وصوله إلى يثرب كان يوم الخميس الثامن من ربيع الأول، غير أن المحرم جُعل بداية العام؛ لأنه أول شهور السنة، ولو اتخذ ربيع الأول بداية للتاريخ لأحدث تضاربًا ومشكلات لا حصر لها.

أحمد تيمور باشا وإدارك قيمة التقويم الهجري

كان العلامة أحمد تيمور باشا يدرك قيمة التقويم الهجري وأبعاده المعنوية والرمزية، إذ كان صلبًا في الحق، وثابتًا في أحكامه الدينية والقومية؛ ومن ذلك أنه لم يكن يؤرخ تحاويله المالية (الشيكات) إلا بالتاريخ الهجري دون سواه، فرضي منه بنك الكريدي ليونيه الفرنسي الذي كان يتعامل معه، ولم يعترض عليه، وفقًا لعضو مركز الأزهر.

أحمد تيمور باشا
أحمد تيمور باشا

خطر داهم وطامة كبرى.. كيف يؤثر التقويم الميلادي على الهوية الإسلامية؟

فيما يخص تأثير الاعتماد شبه الكلي على التقويم الميلادي في المعاملات والدراسة، وصف الأزهري ذلك أنه من “الخطر الداهم”، و"الطامة الكبرى"، فوضع عناوين المشاريع الكبرى في عالمنا العربي والإسلامي بالتقويم الميلادي فقط، حتى وإن كانت ثقافية أو دينية، فذلك من حيث لا يدرك القائمون عليه، يرسخ روح الحضارة الغربية في وجداننا، ويُضعف حضور هويتنا الأصيلة.

وتابع الأزهري قائلًا: “ويا للأسى، أن نُعِد فارسًا ليكون سندًا للأمة، فإذا به يوجه سيفَه إلى صدرها، ويكون أول الطاعنين فيها، وأعجب من رائد فكرٍ أو أستاذٍ في محراب العلم لا يتنبه إلى هذه الإشارات البليغة، وما تحمله من دلائل على أصالتنا وثقافتنا وديننا”.

التقويم الهجري وسام حضاري

واختتم عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الأعداء قبل الأصدقاء كانوا يدركون أثر التقويم الإسلامي على وعي الأمة، وخطورة تغييبه، وما يترتب على ذلك من خلخلة فكر أبنائها وإضعاف استقلالها. 

وتابع قائلًا: “التقويم ليس مجرد حسابٍ للأيام، بل هو وسام حضاري يُعلق على صدر الأعمال والسنين، ويُجسد هويةً جامعةً للأمَّة”.

اقرأ أيضًا:

ردًا على نظام "الطيبات".. هل لم يأكل الرسول "الفراخ"؟

المفتي: السعادة الحقيقية في سكينة القلب لا بكثرة المتاع

الأزهر: نجاة والديّ النبي مؤكدة وجرائم القدح فيهما إساءة للرسول

search