الخميس، 23 أبريل 2026

06:58 م

"مفاوضات حول المفاوضات".. مسار التهدئة بين لبنان وإسرائيل إلى أين؟

علما لبنان وإسرائيل

علما لبنان وإسرائيل

تعتبر المفاوضات الجارية بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في العاصمة الأمريكية واشنطن ملفًا من أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في المنطقة، حيث تتقاطع فيه المصالح المحلية والإقليمية والدولية، وتتصادم فيه الرؤى المختلفة حول مستقبل البلاد وسبل تحقيق الأمن والاستقرار. 

في السياق تتباين المواقف بشكل واضح، فمن جهة، يرفض حزب الله ومؤيدوه فكرة إجراء مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي، ويعتبرونها خطوة غير مقبولة على مختلف المستويات. 

ومن جهة أخرى، تقف الدولة اللبنانية ممثلة برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة خلف هذه المفاوضات التي أطلقوها، وتدعمها مجموعة من الأحزاب السياسية التي ترى فيها وسيلة لمعالجة الملفات العالقة وحماية مصالح البلاد.

طبيعة المفاوضات

تجري المحادثات على مستوى السفراء في واشنطن، وهو مستوى يثير تساؤلات كثيرة حول طبيعة الملفات التي يتم مناقشتها، وحدود الصلاحيات والقرارات التي يمتلكها كل طرف، ومدى قدرة هذه اللقاءات على تحقيق نتائج فعلية وملموسة.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن هذه المفاوضات لا تزال في مرحلة تمهيدية، حيث وصفها المدير التنفيذي السابق لجريدة “لوريان لوجور” الفرنسية، فؤاد خوري الحلو، بأنها "مفاوضات حول المفاوضات". 

ولا تزال الغاية الحقيقية من هذه اللقاءات غامضة، فهل تقتصر على مناقشة آليات التفاوض وضوابطه، أم أنها تهدف إلى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار، أم أنها خطوة لتحديد مواضيع سيتم مناقشتها لاحقًا على مستويات قيادية أعلى؟

أهداف متضاربة بين الطرفين

تظهر الفجوة الواسعة بين أهداف الجانبين بشكل واضح، مما يزيد من صعوبة الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، فالهدف الرئيسي الذي تعلنه الحكومة الإسرائيلية من هذه المفاوضات هو تجريد حزب الله من سلاحه، وتؤكد أنه لا توجد أهداف أخرى يمكن أن تبرر استمرار المحادثات. 

وقد عبر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عن هذا الموقف بوضوح عشية انعقاد الجولة الثانية من المفاوضات، حيث دعا لبنان إلى التعاون وبذل جهود مشتركة لتحقيق هذه الغاية.

في المقابل، حدد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أهداف بلاده بوضوح في تصريحات أدلى بها قبيل بيان ساعر، مؤكدًا أن المطلب الأساسي هو انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، بالإضافة إلى العمل على عودة جميع الأسرى والنازحين إلى ديارهم. 

معضلة حزب الله

كما وضع رئيس الحكومة مبدأين أساسيين يرتكز عليهما موقف بلاده: الأول أن لبنان هو الجهة الوحيدة المخولة بالتفاوض حول شؤونه وملفاته الوطنية، والثاني أن مسألة نزع سلاح حزب الله هي قضية داخلية تخص الشأن اللبناني وحده، ولا يجوز لأي جهة خارجية أن تتدخل في تحديد مسارها أو مخرجاتها.

وتبرز هنا أزمة حقيقية، حيث تتمسك إسرائيل بطلبها بنزع سلاح الحزب، وهو أمر يصطدم بواقع سياسي وعسكري في لبنان يجعل تنفيذه بالقوة أمرًا مستحيلًا في الوقت الحالي. 

فالحزب يرفض تسليم سلاحه ويعتبره جزءاً أساسياً من هويته ووجوده، بينما تفتقر الحكومة اللبنانية والجيش الوطني إلى القدرات الكافية لفرض هذا الأمر بالقوة، وهو ما قد يؤدي في حال محاولة تنفيذه إلى اندلاع أزمات أمنية وسياسية أعمق وأخطر تهدد وحدة البلاد واستقرارها.

سيناريوهات نزع السلاح

تتعدد السيناريوهات المحتملة التي يتم تداولها في الأوساط السياسية والتحليلية حول كيفية التعامل مع ملف سلاح حزب الله، وتختلف هذه السيناريوهات في مدى واقعيتها وتأثيراتها على الوضع اللبناني، ومن أبرزها:

الخيار العسكري الإسرائيلي

يبرز سيناريو أن تتولى إسرائيل تنفيذ هذه المهمة بنفسها، وهو سيناريو قد يحظى بدعم فئات محدودة داخل الطبقة السياسية اللبنانية، إلا أن غالبية الأطراف تدرك جيدًا أن هذا النهج سيعني تدميرًا شاملًا للبنان، على غرار ما حدث في قطاع غزة، وما تشهده المناطق الجنوبية من دمار وخراب نتيجة العمليات العسكرية الحالية.

حل في إطار اتفاق إقليمي

أن يشمل أي اتفاق يتم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران تعديلاً لوضع حزب الله، يضمن له الوجود والنفوذ السياسي، وفي نفس الوقت يدفعه تحت ضغط إيراني لتسليم سلاحه والالتزام بالشروط المتفق عليها.

 إعادة توزيع الوجود العسكري

 أن يتم العمل على نقل مقاتلي الحزب من أماكن تواجدهم الحالية إلى مناطق أخرى، وهو ما يتردد الحديث عنه في سياق الدعوات لجعل العاصمة بيروت منطقة منزوعة السلاح. 

مما يعني إخراج الحزب من العاصمة وتوزيع قواته في مناطق مختلفة، ويرى مراقبون أن هذا الخيار قد يؤدي فعليًا إلى تقسيم لبنان إلى مناطق أمنية منفصلة، وهو ما يعيد إلى الأذهان الأوضاع التي سادت البلاد قبيل اندلاع الحرب الأهلية.

search