بين المعرفة الدينية وإنتاج الوعي الثقافي.. ما الذي تمثله موسوعة الأديان؟
لم يكن القلم هذه المرة طيعا كما اعتاد، ولا الفكرة سهلة الانقياد كما ألفت، فقد وجدتني أمام اسم لا يكتب على عجل، وتجربة لا تختزل في سطور عابرة، جلست طويلا أفتش في ذاكرتي، أستدعي ملامح المعرفة الأولى، وأسترجع أثرا ممتدا لما يقرب من عقد من الزمن، منذ أن بدأ اسمه يتشكل في وعيي لا كأستاذ جامعي فحسب، بل كمشروع فكري قائم بذاته، هنا فقط أدركت أن الكتابة عن المفكر والفيلسوف الدكتور محمد عثمان الخشت أستاذ فلسفة الدين ورئيس جامعة القاهرة السابق، ليست وصفا لإنجاز، بل محاولة للإحاطة بعقل يشتغل على إعادة بناء الوعي.
لم تكن الكتابة عنه وليدة تكليف مهني عابر، بل امتدادا لذاكرة ممتدة من القراءة والمتابعة، حتى جاء تكليف من الكاتب الصحفي الكبير جمال الكشكي على صفحات الأهرام العربي بإنجاز موضوع حول «الجيل الثالث» ذلك المصطلح الذي أثاره الخشت وأحدث به جدلا واسعا في الأوساط الجامعية المصرية والإقليمية، فاستيقظت في ذهني طبقات قديمة من النصوص والانطباعات، وعدت أراجع ما كتبته يوما وما تلقيته منه من شكر على طرحته في تناول الجامعة في حدود عام 2017، وكأن الزمن لم يمر بقدر ما تراكمت فيه الدلالات.
ثم جاءت لحظة اللقاء، وجها لوجه في حوارات متتابعة، حيث بدا الرجل أقرب إلى الدأب الهادئ منه لا الاستعراض، في حديثة عن الجامعة فوجدت نفسي فى سؤال غير موجه له: هل الهدوء هنا قيمة أخلاقية في ذاته، أم تقنية ذكية لإدارة الانتباه معي؟، كأن الفعل الذي يريد أن يقدمه في جوهره ليس موجها إلى الإنجاز لذاته، بل إلى الصورة التي ينتجها الإنجاز، وبالتالي العمل يبدو هادئا في تفاصيله، لكنه مشحون برغبة داخلية في أن يرى، مستمعا إلى رؤيتي، ومنصتا وكأنه يزن الفكرة قبل أن يسمح لها بالظهور، ومع ذلك ظل الانطباع ثابتا: بأن الرجل يتمتع بإدارة مهيبة تتخفى خلف فكر فلسفي عميق، وكأن فلسفة الدين التي انشغل بها لم تكن مجرد حقل معرفي، بل كانت تربية داخلية صاغت شخصيته، فجمعت بين صرامة وهدوء المفكر في بنية واحدة متماسكة.
وفي لحظة تتويج تليق بثقل المشروع وعمق الرؤية، جاءت جائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها العشرين لتمنح جائزتها الكبرى للمفكر الذي لم يكتب على هامش الفكر، بل أعاد صياغة متنه، لم يكن الفوز مجرد تكريم لموسوعة، بل اعترافا عربيا رفيعا بأن معركة الوعي لا تخاض بالشعارات، بل بالمشروعات الكبرى التي تؤسس، وتفكك، وتعيد البناء.
لقد حصد الخشت هذا التتويج عن موسوعته الضخمة «موسوعة الأديان العالمية»، ذلك العمل الذي لا يقرأ بوصفه كتابا، بل يستدعى بوصفه مرجعا وموقفا، ستة مجلدات لا تحصي الأديان بقدر ما تعيد النظر في طرائق فهمها، تكسر مركزية السرد الأحادي، وتفتح نوافذ واسعة على التنوع بوصفه قانونا كونيا لا استثناء عابرا، هنا لا تلغى الفوارق، بل تفهم؛ ولا يختزل الاختلاف، بل يؤسس عليه وعي أكثر نضجا.
وقد جاء قرار مجلس الأمناء استنادًا إلى تقدير علمي رصين، رأى في هذا العمل إضافة نوعية تتجاوز حدود التوثيق إلى أفق التأسيس؛ فالموسوعة لا تقدم عرضا للأديان فحسب، بل تنسج شبكة معقدة من العلاقات بين الدين والتاريخ والفلسفة والعلوم الإنسانية، بما يحولها إلى بنية معرفية متكاملة، إنها عمل يقف في مواجهة الخطابات الراديكالية لا بالهتاف، بل بالتفكيك الهادئ، ويمنح الأجيال أداة للفهم النقدي في زمن تتنازع فيه العقول سطوة المعلومات الفوضوية.
ولعل القيمة الأعمق لهذا المشروع تكمن في كونه جزءا من رؤية أوسع، يسعى فيها الخشت إلى تأسيس «عصرا دينيا جديدا»، يقوم على التمييز الصارم بين جوهر الدين وصفاء مقاصده، وبين الفكر الديني البشري بوصفه اجتهادا تاريخيا قابلا للنقد والمراجعة، إنها محاولة جادة لتحرير الوعي من أسر التكرار، ودفعه نحو أفق أكثر اتساعا وإنسانية.
ولم يأتِ هذا التتويج في فراغ؛ فقد حظيت الموسوعة منذ صدورها باهتمام لافت في المحافل الفكرية، بدءا من معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2025 وصولا إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، حيث تحولت إلى محور نقاشات عميقة بين نخبة من الأكاديميين والمفكرين، في دلالة واضحة على أنها ليست مجرد عمل معرفي، بل لحظة فارقة في مسار الدراسات الدينية العربية.
إن فوز الخشت في فرع مستحدث يعنى بالموسوعات وتحقيق المخطوطات والمعاجم، يكتسب دلالة مضاعفة، فهو اعتراف بأن الأمم لا تبنى فقط بالسياسات، بل ببناها المعرفية العميقة، وأن الموسوعات ليست ترفا فكريا، بل ضرورة حضارية، تمثل العمود الفقري لأي نهضة حقيقية.
هكذا، لا يبدو هذا التتويج نهاية مسار، بل محطة في مشروع لم يكتمل بعد، مشروع يكتب نفسه بهدوء، لكنه يترك أثرا صاخبا في بنية التفكير العربي، ومن هنا، فإن الحديث عن الدكتور الخشت لا ينبغي أن يتوقف عند جائزة، مهما عظمت، بل عند سؤال أكبر: كيف يمكن لهذا النمط من التفكير أن يتحول من جهد فردي لافت، إلى تيار معرفي يعيد تشكيل العقل الجمعي في زمن تتكاثر فيه الفوضى، ويشتد فيه الاحتياج إلى عقل يضيء لا يكرر، ويفكر لا يردد.
وللحديث بقية..
الأكثر قراءة
-
وفاة رجل أعمال أثناء محاولته الهروب من زوج عشيقته بالتجمع
-
سعر الدولار اليوم الخميس 23 أبريل 2026.. تحديث جديد بالبنوك
-
مواعيد غلق المحلات في التوقيت الصيفي 2026
-
سعر صرف الريال السعودي أمام الجنيه اليوم الخميس 23 أبريل 2026
-
شركات الطيران الأمريكية ترفع أسعار التذاكر 15-20%
-
نيويورك تايمز: الاحتكار يرفع أسعار الطاقة في كل مكان
-
ارتفاع أسعار النفط 4%.. خام برنت يصل إلى 105.63 دولار
-
أسعار العملات مقابل الدولار.. الأخضر يصل إلى أعلى مستوى في 10 أيام
مقالات ذات صلة
لجان الترقيات وسوق العلم المزيف.. بين المقايضة والانتقام الأكاديمي
12 أبريل 2026 02:10 م
من غرف التحقيق إلى ساحات المواجهة.. كيف صنعت مصر ريادتها في علوم السلوك؟
24 فبراير 2026 12:40 م
من محراب العلم إلى محراب الأخلاق.. يوم مختلف في جامعة الأزهر
17 فبراير 2026 09:28 ص
رسالة مفتوحة إلى وزير الثقافة الجديد.. ركز على الأثر؟
09 فبراير 2026 06:24 م
أكثر الكلمات انتشاراً