الإثنين، 27 أبريل 2026

07:36 م

منتجات تجوب العالم.. "الفخار" العمود الفقري لاقتصاد قرية جريس بالمنوفية

صورة مع أحد صناع الفخار في قرية جريس بالمنوفية

صورة مع أحد صناع الفخار في قرية جريس بالمنوفية

تُعد قرية جريس التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، واحدة من أشهر القرى المصرية التي ارتبط اسمها بصناعة الفخار منذ مئات السنين، حتى أصبحت المهنة جزءًا أصيلًا من هوية القرية وسكانها.

فلا يكاد يخلو منزل في جريس من صانع فخار أو شخص يعمل في أحد مراحل هذه الحرفة القديمة، التي ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد جيلاً بعد جيل.

1000165811

وتتميز صناعة الفخار بأنها تعتمد بشكل أساسي على الطين والماء، حيث يتم تشكيلهما يدويًا لإنتاج أدوات منزلية متعددة الاستخدامات، إلى جانب قطع الزينة والأنتيكات والتحف الفنية التي تحمل طابعًا تراثيًا خاصًا، ورغم التطور التكنولوجي الكبير الذي شهدته مختلف الصناعات، ما زال أهالي جريس متمسكين بهذه المهنة باعتبارها مصدر رزقهم الأساسي وتراثهم الذي لا يمكن التفريط فيه.

تاريخ طويل يعود إلى عام 1815

يقول فؤاد، أحد أبناء القرية ويبلغ من العمر ٤٠ عامًا، لـ"تليجراف مصر" إنه يعمل في مهنة صناعة الفخار منذ طفولته وحتى اليوم دون انقطاع، مؤكدًا أن المهنة موجودة في القرية منذ مئات السنين، وأن التاريخ الرسمي لانتشارها يعود إلى عام 1815 ميلاديًا، إلا أن الحقيقة تشير إلى أن أعدادًا كبيرة من أهالي القرية كانوا يعملون بها قبل هذا التاريخ بسنوات طويلة.

1000165803

وأضاف أن هذه الحرفة كانت ولا تزال العمود الفقري للحياة الاقتصادية داخل القرية، حيث اعتمدت عليها الأسر في تربية الأبناء والإنفاق على احتياجات الحياة المختلفة، مشيرًا إلى أن ارتباط أهل جريس بالفخار ليس مجرد عمل فقط، بل هو علاقة وجدانية وثقافية ممتدة عبر الزمن.

المهنة تواجه الاندثار ولكن الأهالي متمسكون بها

وأوضح فؤاد لـ"تليجراف مصر" أن صناعة الفخار بدأت تواجه تحديات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت مهددة بالاندثار شيئًا فشيئًا بسبب تغير أنماط الحياة الحديثة وظهور البدائل الصناعية، إلا أن أبناء القرية لا يفكرون في ترك المهنة مهما حدث، لأنها تمثل لهم تاريخًا شخصيًا وعائليًا لا يمكن الاستغناء عنه.

1000165735
صناعة الفخار في المنوفية

وأشار إلى أن هناك العديد من المواطنين ما زالوا يفضلون استخدام المنتجات الفخارية التقليدية مثل القلل والطواجن والزير، لما لها من جودة خاصة لا توفرها المنتجات الحديثة، وهو ما يساعد على استمرار الطلب عليها ولو بشكل أقل من الماضي.

فؤاد محمد .... الصنعة التي ربّت أجيال. 

ومن داخل أحد ورش الفخار بالقرية، تحدث فؤاد لـ"تليجراف مصر"، أحد أمهر الصناع، مؤكدًا أنه ورث المهنة عن والده وجده، ويعمل بها منذ صغره، لافتًا إلى أن هذه الحرفة كانت السبب الرئيسي في تربية أسرته بالكامل، والتي تضم أكثر من 48 فردًا ما بين أشقاء وأبناء وأحفاد.

1000165723

وأضاف أن الصنعة موجودة منذ آلاف السنين، وكانت دائمًا سند حقيقي في مواجهة أعباء الحياة، موضحًا أن الأبناء يتعلمون العمل فيها منذ نعومة أظافرهم، حتى يتمكنوا من اكتساب الخبرة، وبعدها يكون لكل منهم حرية اختيار مستقبله سواء بالاستمرار في المهنة أو الاتجاه إلى مجال آخر، دون أي إجبار.

تطور كبير في المنتجات والأشكال

وأشار فؤاد لـ"تليجراف مصر" إلى أن صناعة الفخار لم تعد تقتصر فقط على المنتجات التقليدية القديمة مثل القلة والزير والمنقد، بل شهدت تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة لمواكبة احتياجات السوق، حيث أصبح يتم تصنيع الطواجن والخزف والقلل بالصلصال والزمزمي، إلى جانب العديد من الأشكال الحديثة التي يقبل عليها المواطنون.

1000165814

وأكد أن التطوير أصبح ضرورة مهمة لاستمرار المهنة ومنافسة المنتجات الأخرى، موضحًا أن الجودة والشكل الجمالي أصبحا عنصرين أساسيين في نجاح المنتج الفخاري، خاصة مع دخول المنافسة مع المنتجات الحديثة المصنوعة من خامات مختلفة.

التصدير للخارج وطلبات من دول متعددة

وأوضح فؤاد لـ"تليجراف مصر" أن منتجات قرية جريس لم تعد تقتصر على السوق المحلي فقط، بل وصلت إلى التصدير للخارج، حيث يتم استقبال طلبات من مستوردين في عدة دول للحصول على كميات كبيرة من المنتجات الفخارية بأشكال متنوعة.

1000165718
صناعة الفخار في المنوفية

وأضاف أن المستوردين يتفقون على الكميات المطلوبة ومواعيد التسليم، ويتم تنفيذ العمل وفق الجدول المحدد، مؤكدًا أن جميع مراحل التصنيع تسير بشكل منظم وعلى قدم وساق لتلبية هذه الطلبات، وهو ما يعكس جودة المنتج وثقة الأسواق الخارجية فيه.

تطوير مراحل الإنتاج والاعتماد على التكنولوجيا

وأشار إلى أن التطوير لم يقتصر على شكل المنتج فقط، بل شمل أيضًا مراحل الإنتاج، حيث تم تصنيع ماكينة خاصة تساعد على تدوير الطين في المرحلة الأولى من التصنيع.

كما تم تطوير مرحلة الحرق من خلال استخدام أفران الغاز الحديثة بدلًا من الطرق التقليدية، وهو ما ساعد على إنتاج قطع أكثر صلابة وجودة، ورفع كفاءة المنتج النهائي بشكل واضح، بما يضمن منافسته في الأسواق المحلية والدولية.

أسعار في متناول الجميع

وأكد فؤاد لـ"تليجراف مصر" أن أسعار المنتجات الفخارية ما زالت مناسبة وفي متناول الجميع، حيث يتراوح سعر القلة الجديدة بين 15 إلى 50 جنيهًا حسب الحجم، بينما يبدأ سعر الطاجن من 2.5 جنيه ويصل إلى 5 جنيهات، كما توجد القلل الصغيرة التي تبدأ من 5 جنيهات فقط.

وأشار أيضًا إلى تصنيع المبخرة الفخارية التي يصل سعرها إلى 20 جنيهًا للقطعة الواحدة، نظرًا لأنها تدخل الفرن مرتين أثناء التصنيع، بالإضافة إلى أشكال أخرى مثل القطاطير والقواديس الخاصة بأبراج الحمام، وغيرها من المنتجات المستخدمة في الحياة اليومية.

مطالب بدعم المعارض والتسويق

وفي ختام حديثه، ناشد فؤاد الجهات المعنية بضرورة توفير المزيد من المعارض المجانية التي تساعد على عرض المنتجات الفخارية والترويج لها، مؤكدًا أن المشاركة في المعارض المحلية والدولية تلعب دورًا كبيرًا في دعم المهنة وزيادة فرص البيع والتصدير.

1000165734

حيث أن دعم الدولة لهذه الصناعة التراثية أمر ضروري للحفاظ عليها من الاندثار، خاصة أنها تمثل جزءًا مهمًا من التراث الشعبي المصري، وتوفر مصدر دخل ثابتًا لعشرات الأسر داخل قرية جريس، التي ما زالت حتى اليوم تُعرف بأنها قرية الفخار الأولى في محافظة المنوفية.

اقرأ أيضا:

فخار جريس.. علامة مسجلة في المنوفية تجوب العالم منذ مئات السنين

search