سوق "ديانا" للأنتيكات، قد تصبح مليونيرًا أو يقودك مشوار السبت إلى السجن؟
أحد باعة التحف يفحص قطعة من الأنتيك
في عصر يتسارع فيه إيقاع الحياة وتطغى عليه الموضة الاستهلاكية، لا يزال هناك من يبحث عن ملاذٍ دافئ في أحضان الماضي.. صيادون لـ"الزمن الجميل" يبحثون عن حكايات لم يعيشوها، مخبأة في قطع عتيقة لا تفقد بريقها بمرور السنين، بل تزداد قيمتها لتتحول من "أشياء قديمة" إلى استثمار ذكي.

هنا في قلب القاهرة الخديوية، وتحديدًا بجوار سينما "ديانا بالاس" العريقة، يتوقف الزمن كل يوم سبت، حيث يتحول الشارع إلى "متحف مفتوح" يعرض ساعات خشبية لا تزال تدق بانتظام، كأنها تحرس ذكريات عصور مضت، وتحفًا برونزية ربما زيّنت يومًا بهو قصر ملكي، وعملات وصحفًا تحكي تاريخ العالم للناظرين.

"تليجراف مصر" خاضت معايشة ميدانية في أروقة سوق "ديانا"، أشهر أسواق الأنتيكات في مصر، لنغوص في حكايات الباعة، ونفتش في أوراق الشغوفين، ونطرح السؤال الأهم: هل تُترك هذه الثروة المليارية أسيرة لـ "اقتصاد الظل"؟
من سرايات الباشوات إلى "روبابيكيا" الأرصفة
بمجرد أن تطأ قدماك السوق، تستقبلك رائحة الخشب العتيق والنحاس الملمع، هناك التقينا بـ "بيتر جورج"، أحد باعة التحف، الذي يقف بفخر أمام معروضاته، موضحًا أن بعض القطع تتنفس هنا منذ أكثر من 100 عام.

ويقول جورج: "أسعار التماثيل البرونزية قد تصل إلى مليون جنيه للقطعة الواحدة فالأمر محكوم بندرة الخامة، ودقة الصنعة، وبلد المنشأ، هذه القطع ليست وليدة الصدفة، بل هي إرث تركه الأجانب من رومان وأرمن وفرنسيين عاشوا في مصر، وكانت تباع في جاليريات أجنبية شهيرة مثل جاتنيو وبتروملي".

كيف تصل هذه الكنوز إلى أرصفة الشارع؟ يلتقط "أحمد عبد المجلي"، بائع شاب التحق بالسوق مؤخرًا، خيط الحديث ليفك شفرة رحلة "الأنتيك"،موضحًا أن المصدر الأول هم جامعو "البيكيا"، الذين يمثلون أعين التجار في الشوارع؛ بمجرد رصدهم قطع ثمينة في فيلا قديمة أو منزل يُصفّى ورثته، تبدأ عملية التقييم والشراء.

بعض القطع لدينا يتجاوز عمرها قرنين من الزمان، وتبدأ أسعارنا من 50 جنيهاً لتصل إلى 100 ألف جنيه، فكل قطعة لها تسعيرة يحددها تاريخها
ويضيف عبد المجلي: "بعض القطع لدينا يتجاوز عمرها قرنين من الزمان، وتبدأ أسعارنا من 50 جنيهاً لتصل إلى 100 ألف جنيه، فكل قطعة لها تسعيرة يحددها تاريخها".
"عين الخبير".. أسرار المهنة
في زاوية أخرى، يقف "محمود دبشة"، أقدم باعة السوق بخبرة تمتد لـ 45 عامًا، لا يعتمد "دبشة" على النظر فقط، بل يمتلك حاسة سادسة تمكّنه من تقييم القطعة بمجرد ملامستها.

ويؤكد دبشة أنه يعتمد على مزادات الإسكندرية القديمة لجلب بضاعته، ويفجر مفاجأة تعكس شغف التجار أنفسهم قائلًا: "أمتلك قطعًا نادرة لا أعرضها للبيع، أحتفظ بها لنفسي كجزء من مجموعتي الخاصة، فهناك تحف لا تقدر بمال".

ورغم هذا العشق المتبادل بين التاجر وبضاعته، تظل هناك شعرة معاوية تفصل بين "التحف" و"الآثار"، يؤكد "كامل النمر"، أحد مؤسسي السوق القدامى، أن التجار يعملون بوعي قانوني تام، مشددًا على أن أي قطعة يتجاوز عمرها 100 عام وتتبع الحضارات المصرية (فرعونية، قبطية، إسلامية) تعتبر أثرًا مجرمًا بيعه، وتترك المساحة فقط للأنتيكات ذات الصبغة الأجنبية.
برلمان مصغر لعشاق التراث
لم يكن السوق حكرًا على المصريين، بل هو "برلمان مصغر" لعشاق التراث، التقينا بـ "سايمون"، أسكتلندي مقيم في هولندا (55 عامًا)، وزوجته ذات الأصول المصرية "هاجر"، اللذين جاءا خصيصًا للبحث عن قطع تروي ظمأ شغفهما بالتاريخ.

وعلى بعد خطوات، كان الشاب البحريني "عبدالله أحمد" يقلب في عملات معدنية نادرة بشغف، بينما وقفت الشابة المصرية "سحر خالد" توثّق بعدسة كاميراتها ملامح هذا العالم الموازي المليء بالحكايات العتيقة.

بلغ حجم سوق الأنتيكات العالمي نحو 450 مليار دولار، في حين سجل السوق في المنطقة العربية 8.2 مليار دولار بحسب اليونسكو، أما في مصر، فقد قُدر حجم السوق بنحو 2.72 مليار دولار
المصدر: دراسات صادرة عن مؤسسات رسمية
اقتصاد الظل الملياري.. أرقام تتحدث
خلف هذه الرومانسية المفرطة، تقبع أرقام قادرة على إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد، وفقًا لتقارير عالمية حديثة لـ (Grand View Research 2024)، بلغ حجم سوق الأنتيكات العالمي نحو 450 مليار دولار، في حين سجل السوق في المنطقة العربية 8.2 مليار دولار بحسب اليونسكو، أما في مصر، فقد قُدر حجم السوق بنحو 2.72 مليار دولار (وفقًا لدراسة Deep Market Insights 2024).

السوق الأكثر إثارة وغموضًا
تتدخل الدكتورة "هدى الملاح"، خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية، هنا لتضع يدها على الجرح، واصفة سوق الأنتيك في مصر بأنه "الأكثر إثارة وغموضًا" فهو يضم مليارات الجنيهات التي تدور خارج الإطار الرسمي للدولة.

وتحذر "الملاح" قائلة: "الخطورة تكمن في غياب جهة معتمدة لتقييم التحف، ما يفتح الباب للتلاعب في الأسعار، وبيع المقلد كأصلي، بل ويمتد الخطر لاحتمالية تهريب قطع ذات قيمة تراثية وطنية".

وتضع الخبيرة روشتة علاج تبدأ بإصدار "شهادة ميلاد رقمية" لكل قطعة، وتنظيم مزادات رسمية تحت مظلة تشريعية تحول هذا السوق من "اقتصاد ظل" إلى رافد سياحي وقومي.
الخطورة تكمن في غياب جهة معتمدة لتقييم التحف، ما يفتح الباب للتلاعب في الأسعار، وبيع المقلد كأصلي
الدكتورة هدى الملاح خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية
التفريق بين الآثار والتحف
في تشخيص دقيق لأزمة التقنين، يؤكد الخبير المثمن "عصام العشري" على ضرورة التفرقة الحاسمة بين الآثار المحظور بيعه والتحف المسموح بتداولها كالأثاث الفرنسي والإيطالي.

روشتة الإنقاذ.. من الرصيف إلى النور
بينما يرى "حمادة العادلي"، الرئيس السابق لغرفة صناعة الحرف اليدوية، أن حصر هذا السوق الشاسع يعد شبه مستحيل في الوقت الراهن، نظرًا لاعتماد فئة كبيرة من الباعة على شراء التحف من بائعي "الخردة" بأسعار زهيدة دون إدراك لقيمتها الحقيقية.

ويؤكد "العادلي" أن مقترح دمج هذه الأسواق العشوائية في قنوات رسمية يتم عبر منح التجار سجلات تجارية وبطاقات ضريبية، وتخصيص أسواق حضارية تخضع لرقابة وإشراف الدولة، ما يمثل خطوة من شأنها أن تحفظ لمصر تاريخها، وتدر عوائد هائلة لقطاع بات من الضروري أن يخرج من ظلام الأرصفة إلى نور الاقتصاد الرسمي.

اقرأ أيضًا:
“بارون الصعيد".. تحفة معمارية تضاهي قصور أوروبا في قلب المنيا
بأيدي مصرية 100%، مراحل صناعة دعوات افتتاح المتحف المصري الكبير (خاص)
من كنوز تيتاتيك.. مزاد لبيع ساعة أغنى رجل على السفينة الغارقة
الأكثر قراءة
-
"حاولت تهرب من شقة صديقها".. مصرع ربة منزل سقطت من الطابق الرابع بحدائق أكتوبر
-
"سمعنا خناقة وشوفنا ست بتهرب".. شهود يرون تفاصيل سقوط سيدة من شقة حبيبها بالمرج
-
هل تنبأ مسلسل سيمبسون بتعادل مصر وإيران في كأس العالم؟.. خبير تكنولوجيا يجيب
-
"حلوا مشاكل المصريين الأول".. برلماني يرفض تملك الأجانب للعقار
-
من كان معها؟.. الأمن يحقق في سقوط فتاة من الطابق الخامس بكمبوند شهير بأكتوبر
-
ربة منزل تعتدي على رضيعها 9 شهور وتصوره فيديو لطليقها بالوراق
-
موعد الإعلان عن نتيجة الشهادة الإعدادية في سوهاج 2026 (خاص)
-
راجع نحو الثانوية العامة في 10 دقائق.. أهم 30 قاعدة وأصعب الأسئلة المتوقعة
أخبار ذات صلة
بين لقمة العيش وسلامة الطرق.. كيف نوازن في ملف "عربات الشاي"؟
28 يونيو 2026 02:09 م
التصدير العقاري في مصر.. فرصة لإنعاش الاقتصاد أم تهديد لحق السكن؟
27 يونيو 2026 11:32 ص
شركات التمويل وفن صناعة الغارمين.. الوجه المظلم لقروض الغلابة في مصر
26 يونيو 2026 10:53 م
بطل الإكوادور يعانق المجد.. كايسيدو من معاناة مع الفقر إلى قهر ألمانيا بالمونديال
26 يونيو 2026 12:43 م
امتحانات غزة.. "شمس" تقاوم الرصاص بالورقة والقلم لتحقيق حلم محصور في الخيام
24 يونيو 2026 12:56 م
عبر مشروع نيمبوس.. كيف ساعدت شركة جوجل إسرائيل في حربها ضد غزة ولبنان؟
23 يونيو 2026 07:42 م
لماذا تتحول صور رونالدو إلى أيقونة فنية في ملاعب كأس العالم؟
23 يونيو 2026 06:51 م
أكثر الكلمات انتشاراً