الأحد، 03 مايو 2026

12:09 ص

سوق "ديانا" للأنتيكات، قد تصبح مليونيرًا أو يقودك مشوار السبت إلى السجن؟

أحد باعة التحف يفحص قطعة من الأنتيك

أحد باعة التحف يفحص قطعة من الأنتيك

في عصر يتسارع فيه إيقاع الحياة وتطغى عليه الموضة الاستهلاكية، لا يزال هناك من يبحث عن ملاذٍ دافئ في أحضان الماضي.. صيادون لـ"الزمن الجميل" يبحثون عن حكايات لم يعيشوها، مخبأة في قطع عتيقة لا تفقد بريقها بمرور السنين، بل تزداد قيمتها لتتحول من "أشياء قديمة" إلى استثمار ذكي.

3
صيادون لـ"الزمن الجميل" يبحثون عن ملاذٍ دافئ في أحضان الماضي

هنا في قلب القاهرة الخديوية، وتحديدًا بجوار سينما "ديانا بالاس" العريقة، يتوقف الزمن كل يوم سبت، حيث يتحول الشارع إلى "متحف مفتوح" يعرض ساعات خشبية لا تزال تدق بانتظام، كأنها تحرس ذكريات عصور مضت، وتحفًا برونزية ربما زيّنت يومًا بهو قصر ملكي، وعملات وصحفًا تحكي تاريخ العالم للناظرين.

ززززززززززز
سوق التحف والأنتيك بجوار سينما ديانا

"تليجراف مصر" خاضت معايشة ميدانية في أروقة سوق "ديانا"، أشهر أسواق الأنتيكات في مصر، لنغوص في حكايات الباعة، ونفتش في أوراق الشغوفين، ونطرح السؤال الأهم: هل تُترك هذه الثروة المليارية أسيرة لـ "اقتصاد الظل"؟

من سرايات الباشوات إلى "روبابيكيا" الأرصفة

بمجرد أن تطأ قدماك السوق، تستقبلك رائحة الخشب العتيق والنحاس الملمع، هناك التقينا بـ "بيتر جورج"، أحد باعة التحف، الذي يقف بفخر أمام معروضاته، موضحًا أن بعض القطع  تتنفس هنا منذ أكثر من 100 عام.

5
بعض من القطع الخشبية تفوح منها رائحة الذكريات العتيقة

ويقول جورج: "أسعار التماثيل البرونزية قد تصل إلى مليون جنيه للقطعة الواحدة فالأمر محكوم بندرة الخامة، ودقة الصنعة، وبلد المنشأ، هذه القطع ليست وليدة الصدفة، بل هي إرث تركه الأجانب من رومان وأرمن وفرنسيين عاشوا في مصر، وكانت تباع في جاليريات أجنبية شهيرة مثل جاتنيو وبتروملي".

2
 

كيف تصل هذه الكنوز إلى أرصفة الشارع؟ يلتقط "أحمد عبد المجلي"، بائع شاب التحق بالسوق مؤخرًا، خيط الحديث ليفك شفرة رحلة "الأنتيك"،موضحًا أن المصدر الأول هم جامعو "البيكيا"، الذين يمثلون أعين التجار في الشوارع؛ بمجرد رصدهم قطع ثمينة في فيلا قديمة أو منزل يُصفّى ورثته، تبدأ عملية التقييم والشراء.

8
أحمد عبد المجلي بائع التحف يفحص قطعة من الأنتيك 

بعض القطع لدينا يتجاوز عمرها قرنين من الزمان، وتبدأ أسعارنا من 50 جنيهاً لتصل إلى 100 ألف جنيه، فكل قطعة لها تسعيرة يحددها تاريخها

ويضيف عبد المجلي: "بعض القطع لدينا يتجاوز عمرها قرنين من الزمان، وتبدأ أسعارنا من 50 جنيهاً لتصل إلى 100 ألف جنيه، فكل قطعة لها تسعيرة يحددها تاريخها".

"عين الخبير".. أسرار المهنة

في زاوية أخرى، يقف "محمود دبشة"، أقدم باعة السوق بخبرة تمتد لـ 45 عامًا، لا يعتمد "دبشة" على النظر فقط، بل يمتلك حاسة سادسة تمكّنه من تقييم القطعة بمجرد ملامستها.

55
 أقدم باعة سوق  ديانا بخبرة تمتد لـ 45 عامًا

ويؤكد دبشة أنه يعتمد على مزادات الإسكندرية القديمة لجلب بضاعته، ويفجر مفاجأة تعكس شغف التجار أنفسهم قائلًا: "أمتلك قطعًا نادرة لا أعرضها للبيع، أحتفظ بها لنفسي كجزء من مجموعتي الخاصة، فهناك تحف لا تقدر بمال".

a25517f4-23d5-4d13-a255-4c7ca2d2065d
بعض من القطع الفنية الجميلة

ورغم هذا العشق المتبادل بين التاجر وبضاعته، تظل هناك شعرة معاوية تفصل بين "التحف" و"الآثار"، يؤكد "كامل النمر"، أحد مؤسسي السوق القدامى، أن التجار يعملون بوعي قانوني تام، مشددًا على أن أي قطعة يتجاوز عمرها 100 عام وتتبع الحضارات المصرية (فرعونية، قبطية، إسلامية) تعتبر أثرًا مجرمًا بيعه، وتترك المساحة فقط للأنتيكات ذات الصبغة الأجنبية.

برلمان مصغر لعشاق التراث

لم يكن السوق حكرًا على المصريين، بل هو "برلمان مصغر" لعشاق التراث، التقينا بـ "سايمون"، أسكتلندي مقيم في هولندا (55 عامًا)، وزوجته ذات الأصول المصرية "هاجر"، اللذين جاءا خصيصًا للبحث عن قطع تروي ظمأ شغفهما بالتاريخ.

0218b8e8-7040-4766-b1a5-dfc9205325e6
الأجنبي سايمون مع كتاب قديم اقتناه من سوق ديانا

وعلى بعد خطوات، كان الشاب البحريني "عبدالله أحمد" يقلب في عملات معدنية نادرة بشغف، بينما وقفت الشابة المصرية "سحر خالد" توثّق بعدسة كاميراتها ملامح هذا العالم الموازي المليء بالحكايات العتيقة.

خخخخخخخخ
هاجر المصرية تبحث عن بعض القطع النادرة

بلغ حجم سوق الأنتيكات العالمي نحو 450 مليار دولار، في حين سجل السوق في المنطقة العربية 8.2 مليار دولار بحسب اليونسكو، أما في مصر، فقد قُدر حجم السوق بنحو 2.72 مليار دولار  

المصدر: دراسات صادرة عن مؤسسات رسمية

اقتصاد الظل الملياري.. أرقام تتحدث

خلف هذه الرومانسية المفرطة، تقبع أرقام قادرة على إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد، وفقًا لتقارير عالمية حديثة لـ (Grand View Research 2024)، بلغ حجم سوق الأنتيكات العالمي نحو 450 مليار دولار، في حين سجل السوق في المنطقة العربية 8.2 مليار دولار بحسب اليونسكو، أما في مصر، فقد قُدر حجم السوق بنحو 2.72 مليار دولار (وفقًا لدراسة Deep Market Insights 2024).

b7738cae-8153-4f15-9846-550cb64d0451
حجم سوق الأنتيكات في مصر

السوق الأكثر إثارة وغموضًا

تتدخل الدكتورة "هدى الملاح"، خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية، هنا لتضع يدها على الجرح، واصفة سوق الأنتيك في مصر بأنه "الأكثر إثارة وغموضًا" فهو يضم مليارات الجنيهات التي تدور خارج الإطار الرسمي للدولة.

الملاح
خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية، هدى الملاح

وتحذر "الملاح" قائلة: "الخطورة تكمن في غياب جهة معتمدة لتقييم التحف، ما يفتح الباب للتلاعب في الأسعار، وبيع المقلد كأصلي، بل ويمتد الخطر لاحتمالية تهريب قطع ذات قيمة تراثية وطنية".

9
عجوز يفحص تحفة قبل الشراء 

وتضع الخبيرة روشتة علاج تبدأ بإصدار "شهادة ميلاد رقمية" لكل قطعة، وتنظيم مزادات رسمية تحت مظلة تشريعية تحول هذا السوق من "اقتصاد ظل" إلى رافد سياحي وقومي.

الخطورة تكمن في غياب جهة معتمدة لتقييم التحف، ما يفتح الباب للتلاعب في الأسعار، وبيع المقلد كأصلي
 

الدكتورة هدى الملاح خبيرة دراسات الجدوى الاقتصادية

 

التفريق بين الآثار والتحف

في تشخيص دقيق لأزمة التقنين، يؤكد الخبير المثمن "عصام العشري" على ضرورة التفرقة الحاسمة بين الآثار المحظور بيعه والتحف المسموح بتداولها كالأثاث الفرنسي والإيطالي.

44444444
أحد مشتري التحف يبحث عن ما يروق له من  وسط المعروضات

روشتة الإنقاذ.. من الرصيف إلى النور

بينما يرى "حمادة العادلي"، الرئيس السابق لغرفة صناعة الحرف اليدوية، أن حصر هذا السوق الشاسع يعد شبه مستحيل في الوقت الراهن، نظرًا لاعتماد فئة كبيرة من الباعة على شراء التحف من بائعي "الخردة" بأسعار زهيدة دون إدراك لقيمتها الحقيقية.

20230905164413822
الرئيس السابق لغرفة صناعة الحرف اليدوية، حمادة العادلي

ويؤكد "العادلي" أن مقترح دمج هذه الأسواق العشوائية في قنوات رسمية  يتم عبر منح التجار سجلات تجارية وبطاقات ضريبية، وتخصيص أسواق حضارية تخضع لرقابة وإشراف الدولة، ما يمثل  خطوة من شأنها أن تحفظ لمصر تاريخها، وتدر عوائد هائلة لقطاع بات من الضروري أن يخرج من ظلام الأرصفة إلى نور الاقتصاد الرسمي.

000000000000
بعض قطع الديكور تزين الطاولات الخشبية 

اقرأ أيضًا:

“بارون الصعيد".. تحفة معمارية تضاهي قصور أوروبا في قلب المنيا

بأيدي مصرية 100%، مراحل صناعة دعوات افتتاح المتحف المصري الكبير (خاص)

من كنوز تيتاتيك.. مزاد لبيع ساعة أغنى رجل على السفينة الغارقة

search