الأحد، 03 مايو 2026

07:54 ص

دراسة صادمة: رغبة الأطفال في تناول السكريات قد تكون سبب نمو الدماغ

حلوى

حلوى

المشهد المألوف تمامًا: كيس من الحلوى، طفل صغير، وصمت طويل إلى أن يفرغ الكيس، حيث يقول المثل: "عقلك يحتاج إلى مكافأة، وإلا فإنه يُفسد".

وتوصلت دراسة جديدة، نُشرت في مجلة "نيتشر نيوروساينس" إلى فكرة رائدة: السكر، وتحديداً الجلوكوز، لا يعمل كمصدر للطاقة فحسب، بل كإشارة توجه نمو الدماغ أيضاً، ويحدث ذلك في مرحلة بالغة الأهمية، حين تتشكل الروابط التي ستمكننا من التفكير والحركة والكلام.

تأثير السكريات على نشاط الدماغ 

وكشفت الدراسة أنه "عندما تكون مستويات الجلوكوز مرتفعة، تتكاثر الخلايا، ومع تغير هذه المستويات، تتغير وظيفة نفس الخلايا وتبدأ في النضوج".

يكمن جوهر هذه القصة في الميالين، وهو الغلاف الذي يحيط بالخلايا العصبية ويسمح للنبضات الكهربائية بالانتقال بسرعة وكفاءة، فبدون الميالين، يستمر الدماغ في العمل، ولكنه يعمل ببطء وبشكل أقل دقة.. إنه، بمعنى ما، بمثابة العازل لأسلاك الجهاز العصبي. ولا يتشكل الميالين دفعة واحدة، بل على مراحل مُنظمة بعناية تبدأ قبل الولادة وتستمر لسنوات.

ما اكتشفه الباحثون، بقيادة سامي سوما، هو أن هذه العملية لها قائد غير متوقع: مستويات الجلوكوز الموضعية. 

لفهم ذلك، تخيل دماغًا ناميًا كمنطقة قيد الإنشاء بداخله خلايا طلائعية (تُسمى الخلايا السلفية للأوليجودندروسايت، المسؤولة عن إنتاج الميالين) يمكنها القيام بأمرين: التكاثر لزيادة عددها أو النضوج لبدء إنتاج الميالين. 

يُعدّ الاختيار بين هذين الأمرين أمرًا بالغ الأهمية، فالتكاثر المفرط دون نضوج يؤخر تكوين الروابط؛ والنضوج المبكر دون عدد كافٍ من الخلايا يُحدّ من النمو، وهنا يأتي دور الجلوكوز.

ويوضح سوما قائلا: “تُظهر نتائجنا أن الجلوكوز ليس مجرد وقود للدماغ، بل هو أيضاً إشارة للخلايا للانقسام، فعندما ترتفع مستويات الجلوكوز في منطقة معينة، تستخدمه الخلايا الجذعية للتكاثر، ومع تغير هذه المستويات، تتغير وظيفة الخلايا نفسها وتبدأ بالنضوج. إنه نظام أيضي منسق يُسهم في تشكيل نمو الدماغ".

وتمكن فريق سوما من رصد هذه العملية بدقة غير مسبوقة من خلال رسم خرائط لمستويات الجلوكوز في أدمغة الفئران النامية، وقد وجدوا نمطًا ديناميكيًا: فالمناطق ذات مستويات الجلوكوز الأعلى تضم خلايا متوسعة، بينما المناطق ذات مستويات الجلوكوز الأقل تضم خلايا بدأت تتخصص وتبني الميالين.

ويكمن جوهر هذه الآلية في إنزيم يُدعى لياز سترات الأدينوسين ثلاثي الفوسفات (ACLY)، والذي يعمل كوسيط بين الطاقة والوراثة، إذ يحوّل مشتقات الجلوكوز إلى جزيئات تُنشّط الجينات المرتبطة بتكاثر الخلايا، وعندما قام العلماء بإزالة هذا الإنزيم، توقفت الخلايا عن التكاثر بشكل طبيعي، مما أدى إلى انخفاض مؤقت في الميالين.

ومع ذلك، وجد النظام مخرجًا، تمكنت الخلايا من النضوج باستخدام مصادر طاقة أخرى، مثل الأجسام الكيتونية (مركبات ينتجها الكبد عندما يكون مستوى الجلوكوز غير كافٍ)، في الواقع، عندما تم تغذية الحيوانات بنظام غذائي كيتوني، تحسنت حالات نقص الميالين.

وتضيف باتريزيا كاساتشيا، المشاركة في تأليف الدراسة: "تكشف هذه الدراسة أن نفس سلالة الخلايا تفسر إشارات أيضية مختلفة في مراحل نمو مختلفة، ومن خلال فهم كيفية تنظيم الجلوكوز ومصادر الطاقة الأخرى لتكاثر الخلايا وتكوين الميالين، فإننا نكشف عن استراتيجيات أيضية جديدة يمكن استخدامها لحماية الميالين في الدماغ النامي، بل وتعزيز إصلاحه في حالات الأمراض".

يأتي هذا الاكتشاف في وقت بالغ الحساسية، فالفترة التي دُرست في النماذج الحيوانية تُقارب الأسابيع الأخيرة من الحمل البشري، وهي فترة حرجة يكون فيها الدماغ شديد الحساسية، وقد تؤثر أي تغييرات في هذا التوازن الأيضي على تكوين المادة البيضاء، مما قد يُؤدي إلى عواقب طويلة الأمد.

وهنا يبرز سؤال لا مفر منه، وإن كان مزعجاً: ما هو دور البيئة الغذائية في كل هذا؟.

لا يتعلق الأمر بإثبات علاقة مباشرة أو مبسطة بين استهلاك السكر ونمو الدماغ، فالدراسة لا تدّعي ذلك، لكنها تشير إلى شيء أكثر دقة: أن الدماغ النامي لا يحتاج إلى الطاقة فحسب، بل يستجيب أيضاً لكيفية توزيع هذه الطاقة وتغيرها مع مرور الوقت.

بمعنى آخر، لا يقتصر الأمر على الكمية فحسب، بل على الكيفية والتوقيت، ولعلّ في هذه الفكرة صدىً بديهي، ففي مرحلة الرضاعة، وحتى قبل الولادة، يبدو الكائن الحي شديد الحساسية للتوازن، وكأنّ النمو لا يعتمد على إمداد ثابت، بل على تغييرات تُشير إلى وقت النمو ووقت التحوّل.

وتتجاوز الآثار المترتبة على ذلك مرحلة النمو، يمكن أن تستفيد اضطرابات مثل التصلب المتعدد، الذي يتميز بفقدان الميالين، في المستقبل من استراتيجيات تعدل هذه المسارات الأيضية - ليس فقط عن طريق إصلاح الضرر، ولكن أيضًا عن طريق فهم كيفية تحفيز النظام نفسه على إعادة البناء.

لكن في الوقت الراهن، تكمن قيمة هذا الاكتشاف في جوهره، فهو يُذكّرنا بأن الدماغ ليس مجرد آلة تستهلك الطاقة فحسب، بل هو نظام يقرأها ويُفسّرها ويُترجمها إلى قرارات خلوية، وفي هذه اللغة الصامتة، لا يُعدّ الجلوكوز مجرد غذاء، بل هو معلومات.

اقرأ أيضًا..

دراسة حديثة: عصير البرتقال قد يرطبك أفضل من الماء!

search