الثلاثاء، 05 مايو 2026

10:30 م

استراحة طه حسين بالمنيا.. هنا فك عميد الأدب العربي طلاسم الصمت وكتب دعاء الكروان

استراحة طه حسين بالمنيا

استراحة طه حسين بالمنيا

في قلب الصحراء الغربية بمحافظة المنيا، وعلى بُعد نحو 65 كيلومتراً من عاصمة الإقليم، تقف استراحة بسيطة من طابقين شيدت بالطوب اللبن، تحكي جدرانها قصة عشق بدأت منذ ثلاثينيات القرن الماضي بين "عميد الأدب العربي" طه حسين، وبين عبق التاريخ في منطقة "تونا الجبل" الأثرية بمركز ملوي.

لم تكن تلك الاستراحة مجرد سكن صيفي، بل كانت محراباً فكرياً وملاذاً للأعصاب المثقلة بهموم العاصمة، حيث اعتاد “عميد الأدب العربي” المجيء إليها سنوياً في رحلة استجمام تمتد من شهر ونصف إلى ثلاثة أشهر، ليعيد شحن طاقته الإبداعية وسط هدوء الصحراء الساحر.

من كواليس "الحفائر" إلى "صداقة فرنسية"

يكشف فرج الجهمي، مدير السياحة بمنطقة تونا الجبل، في تصريحات خاصة لـ "تليجراف مصر"، عن الجانب التاريخي الذي ربط العميد بهذا المكان، ففي عام 1931، حين كان طه حسين عميداً لكلية الآداب بجامعة القاهرة، كان قسم الآثار تابعاً لكليته، وبصفته عميد الكلية كان لابد من موافقته على الدعم المالي صرف مبلغ 500 جنيه – وهو رقم ضخم آنذاك – لدعم بعثة الجامعة للكشف عن مقابر تونا الجبل.

ويضيف "الجهمي": العلاقة لم تكن إدارية فحسب، بل كانت صداقة أسرية قوية جمعت طه حسين بالدكتور سامي جبرة، رئيس البعثة والقائم بالحفائر، كلاهما نهل من الثقافة الفرنسية، وزوجتاهما فرنسيتان، مما خلق تناغماً فكرياً واجتماعياً فريداً.

558906057_1378788516951026_8048787522402411759_n
استراحة طه حسين بتونا الجبل

ميلاد الاستراحة: صالون ثقافي وسط الرمال

نظراً لتردد العميد المستمر على المنطقة، قرر سامي جبرة ، بناء استراحة خاصة لطه حسين وزوجته في عام (1935-1936)، حيث بنيت بطابع يغلب عليه البساطة والأناقة القديمة، بمساحة 55 متراً، محاطة بسور صغير من الطوب اللبن، لتتحول سريعاً إلى "قبلة" لمثقفي مصر.

ويؤكد مدير تنشيط السياحة أن الاستراحة شهدت ما يشبه الصالون الثقافي الدائم، حيث زارها عمالقة الفكر مثل عباس محمود العقاد، ملوك، وزراء، وسفراء أجانب، وسياسيون بارزون، مما جعل من "تونا الجبل" واحة للأدب والسياسة في قلب الجبل.

هنا غرد "الكروان".. ونامت "شهيدة الحب"

بين شرفات هذه الاستراحة وهدوء لياليها، وُلدت فكرة رواية "دعاء الكروان" وأعمال أدبية أخرى، كان العميد يجلس لسماع صوت الكروان في سكون الليل، كما كان يجد أنسه بين العمال المقيمين، يشاركهم أحاديثهم ويقيم لهم حفلات التحطيب والفن الشعبي في فناء منزله.

أما الجانب الأكثر شاعرية، فهو علاقة طه حسين بضريح "إيزادورا"، تلك الفتاة اليونانية التي ماتت غرقاً في النيل فداءً للحب. لُقبها العميد بـ "شهيدة الحب"، وكان يحرص على زيارة مرقدها، يشعل الشموع ويضع الورود والبخور، مستمعاً لأبيات الرثاء الحزينة التي تركها والدها على باب الضريح بصوت صديقه سامي جبرة.

48664-استراحة-طه-حسين-(4)
ذكريات من لقاءات طه حسين وسامي جبرة 

بين السينما والواقع

يستكمل مدير منطقة الآثار بتونا الجيل في تصريحاته لـ “تليجراف مصر”، بالإشارة إلى أن الارتباط الوجداني بالمنطقة امتد للسينما، حيث زار المخرج هنري بركات وفريق عمل فيلم "دعاء الكروان" الموقع لمعاينة الاستراحة وتصوير أجزاء صغيرة من الأحداث، قبل أن يتم بناء ديكور مماثل في "استوديو النحاس" لصعوبة ظروف التصوير في الجبل وقتها.

تتكون الاستراحة من طابقين فيضم الطابق الأول مكتبة خاصة للعميد وغرفة متسعة لاستقبال الضيوف، والطابق الثاني غرفتين وصالة معيشة وشرفة تطل على الأثر العظيم، وقد شهدت الاستراحة مؤخراً بعض أعمال الترميم للحفاظ على معالمها وتاريخها من الاندثار، لتبقى شاهداً حياً على زمن "العميد" الجميل.

WhatsApp Image 2026-05-05 at 4.13.36 PM
استراحة طه حسين بتونا الجبل

ورغم القيمة التاريخية الكبيرة لاستراحة طه حسين ابن محافظة المنيا، وهى آخر ما تبقي له في مسقط رأسه، إلا أن الاستراحة تشهد تهميشًا كبيرًا دون الاستفادة منها، وكذلك بدأت تظهر بعض التشققات داخل جدرانها.

كما حضر الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة السابق إلى منطقة تونا الجبل منذ 5 أعوام تقريبًا على هامش اكتشاف أثري جديد بالقرب من تلك الاستراحة، وأعلن حينها عن النية لتحويل الاستراحة لمتحف يضم متعلقات ويحكي حياة الاديب، دون أن يذكر التفاصيل، إلا أن ذلك لم يحدث.

search