السبت، 16 مايو 2026

04:58 ص

(اقتلوا/ ارحموا) كلاب السكك!| خارج حدود الأدب

الكلاب؛ تلك الكائنات اللطيفة الوفية التي تلعب وتحرس وتصطاد وتمتع وتفرح الصغير والكبير، كائنات، بل أرواح تستحق الرحمة؛ تستحق الحياة.

والكلاب؛ تلك الكائنات المتوحشة التي تهدد الآمنين، وتعقر الكبير والصغير، وتملأ الشوارع بنباحها المزعج، كائنات مؤذية تستحق الموت، بل القتل.

جدلٌ لم يكن أبدًا وليد اللحظة أو الصدفة، بل قد يمتد زمانه إلى تاريخ لم يرصده البشر، منذ الوجود الأول لتلك الكائنات على سطح البسيطة. وللمصادفة، يزخر هذا التاريخ بالحكايات والقصص التي تبدو متناقضة ومتباينة في الإطار ذاته، واليوم اخترت لكم من أعماق التاريخ قصة قد تعكس ما يحدث اليوم، ربما بحذافيره وتفاصيله، لنقف على أحداثها، لعلنا نأخذ منها العبرة والعظة، وربما تحسم أمر هذا الاستقطاب لأحد الجانبين.

كانت المدينة المنورة بعد الهجرة مجتمعًا يبحث عن الأمان والسلام والاستقرار والنمو، وكأي مجتمع بيئي متكامل كانت الكلاب جزءًا منه. وفي الحقيقة، لم تكن الكلاب تمثل أية مشكلة، فقد ورد في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:  «كانت الكلاب تقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله ﷺ، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك».

إذن، كانت الكلاب موجودة في المدينة بشكل طبيعي غير مؤذٍ، على الرغم من كثرتها، حتى إن إحدى روايات الحديث السابق كانت تقول إن هذه الكلاب كانت «تقبل وتدبر وتبول». تخيل: تبولٌ في المسجد دون اتخاذ أي إجراء مضاد!

ولكن، في لحظة حاسمة لا تذكر كتب الحديث سببها ولا خلفياتها، تَحوَّلت الصورة فجأة في الروايات، فنجد رسول الرحمة ﷺ يأمر بقتل الكلاب في المدينة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، فأرسل في أقطار المدينة أن تُقتل».

وبالفعل، امتثل المسلمون لأمر رسول الله ﷺ في حملة للقضاء على كلاب المدينة كافة، ولكن الوضع لم يستدم على هذا الشكل، فسرعان ما أمر الرسول الكريم باستثناء كلاب الصيد وكلاب الغنم، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال:  «أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ثم رخّص في كلب الصيد وكلب الغنم».

إذن، يبدو أن ظرفًا استثنائيًا استدعى الأمر الأول، ثم كانت هناك مراجعة للأمر بعد انحسار آثار هذا الظرف، وتتضح الرؤية تمامًا فيما حدث لاحقًا، حينما اقتصر الأمر فقط على الكلب العقور؛ أي الكلب المؤذي أو المسعور. فقد ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «خمسٌ من الدواب كلهن فواسق يُقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور».

هنا تتضح الصورة بلا التباس؛ فإن حماية سلامة المجتمع وأمنه هي المعيار الأول لقيام الأمم واستقرارها. فلما كان انتشار الكلاب في المدينة، وتفشي إيذائها للبشر بسبب السعار أو ما شابه، سببًا في تهديد الناس، كانت الأولوية لأمن الإنسان وإزالة مسببات هذا الأذى، واتضح ذلك في الاقتصار لاحقًا على الكلاب العقورة والمؤذية.

ولعل أحدكم الآن يستنكر هذا الكلام، ويقول لي: كيف لك أن ترمي النبي ﷺ بهذا الهراء، وهو الرحمة المهداة، والذي ورد عنه في صحيح البخاري وصحيح مسلم:  «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له».

كما ورد عنه ﷺ في صحيح البخاري وصحيح مسلم:  «أن امرأة بغيًّا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر، قد أدلع لسانه من العطش، فنزعت له بموقها فسقته، فغفر لها به».

ولعلك تتساءل: كيف لهذا التناقض الكبير في التعاطي مع الكلاب أن يصدر عن نبي الإسلام؟ أقول لك يا صديقي: لا يوجد أي تناقض على الإطلاق، بل هو الاتساق الكامل مع شريعة الخالق وفطرته، بلا حياد ولا انحراف. والخلاصة أن أي كائن، أيًّا كان، ما دام لم يكن مصدرًا واضحًا وصريحًا لإيذاء البشر، فهو أولى بالرحمة والحياة.

وعلى النقيض، فإن أي كائن يمثل تهديدًا حقيقيًا وخطيرًا للإنسان يجب التعامل معه بالشكل المناسب للظروف والزمان والمكان.

وهنا أسألك يا صديقي: لماذا لم تنشأ جمعيات لحماية حقوق العقارب، ودعم حرية تنقلها، بل حياتها في الشوارع؟ أو مثلًا الأفاعي السامة؟ لماذا نأتي لها بمن يتعامل معها ويكفّ عنا خطرها؟

هذا هو جوهر المعضلة، وحلها في ذات الوقت.

طالما كانت الكلاب في الشوارع بالشكل الطبيعي غير المؤذي، فهي أولى بالرحمة. أما ما أصابه السعار، أو تعمد إلحاق الأذى بالبشر ونغّص على الناس معيشتهم، فوجب على ولي الأمر إيجاد الحل المناسب للتخلص من شره الذي يهدد المجتمع.

لا أعتقد أن أحدًا من أعداء الكلاب المنتشرين الآن على منصات التواصل لم يستمتع يومًا بملمس فرو كلب هادئ مسالم، أو على الأقل لم يبتسم مرة أمام مقطع طريف لكلب. وعلى الجهة المقابلة، لن تجد فردًا من محبي الكلاب والداعين إلى رحمتها لم يتأذَّ لطفل أو فتاة عقرها كلب مسعور.

تلك هي المعادلة التي أقرها رسول الله ﷺ منذ فجر الإسلام، والمقياس واحد: من سلم يسلم ويُرحم، ومن آذانا نستبعده ونستأصله.

معادلة بسيطة، لو أدركناها، قد نقلل حدة الاستقطاب. وهنا أهيب بالمنظمات والهيئات المجتمعية والحكومية أن ترسخ دورها في التعامل مع هذه الظاهرة بالشكل المناسب للفرد والمجتمع، وأنا موقن أن لديهم من الحلول المناسبة والناجعة، ولنترك الاستقطاب جانبًا قبل أن تأخذنا الكلاب على منصات التواصل «خارج حدود الأدب»..

search