الأربعاء، 20 مايو 2026

07:36 م

محمد مازن الكاتب الصحفي والخبير بوكالة شنخوا الصينية

محمد مازن يكتب: كيف تعلمتُ النظام في الصين؟!

كيف ألبستني الصين "الخوذة" دون كلمة؟ أو بمعنى آخر كيف تعلمت النظام في الصين؟

لم أتعلّم النظام من محاضرة… ولا من لافتة تقول “التزم”، ولا من "إعلان" توعوي أو "مكافأة" على سلوك منضبط.

تعلمته… لأنني لم أجد خيارًا آخر..

في بكين، حيث أعمل وأقيم منذ سنوات، أدركت سريعًا أن البنية التحتية ليست مجرد طرق وجسور وأنفاق وأرصفة، بل لغة صامتة تعيد تشكيل السلوك. هناك، لا يُطلب منك أن تكون منضبطًا… بل توضع في بيئة تجعل الانضباط هو الطريق الوحيد الممكن.

ربما لهذا السبب كنت مفتونًا بما أراه يوميًا. فمنذ صغري وأنا مهتم بعلم النفس السلوكي، وبكيفية فهم سلوك البشر وتوجيهه وتدريب الناس على أنماط معينة من التصرف. كنت أقرأ عن هذه الأفكار باعتبارها معارف نظرية جميلة، لكنها بعيدة عن التطبيق الواقعي. لم أكن أتصور أن تتحول تلك النظريات إلى جزء حي من تفاصيل الحياة اليومية.

لكن مع الوقت، أدركت خطئي..

في الصين، يستخدم علم السلوك حرفيًا في تصميم المدن، وإدارة الشوارع، وتنظيم الحركة، وحتى في أبسط التفاصيل اليومية. هناك فهم عميق لفكرة أن الإنسان لا يتغير فقط بالنصيحة… بل بالبيئة التي تحيط به.

في البداية، اصطدمت بما ظننته “تشدّدًا زائدًا”. حواجز حديدية بيضاء تفصل بين الحارات في الشوارع، تمنعك ببساطة من عبور الطريق عندما تريد. لا أحد يصرخ فيك أو يلاحقك، لكنك لا تستطيع المخالفة حتى لو أردت.

ومع الأيام، لم أعد أفكر أصلًا في كسر القاعدة، حتى بعد اختفاء بعض هذه الحواجز… لأن الجسد تعلّم قبل العقل.

ثم جاءت التفاصيل الأصغر… لكنها الأعمق أثرًا..

في مسارات الدراجات، لم يكن الالتزام خيارًا أخلاقيًا، بل نتيجة تصميم دقيق. أسهم أرضية واضحة، مسارات معزولة، وأحيانًا عناصر بشرية أو حواجز تغلق الاتجاه الخاطئ أثناء الإشارة الحمراء. حاولت في البداية الالتفاف أو اختصار الطريق، لكن البيئة نفسها كانت تعيدني إلى المسار الصحيح. لم تكن هناك غرامات فورية دائما… بل تدريب يومي صامت.

حتى الطوابير لم تكن مجرد “ثقافة شعب”. في محطات الحافلات والمطارات، تُصمم المسارات بحواجز مرنة تجعل الطابور يتشكل تلقائيًا. لا تحتاج إلى من يطلب منك الوقوف في صف… لأن المكان نفسه يدفعك لذلك بهدوء.

وأتذكر كيف بدأت ظاهرة الدراجات التشاركية في الصين بشكل فوضوي نسبيًا. كانت الدراجات تُترك على الأرصفة وفي جوانب الطرق بصورة عشوائية تشوّه المشهد وتعطل حركة المارة. لكن مع الوقت، بدأ يظهر ما يشبه “جيشًا جرارًا” من العمال، مهمته إعادة توزيع هذه الدراجات وتنظيمها داخل مناطق ركن محددة على الأرصفة، بحيث لا تعترض الحركة.

ثم جاء الجزء الأذكى: التوجيه البصري والتقني.

بدأ المستخدمون يعتادون تدريجيًا على إعادة الدراجات إلى أماكنها الصحيحة، ليس فقط بسبب التعليمات، بل لأن الدراجة نفسها لن تُغلق عبر التطبيق إلا إذا كانت داخل نطاق الركن المسموح. وإذا لم تُغلق… يستمر التطبيق في احتساب التكلفة من حساب المستخدم.

هنا فهمت كيف تُصمم السلوكيات الحديثة: ليس بالعقاب المباشر دائمًا، بل بجعل السلوك الصحيح هو الأسهل والأوفر والأكثر راحة.

حتى أثناء قيادة السيارة، تعلمت الدرس بالطريقة الصعبة.

في البداية، كنت أحيانًا أركن في المكان الخطأ دون انتباه، فتصلني فورًا مخالفة على الهاتف مرتبطة بنظام الدفع الإلكتروني. مرة ذهبت للاعتراض، وتم بالفعل إلغاء المخالفة لأن وقوفي كان لسبب طارئ ولمدة قصيرة. لكنني منذ ذلك اليوم أصبحت أكثر انتباهًا لاختيار المكان الصحيح.

الأصعب كان مع السيارة و السرعة.

لم أكن منتبهًا في البداية إلى أن السرعات المحددة تتغير أحيانًا على الطريق نفسه. وفي أقل من تسع دقائق، سجلت الكاميرات مخالفتين سرعة متتاليتين، خُصم بسببهما تسع نقاط من أصل اثنتي عشرة نقطة سنوية، إضافة إلى الغرامة المالية.

حاولت الاعتراض، لكن دون جدوى.

ومن بعدها، اضطررت لحضور عدة محاضرات تدريبية عبر الإنترنت، لا تقل الواحدة منها عن ثلاثين دقيقة، حتى أستعيد بعض النقاط المفقودة، ومنعا لسحب الرخصة مع اول مخالفة.

وقتها فقط أدركت أن المسألة لا تتعلق بغرامة أو عقوبة، بل بمحاولة إعادة تشكيل سلوك السائق نفسه قبل أن يتحول الخطأ إلى كارثة.

ومع مرور الوقت، لاحظت تحولًا داخليًا حقيقيًا.

لم أعد ألتزم لأن هناك قانونًا فقط… بل لأن السلوك نفسه أصبح طبيعيًا، فلبست الخوذة تلقائيا عندما قررت حكومة بكين فرضها عند التحرك بالاسكوترات.

هنا فهمت الفارق الجوهري: النظام لا يبدأ من الوعي… بل هو الذي يصنع الوعي.

في مصر، كثيرًا ما نعول على فكرة أن الناس “ستفهم مع الوقت”. لكن تجربتي تقول إن الفهم لا يسبق التنظيم… بل يأتي بعده..

مشاهد العبور العشوائي، والركن في الممنوع، والوقوف في صفوف متعددة، وتجاهل الأولوية، والسرعات الزائدة، والتوقف المفاجئ لالتقاط الركاب… ليست دائمًا دليل جهل أو سوء نية، بل نتيجة بيئة تسمح بالخطأ بسهولة ولا تدفع الناس تلقائيًا نحو السلوك الصحيح.

أتذكر حوادث كثيرة كان يمكن تفاديها ببساطة. مثل حادث كورنيش الإسكندرية الذي فقدت فيه أسرة كاملة حياتها… ربما كان حاجز بسيط كافيًا لمنع عبور خاطئ وإنقاذ أرواح.

لكن المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في غياب الاستمرارية.

كم مرة رأينا حارات دراجات تُرسم ثم تُترك بلا حماية؟ أو مسارات منظمة يمكن اختراقها بسهولة؟ في النهاية، يعود الناس لما اعتادوه، لا لأنهم يرفضون النظام… بل لأن البيئة نفسها لا تدعمه. مثل الجسور التي تُقام أسفلها محال تجارية، فيضطر الزبائن لعبور الطريق وسط السيارات للوصول إليها.

ما تعلمته في الصين لم يكن “الانضباط الصيني” بقدر ما كان فهمًا عميقًا لما يمكن تسميته بـ"هندسة السلوك".

الفكرة تبدأ بخطوات بسيطة: تصميم يمنع الخطأ، ثم توجيه بصري واضح، ثم عنصر بشري يوجّه، ثم تطبيق تدريجي للقانون… حتى يتحول الالتزام إلى عادة، ثم إلى ثقافة مستقرة.

النظام لا يُفرض فجأة… ولا يُبنى بالكلام وحده.. إنه يُصمم.

وربما ما نحتاجه ليس أن نطلب من الناس أن يكونوا أفضل…

بل أن نبني لهم مدينة تجعل الأفضل… أسهل.

رابط مختصر

تابعونا على

search