الجمعة، 22 مايو 2026

10:03 م

بعض الحكايات لا تستحق فرصة ثانية

كان المطار مزدحماً كعادته، وجوهٌ عابرة، حقائب تتدحرج على الأرض، ونداءات الرحلات تتردد في الأرجاء بلا اكتراث لأحد. وبينما كانت تجرّ حقيبتها بخطوات متعبة، لمحته يتجه نحوها.

توقفت لثوانٍ قصيرة، كأن الزمن قرر أن يعيد إليها ما دفنته منذ سنوات.

صافحها بابتسامة واسعة، تلك الابتسامة التي كانت ذات يوم قادرة على أن تربك قلبها وتربك معها العالم كله. هي نفس الابتسامة و لكن تعلوها آثار سنوات مضت. صافحها بحرارة وهو ينظر سريعاً إلى يدها اليسرى، يبحث بعينيه عن خاتم الزواج. وحين لم يجده، ارتسمت على وجهه راحة خفية لم يستطع إخفاءها. سألها عن أحوالها، عن حياتها، عن السنوات التي مرت. تحدث معها وكأنه يحاول أن يستعيد دفئاً قديماً ضاع منه. وسألها لو كانت ما زالت تحتفظ بنفس رقم هاتفها ولمّا أجابت بالنفي طلب منها رقمها الجديد. وبابتسامة انتصار خفيفة رفضت ثم أشاحت بوجهها وانصرفت، مبررةً ذلك بقرب موعد إقلاع الطائرة. 
ولأنني صاحبة قناعة الفرصة الثانية وأحيانا الثانية عشرة، سألت صديقتي وهي تروي لي الموقف عن رفضها فجاء الرد سريعاً: لقد أضاع خمس سنوات من عمري وليس لديّ خمس دقائق لأضيّعها معه الآن. خمسة أعوام كاملة كانت تنتظره فيها.

تفسر صمته بحسن نية، وتبرر غيابه بانشغاله، وتقنع نفسها أن الحب الحقيقي صبور. صديقتي لم تكن غاضبة منه حين رأته في المطار. الغضب مرحلة يتجاوزها الإنسان بعد وقت.

كانت فقط تتذكر نفسها القديمة… تلك الفتاة التي أضاعت خمس سنوات تنتظر اهتماماً كاملاً لم يأتِ، تنتظر وضوحاً لم يحدث، تنتظر رجلاً كلما اقترب خطوة تراجع خطوتين.
خمسة أعوام وهي تفسر صمته بحسن نية، وتبرر قسوته بضغوط الحياة، وتخيط أعذاره بيديها كي لا يسقط من عينيها.

وهذه إحدى أبشع صور الخذلان؛ أن يتحول الإنسان إلى محامٍ يدافع عن الشخص الذي يؤذيه. ونتصور أحياناً أن الذين نحبهم لا بد أن يعودوا يوماً أكثر وضوحاً وصدقاً. لكنهم لا يعودون أبداً، حتى وإن وقفوا أمامك بعد سنوات. لأن النسخة التي أحببتهم بها تكون قد ماتت في داخلك منذ زمن.

طلبه لرقم الهاتف لم يكن لإبداء الندم أو طلب المغفرة، إنما كان فقط لإرضاء غروره وظنه أنها لم تحب أحداً بعده. أو ربما لإحياء علاقة تستنزف ما بقي في قلبها من مشاعر ليعود لخذلانها مرات ومرات لإثبات قدرته على السيطرة عليها. 
بعض الناس يظنون أن الخذلان يُنسى مع الوقت. الحقيقة أنه لا يُنسى، لكنه يتحول إلى معرفة. معرفة قاسية تجعل الإنسان أكثر حذراً، أقل اندفاعاً، وأشد خوفاً من التعلق. بعد الخذلان لا يعود المرء كما كان؛ يصبح أكثر ميلاً للصمت، أقل تصديقاً للكلمات، وأكثر انتباهاً للتفاصيل التي كان يتجاهلها سابقاً.

ولهذا رفضت أن تعطيه رقمها. ليس كبرياءً فقط، بل احتراماً لتلك النسخة القديمة منها التي بكت كثيراً بسببه. كانت تعلم أن بعض الأبواب إن فتحت مرة أخرى أعادت معها كل التعب الذي احتاج الإنسان سنوات ليتعافى منه.
ثمة أشخاص يعودون متأخرين جداً، يعودون بعدما تنطفئ الرغبة، بعدما يتعلم القلب كيف يعيش بدونهم، بعدما يستهلك الانتظار أعمارنا الجميلة.
أما الرجل فإنني على يقين أنه لم يعرها اهتماماً لوقت طويل، فهي واحدة من كثيرات كُسرت قلوبهن بسببه. فالصياد لا يلتفت للضحية ولا يكترث لها وكل ما يهتم به هو ذاته وأنانيته التي تسيطر على عقله.  
لذا تكون النجاة من حب مؤذٍ أعظم أشكال القوة، ويكون الانصراف بهدوء أكثر شجاعة من البقاء. لم تكن تكرهه، لكنها أخيراً أحبت نفسها بما يكفي كي لا تعود..

title

مقالات ذات صلة

search