الخميس، 28 مايو 2026

02:05 ص

حرب الاستنزاف التكنولوجي.. إسرائيل ومعضلة غزو لبنان

منذ اندلاع المواجهة المفتوحة على الحدود اللبنانية بعد 7 أكتوبر 2023، دخلت إسرائيل وحزب الله في حرب استنزاف طويلة منخفضة الوتيرة تعتمد على الضربات المتبادلة والعمليات المحدودة.

لكن التطورات الأخيرة، خاصة التوغل البري الإسرائيلي خارج «الخط الأصفر»، تشير إلى تحول لافت في طبيعة المواجهة.

معضلة تكنولوجية

في 26 مايو 2026، أعلنت إسرائيل توسيع عملياتها البرية داخل جنوب لبنان، متجاوزة «الخط الأصفر» الذي اعتمدته بعد وقف إطلاق النار. 

جاء هذا التوسع كرد فعل مباشر على تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله، خاصة الدرونات الانتحارية من نوع FPV (First Person View) المجهزة بتقنية الألياف البصرية.

هذه المسيّرات أصبحت التهديد اليومي الأبرز للقوات الإسرائيلية، حيث تسببت في خسائر بشرية مستمرة حتى بعد بدء الهدنة.

ما وراء الخط الأصفر

دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 17 أبريل 2026 بوساطة أمريكية، وتم تمديده لاحقاً. 

اعتمدت إسرائيل «الخط الأصفر» كمنطقة فصل أمنية داخل الأراضي اللبنانية، وهي منطقة عازلة تمتد 5-10 كم شمال الحدود، وتشمل في بعض التصورات مناطق واسعة جنوب نهر الليطاني.

ومع ذلك، بدأت القوات الإسرائيلية في مايو تنفيذ عمليات برية وتوسيع سيطرتها خارج هذا الخط بهدف تقليص قدرة حزب الله على إطلاق المسيّرات. 

الهدف المعلن: إبعاد عناصر الحزب عن الحدود وتدمير بنيته التشغيلية.

خصائص معضلة المسيّرات

برزت الطائرات المسيّرة FPV، خاصة المعتمدة على الألياف البصرية، كسلاح رخيص وعالي التأثير:

•  صعوبة الرصد: طيران على ارتفاعات منخفضة وبصمة إلكترونية ضعيفة.

•  مقاومة التشويش: نقل الصور والأوامر عبر كابل ألياف بصرية رفيع.

•  تكلفة غير متكافئة: درون ببضع مئات أو آلاف الدولارات مقابل مئات الآلاف لاعتراضه.

•  مرونة عالية: نموذج انتشار لا مركزي يسمح بإعادة التموضع السريع.

هذا النموذج يحول الحرب من مواجهة تقليدية إلى استنزاف مستمر.

ماذا تريد إسرائيل فعلاً من لبنان؟

تعلن إسرائيل أهدافها الرسمية:

•  إبعاد حزب الله عن الحدود.

•  إنشاء منطقة عازلة.

•  تقليص القدرات الصاروخية والمسيّرة.

•  استهداف البنية العسكرية للحزب.

لكن الواقع يجمع بين هذه الأهداف الأمنية العاجلة والأبعاد التاريخية الاستراتيجية.

لبنان وإسرائيل الكبرى

يتقاطع التحرك الإسرائيلي الحالي في جنوب لبنان مع أبعاد تاريخية أعمق ترتبط بمفهوم «إسرائيل الكبرى».

وقد عبر قادة صهاينة بارزون مثل دافيد بن غوريون وزئيف جابوتنسكي عن رؤية استراتيجية ترى في نهر الليطاني الحد الشمالي الطبيعي للدولة اليهودية، لأسباب أمنية ومائية. 

تجلت هذه الرؤية عملياً في عملية «الليطاني» عام 1978 وعملية «سلامة الجليل» عام 1982.

ورغم أن إسرائيل تنفي رسمياً أي أطماع توسعية اليوم وتؤكد أن تحركاتها أمنية بحتة، إلا أن الإصرار المتكرر على السيطرة حتى الليطاني وإقامة عمق أمني دائم يُفسر من قبل كثير من المحللين على أنه امتداد لتلك التصورات التاريخية.

لماذا فشلت الهدنة عملياً؟

تحولت الهدنة إلى وقف إطلاق نار هش.

إسرائيل تقول إنها تحتفظ بحق الدفاع الاستباقي والعمليات داخل المنطقة، بينما يرى حزب الله أن التوغلات والضربات والتدمير المنهجي للمنازل مبرراً للرد بالمسيّرات.

النتيجة: اشتباكات شبه يومية، استمرار النزوح على جانبي الحدود، وخسائر متبادلة.

السيناريوهات القادمة

تبدو الخيارات الإسرائيلية محصورة بين:

1.  توسيع المنطقة العازلة شمال الخط الأصفر، وحتى الليطاني.

2.  تكثيف الاغتيالات الدقيقة ضد مشغلي ومهندسي المسيّرات.

3.  سباق تكنولوجي لتطوير وسائل اعتراض رخيصة (أسلحة ليزر، أنظمة كهرومغناطيسية، درونات مضادة).

4.  ضغط سياسي ودبلوماسي على الدولة اللبنانية والجيش اللبناني للحد من نشاط حزب الله.

معضلة إسرائيل القديمة الجديدة

في الثمانينيات والتسعينيات، واجهت إسرائيل حرب عصابات تقليدية. 

اليوم تواجه نموذجاً جديداً قائماً على التكنولوجيا الرخيصة والمتنقلة. 

لم تعد المسألة في حجم الترسانة فقط، بل في القدرة على التكيف مع «حروب الاستنزاف».

قد تكون هذه المواجهة نموذجاً مبكراً لحروب المستقبل، حيث تتحدى التكنولوجيا المتاحة للجميع التفوق العسكري التقليدي. 

وفي حروب الغد لن تكون الغلبة لمن يمتلك السلاح الأغلى، بل لمن يستطيع إنتاج وسائل استنزاف أسرع وأرخص وأكثر قدرة على التكيف.

search