الأربعاء، 24 يونيو 2026

08:04 ص

الكلاب الضالة.. بين حق الأمان وضرورة الحسم المنظم

تشهد الشوارع المصرية في السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في أزمة الكلاب الضالة، حتى باتت الظاهرة تتجاوز حدود المشهد العابر إلى كونها ملفًا يمس بشكل مباشر مفهوم الأمن المجتمعي وحق المواطن في الحركة الآمنة داخل بيئته اليومية، خاصة في المناطق السكنية المتقاربة والمدن الجديدة والقرى على حد سواء، وهو ما يجعل التعامل مع هذه القضية ضرورة لا تقبل التأجيل أو المعالجة الجزئية، ولم تعد المسألة مرتبطة بحوادث فردية منعزلة، بل أصبحت نمطا متكررا يفرض نفسه على النقاش العام في ظل تزايد الشكاوى من حالات العقر وما يصاحبها من حالة قلق داخل الأسر، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.

إن التعامل مع هذه الظاهرة لا يجب أن يختزل في ثنائية سطحية بين الرفق بالحيوان أو الإضرار به، لأن هذه المقاربة لا تعكس حقيقة المشكلة المركبة على الأرض، حيث تتداخل الأبعاد البيئية والصحية والأمنية والإدارية في آن واحد، ما يجعل من الضروري الانتقال من ردود الأفعال إلى رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على أدوات علمية وتشريعية وتنفيذية واضحة، والدول التي نجحت في إدارة هذا الملف لم تعتمد على الحلول العشوائية أو السياسات المؤقتة، وإنما على منظومات متكاملة تبدأ بحصر دقيق للأعداد، مرورا ببرامج التعقيم والتطعيم، وانتهاء بإنشاء مراكز إيواء وفق معايير إنسانية وصحية صارمة.

إن أحد أهم أسباب تفاقم الأزمة يرتبط بوجود بيئة حاضنة لانتشار هذه الكلاب، وعلى رأسها تراكم المخلفات في بعض المناطق، وضعف منظومة النظافة العامة في مواقع محددة، بما يوفر مصدرا غذائيا مستمرا يساعد على التكاثر والانتشار بالقرب من الكتلة السكنية، وهو ما يستدعي التعامل مع ملف إدارة المخلفات باعتباره جزءا أصيلا من أي حل شامل وليس ملفا منفصلا، لأن معالجة النتائج دون الاقتراب من الأسباب سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بشكل مستمر كما أن غياب التنسيق الكافي بين الجهات المعنية، وتعدد المسؤوليات دون آلية تنفيذ موحدة، أدى إلى حالة من التشتت في إدارة الملف، في حين أن طبيعته تتطلب درجة عالية من التنسيق المؤسسي وربما إدارة مركزية أو غرفة عمليات موحدة لضمان سرعة الاستجابة وفعالية التدخل.

لا يمكن إغفال أن المجتمع المدني يجب أن يكون شريكا أساسيا في هذه المعادلة، سواء من خلال المشاركة في حملات التوعية أو دعم برامج التعقيم والتطعيم أو المساهمة في إنشاء مراكز إيواء وفق معايير واضحة، بعيدا عن العشوائية أو الاجتهادات الفردية، بما يضمن تحقيق التوازن بين البعد الإنساني والبعد الصحي والأمني كما أن الدولة، وهي تتحرك في مسارات التنمية الشاملة، مطالبة اليوم بوضع هذا الملف على أجندة الأولويات التنفيذية باعتباره جزءا من منظومة الأمن المجتمعي والصحة العامة، وليس مجرد ملف خدمي ثانوي، وهو ما يتطلب خطة وطنية محددة الأهداف قابلة للقياس والمتابعة والتقييم المستمر.

إن أي مقاربة ناجحة يجب أن تقوم على ثلاث ركائز أساسية: الإدارة العلمية للظاهرة من خلال قواعد بيانات دقيقة وبرامج رصد ميداني، بالإضافة إلي التدخل البيئي عبر تحسين منظومة النظافة ومنع مصادر التغذية العشوائية، إلى جانب التطبيق الصارم للقانون بما يضمن ضبط التعامل مع الحيوانات الضالة والأليفة على حد سواء، ولا يقل أهمية عن ذلك ضرورة الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في إدارة هذا الملف، من خلال إنشاء قاعدة بيانات قومية لرصد أماكن انتشار الكلاب الضالة، وربطها بغرف عمليات المحافظات، بما يسمح بسرعة التدخل في المناطق التي تشهد شكاوى متكررة أو ارتفاعا في معدلات العقر كما يمكن إطلاق تطبيق إلكتروني يتيح للمواطنين الإبلاغ الفوري عن أماكن تجمع الكلاب الضالة، بما يعزز من كفاءة الاستجابة، ويحول المواطن من متلقي للخدمة إلى شريك في إدارة هذا الملف، وهو ما يتوافق مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي ورفع كفاءة الخدمات العامة.دها داخل النطاقات السكنية دون ضوابط فعالة.

إن التعامل مع هذا الملف باعتباره قضية هامشية لم يعد خيارا ممكنا في ظل ما يفرضه الواقع من تحديات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، لأن الأمن في أبسط تعريفاته يبدأ من الشارع، ومن قدرة المواطن على التحرك دون تهديد أو قلق، وبين من يطرح حلولا انفعالية حادة ومن يكتفي بالمقاربة الأخلاقية المجردة، تظل الحاجة قائمة إلى رؤية عقلانية متوازنة تدرك حجم المشكلة دون تهويل، وتتعامل معها دون تفريط، وتضع الإنسان في مقدمة الأولويات دون إغفال لمبدأ المسؤولية الإنسانية، لتتحول الأزمة من حالة رد فعل متكرر إلى منظومة إدارة مستدامة تعالج الأسباب من جذورها وتعيد للشارع المصري قدرته على أن يكون مساحة آمنة للجميع.

search