قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان.. هل نمنح المجلس أنيابه؟
ليست كل تعديلات القوانين مجرد تغيير في مواد أو إعادة ترتيب لعبارات؛ أحياناً يكون التعديل القانوني اختباراً سياسياً ومؤسسياً: هل نريد أن نُصلح المؤسسة فعلاً، أم نعيد تقديمها في صورة جديدة دون أن يتغير جوهرها؟ من هنا تأتي أهمية موافقة لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب على مشروع تعديل قانون المجلس القومي لحقوق الإنسان، فالخبر في ظاهره برلماني محدود: مشروع قانون، مناقشات داخل اللجنة، وموافقة تمهد لاستكمال المسار التشريعي. لكن جوهر المسألة أكبر من ذلك بكثير. نحن أمام مؤسسة يفترض أن تكون عيناً وطنية مستقلة على حالة حقوق الإنسان، وأن تكون جسراً بين الدولة والمواطن، لا مجرد عنوان مطمئن في التقارير الرسمية.
فالمجلس القومي لحقوق الإنسان ليس جمعية أهلية، وليس إدارة حكومية، وليس لجنة علاقات عامة، فهو مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، وهذه الصفة وحدها تضعه في موقع بالغ الحساسية، فهو جزء من بنية الدولة، لكنه مطالب في الوقت نفسه بأن يراقب أداء الدولة. لا يعادي السلطة، لكنه لا يجوز أن يذوب فيها. لا يخاصم مؤسسات الحكم، لكنه لا يؤدي دوره إذا تحول إلى صدى لها، ولذلك فإن كلمة السر في أي تعديل جديد يجب أن تكون: الاستقلالية.
والاستقلالية هنا ليست عبارة جميلة تضاف إلى ديباجة القانون، ولا شعاراً يقال في المناقشات العامة؛ فالاستقلالية نظام كامل يبدأ من طريقة تشكيل المجلس، ويمر بمعايير اختيار أعضائه، وضمان تعددية حقيقية داخله، ووضوح ولايته، وكفاية موارده، وحقه في الوصول إلى المعلومات، وتلقي الشكاوى، وزيارة أماكن الاحتجاز، وإصدار التقارير بحرية، ومتابعة تنفيذ التوصيات بجدية. فإذا غابت هذه الضمانات، أصبح المجلس مؤسسة حسنة النية محدودة الأثر. وإذا حضرت، أصبح قادراً على أداء دوره الصعب: أن يقول الحقيقة دون ضجيج، وأن ينبه إلى الخلل دون عداء، وأن يمنح الدولة فرصة للإصلاح من داخل مؤسساتها لا من خارجها.
التعديلات المطروحة تفتح باباً مهماً للنقاش، من بينها ما يتعلق بتوسيع دائرة الترشيح وإدخال الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية ضمن الجهات ذات الصلة، ومنها ما يتعلق بعدم انتماء أعضاء المجلس إلى أحزاب سياسية. وهذه نقاط تستحق النظر، لكنها لا تكفي وحدها.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من يرشح؟ بل: من يختار؟ وليس فقط: هل العضو غير حزبي؟ بل: هل هو مستقل فعلًا؟ فالاستقلال لا يعني غياب البطاقة الحزبية وحدها، بل غياب التبعية والمصلحة الضيقة. وفي هذه اللحظة يبرز دور السفير الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين، رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، بما يملكه من خبرة دبلوماسية وحقوقية، ومنها عمله ممثلاً دائماً لمصر لدى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف. هذه الخبرة يمكن أن تكون رصيداً مهماً للمجلس في المرحلة المقبلة، بشرط أن تتحول إلى قوة مؤسسية لا إلى لغة ناعمة فقط. فالمجلس يحتاج إلى قيادة تعرف كيف تخاطب الدولة دون أن تجاملها، وكيف تفهم المعايير الدولية دون أن تستدعيها ضد الوطن، وكيف تجعل من حقوق الإنسان ملفاً وطنياً لا مادة للسجال.
هنا يصبح دور رئيس المجلس مهماً في دفع المؤسسة إلى الأمام: تقارير أكثر جدية، تواصل أوسع مع المجتمع المدني، حضور أكبر في الشكاوى والملفات اليومية، وقدرة على تحويل الخبرة الدبلوماسية إلى دفاع ذكي عن استقلال المجلس ومصداقيته. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تأتي من موقع رئيسه فقط، بل من قدرة هذا الموقع على حماية المؤسسة وتقويتها. والقضية لا تنفصل عن ملف تصنيف المجلس أمام المؤسسات الدولية المعنية باعتماد المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان.
فالتصنيف ليس شهادة شرف تعلق على الحائط، ولا مكسباً بروتوكولياً يذكر في البيانات، بل هو اختبار مستمر لمدى توافق المجلس مع مبادئ باريس، وهي المبادئ التي تقيس الاستقلال والتعددية ووضوح الاختصاصات وكفاية الموارد وحرية الحركة. لذلك يجب ألا ننتظر حتى يصبح التصنيف موضع قلق أو مراجعة مرة أخري، ثم نبدأ في الدفاع والتبرير، الأفضل أن يعالج القانون الجديد من الآن أي ثغرة يمكن أن تمس استقلال المجلس أو تضعف صورته أو تقلل من ثقته لدى الداخل والخارج، فالمجلس القوي لا يحمي تصنيفه الدولي فقط، بل يحمي ثقة المواطن فيه، وهذه هي الشهادة الأهم.
والحقيقة أن الخطر الأكبر ليس أن تتراجع درجة المجلس في تصنيف دولي، رغم أهمية ذلك، بل أن يتراجع تصنيفه في وعي المواطن، وأن يراه الناس مؤسسة بعيدة، أو باباً لا يفتح، أو صوتاً لا يسمع، أو تقريراً يصدر ثم لا يترتب عليه شيء. عندها تصبح المشكلة أعمق من أي ملاحظة دولية، لأنها تمس جوهر العلاقة بين المؤسسة والمواطن الذي أنشئت من أجله.
فإن الدولة القوية لا تخاف من مجلس قوي لحقوق الإنسان، فالدولة الواثقة تعرف أن الاعتراف بالمشكلات ليس إدانة لها، بل بداية لحلها، وتعرف أن النقد المؤسسي الرصين لا يهدم الهيبة، وإنما يمنع تراكم الأخطاء، وتعرف أن حقوق الإنسان ليست ملفاً خارجياً، بل حياة يومية يعيشها المواطن في قسم الشرطة، والمحكمة، والمستشفى، والمدرسة، ومكان العمل، والشارع.
من هنا، فإن مشروع القانون الجديد يجب أن يخرج من منطق التعديل الشكلي إلى منطق التأسيس الحقيقي، فنحن نحتاج إلى قانون يجعل المجلس قادراً على الحركة، لا مقيداً بحسابات البيروقراطية. قادراً على الرقابة، لا محكوماً بالمجاملة. قادراً على الكلام، لا منشغلاً بالعبارات الآمنة، وقادراً على الإنصات للناس، لا الاكتفاء بمخاطبة المؤسسات.
فالمجلس القومي لحقوق الإنسان لا يُطلب منه أن يكون معارضاً سياسياً، ولا أن يدخل في صدام مع الدولة، ولا أن يتحول إلى منصة للشعارات؛ فالمطلوب منه أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن يكون مستقلاً، مهنياً، شجاعاً، ودقيقاً، وأن يقول أين يوجد تقدم، وأين يوجد تعثر، وما الذي يحتاج إلى إصلاح، ومن الجهة المسؤولة، وكيف يمكن المتابعة، وإذا كان القانون الجديد قادراً على منح المجلس هذه المساحة، فسنكون أمام خطوة حقيقية. أما إذا اكتفى بتعديل الصياغات دون أن يغير قواعد العمل، فسنبقى أمام مؤسسة تحمل اسماً كبيراً لكن أدواتها أقل من مهمتها.
فالموافقة داخل اللجنة ليست نهاية المطاف، بل هي بداية سؤال يجب أن يبقى حاضراً حتى آخر مرحلة من مراحل التشريع: هل نحن بصدد قانون يقوي المجلس فعلاً؟ هل يضمن استقلاله؟ هل يحمي تصنيفه؟ هل يوسع ثقة الناس فيه؟ وهل يجعل منه مؤسسة قادرة على أن تكون ضميراً وطنياً هادئاً، لا ديكوراً دستورياً أنيقاً؟ القوانين لا تقاس بعدد موادها، بل بما تفتحه من أبواب. وهذا القانون تحديداً يجب أن يفتح باباً لاستقلال حقيقي، لأن المجلس القومي لحقوق الإنسان إذا قوي، لم تضعف الدولة، بل ازدادت ثقة وقدرة على الإصلاح. أما إذا بقيت الاستقلالية مجرد كلمة في النص، فسندور مرة أخرى في الدائرة نفسها: قانون جديد، مؤسسة قديمة، وأسئلة مؤجلة.
والأمل أن تكون هذه المرة مختلفة.
الأكثر قراءة
-
تفاصيل صادمة في واقعة سرقة وشروع في قتل مسنة.. "الجليسة المطرودة" خططت للانتقام
-
بعد 11 عاما على كارثة الطائرة الروسية.. القضاء المصري يحسم دعوى تعويضات بـ94 مليون دولار (انفراد)
-
والد "طفلة الشروق" يكشف حقيقة صلته بواقعة طالبة الشرقية (خاص)
-
مشاهدة مباراة البرازيل ضد اليابان بدور الـ32 في كأس العالم 2026.. مجانا
-
"الحمد لله في أصعب مرض".. رسالة مؤثرة من هبة مجدي تثير تفاعل متابعيها
-
الداخلية تكشف ملابسات ابتزاز سيدة أجنبية ببورسعيد وضبط المتهم
-
موعد امتحان الكيمياء للثانوية العامة 2026.. هل سيتم تأجيله؟
-
هبة مجدي.. المرض الذي لم تلتقطه الكاميرا
مقالات ذات صلة
إذا كان القطاع الخاص يخلق الوظائف.. فلماذا نزاحمه؟
21 يونيو 2026 10:39 ص
اجتماع القاهرة من وقف الموت إلى ترتيب الحياة في غزة
11 يونيو 2026 10:28 ص
قانون الأسرة.. الجدل سيد الموقف
30 مايو 2026 06:24 م
الإصلاح الإداري في مصر ومشكلة اختيار المديرين
19 أبريل 2026 05:31 م
أكثر الكلمات انتشاراً