السبت، 11 يوليو 2026

07:53 م

بتوجيهات السيسي حول الكشافين.. هل حان وقت عودة "عبده البقال"؟

الرئيس السيسي

الرئيس السيسي

حين تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن ضرورة وجود "كشافين متجردين" لاكتشاف المواهب الشابة، لم يكن يتحدث عن فكرة عابرة أو مجرد مقترح لتطوير منظومة كرة القدم، بل أشار إلى أحد أهم أسرار النجاح في اللعبة الحديثة، وإلى ركيزة أساسية تعتمد عليها أكبر الأندية والمنتخبات في العالم لبناء أجيال قادرة على المنافسة وحصد البطولات.

وأشاد الرئيس بما قدمه المنتخب الوطني في كأس العالم خلال التكريم الذي أقيم اليوم السبت، وأكد أن مصر تمتلك العديد من المواهب القادرة على الوصول إلى أعلى المستويات، لكن هذه المواهب تحتاج إلى من يكتشفها مبكرًا، ويمنحها الفرصة بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى، مع تأكيد استعداد الدولة لدعم الكفاءات والجهاز الفني الوطني.

وفي عالم كرة القدم اليوم، لم تعد صناعة النجوم تعتمد فقط على مهارة اللاعب داخل الملعب أو رؤية المدرب، بل أصبحت منظومة متكاملة تقوم على التحليل والبحث والاستكشاف، حيث تتنافس الأندية الكبرى على الوصول إلى الموهبة قبل أن تتحول إلى نجم عالمي.

ومن هنا تبرز أهمية كشاف المواهب، ذلك الشخص الذي يعمل بعيدًا عن الأضواء، لكنه قد يكون صاحب القرار الأهم في مستقبل أي نادٍ أو منتخب. فخلف كل صفقة ناجحة، وخلف كل لاعب أصبح نجمًا عالميًا، توجد عين رصدته في الوقت المناسب، وآمنت بإمكاناته قبل الجميع.

ولا تقتصر مهمة الكشاف على متابعة الأرقام والإحصائيات أو مشاهدة أهداف اللاعبين، بل تعتمد على خبرة عميقة وقدرة استثنائية على قراءة التفاصيل التي لا تظهر في البيانات، مثل شخصية اللاعب، وقوة عقليته، وقدرته على التعلم والتطور، وطريقة تعامله مع الضغوط، وروحه داخل الملعب وخارجه.

فالكشاف الحقيقي لا يبحث فقط عن لاعب سريع أو صاحب تمريرات متقنة، بل يبحث عن الشجاعة، والذكاء، والإبداع، والرغبة المستمرة في التطور، وهي الصفات التي تصنع الفارق بين لاعب موهوب ونجم قادر على تمثيل منتخب بلاده في أكبر المحافل، وهو ما يتوافق مع رؤية الرئيس بضرورة بناء منظومة حقيقية لاكتشاف المواهب ومنحها الفرصة لتمثيل مصر في المستقبل.

90 دقيقة لمراقبة لاعب واحد فقط

ومن أصعب جوانب عمل كشاف المواهب أنه قد يحضر مباراة كاملة لكنه لا يتابع النتيجة أو أداء الفريق، بل يركز على لاعب واحد فقط طوال الـ90 دقيقة.

قد يلمس اللاعب الكرة لعدة دقائق فقط خلال المباراة، لكن الكشاف يراقب كل تحركاته، سواء عندما تكون الكرة معه أو بدونه، وكيف يتحرك في المساحات، وكيف يتصرف تحت الضغط.

وبعد عدة مباريات من المتابعة، يبدأ الكشاف في إعداد تقرير مفصل عن اللاعب، قد يصل إلى عشرات الصفحات، يتضمن نقاط القوة والضعف، إمكانيات التطور، مدى ملاءمته للفريق، وحتى شخصيته وعلاقاته خارج الملعب.

مع تطور التكنولوجيا، لم يعد الكشاف يعتمد فقط على السفر وحضور المباريات من المدرجات، حيث أصبحت تطبيقات تحليل اللاعبين توفر كميات ضخمة من المعلومات والفيديوهات.

وتتيح هذه المنصات للأندية مشاهدة اللاعب من زوايا مختلفة، وتحليل تحركاته، تمريراته، تمركزه، مشاركته الدفاعية والهجومية، إضافة إلى الخرائط الحرارية والإحصائيات المتقدمة.

لكن رغم كل هذا التطور، يؤكد الخبراء أن التكنولوجيا لا يمكن أن تلغي دور الإنسان، لأن الأرقام لا تستطيع قياس شخصية اللاعب أو مدى قدرته على التأقلم مع فريق جديد.

العين والبيانات

بعد إعداد تقرير الكشاف، ينتقل الملف إلى رئيس قسم الكشافين داخل النادي، الذي يراجع المعلومات وقد يطلب متابعة إضافية أو إرسال كشاف آخر للتأكد من التقييم.

وفي حال اقتناع النادي باللاعب، تبدأ مراحل أخرى تتعلق بالمدرب والمدير الرياضي والجوانب المالية والتفاوض مع النادي ووكيل اللاعب.

وهنا تظهر أهمية الكشاف، فقد يوفر على الأندية ملايين الجنيهات أو الدولارات من خلال اكتشاف لاعب موهوب قبل ارتفاع سعره.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك تعاقد بعض الأندية مع لاعبين بأسعار منخفضة ثم بيعهم لاحقًا بمبالغ ضخمة، وهي السياسة التي اشتهرت بها أندية مثل بوروسيا دورتموند الألماني وليل الفرنسي وعلى المستوى المحلي الإسماعيلي وأكاديمية بارادو بالجزائر في اكتشاف المواهب الشابة.

ورغم اعتماد الأندية الكبرى على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، فإن الخبرة البشرية لا تزال عنصرًا أساسيًا في اختيار اللاعبين.

فالبيانات قد تخبر النادي بأن لاعبًا يملك أرقامًا مميزة، لكنها لا تستطيع وحدها الإجابة عن أسئلة مهمة، هل يمتلك الشخصية المناسبة؟ هل يستطيع تحمل ضغط اللعب في فريق كبير؟ هل سينسجم مع زملائه؟

لهذا أصبحت صناعة كرة القدم الحديثة تعتمد على مزيج بين التكنولوجيا وخبرة الكشاف، حيث تلتقي الأرقام مع العين البشرية لصناعة القرار الصحيح.

"عم الكشافين"

ولم تكن هذه الفكرة وليدة العصر الحديث، بل كان لها نماذج بارزة في تاريخ الكرة المصرية، عندما كان اكتشاف اللاعبين يعتمد بشكل كامل على العين الثاقبة والخبرة الطويلة، لا التكنولوجيا ولا قواعد البيانات ولا برامج تحليل اللاعبين.

ومن أبرز هذه النماذج عبده البقال، كشاف النادي الأهلي الشهير في حقبتي الستينيات والسبعينيات، والذي عُرف بلقب "عم الكشافين".

ويُعد عبده البقال، واسمه الحقيقي عبد المنعم حسن، أحد أبرز مكتشفي المواهب في تاريخ كرة القدم المصرية، بعدما أمضى أكثر من أربعة عقود داخل النادي الأهلي، كرّس خلالها حياته للبحث عن المواهب في مختلف المحافظات والقرى والأحياء الشعبية.

واشتهر بدوره الكبير في اكتشاف العديد من النجوم الذين أصبحوا لاحقًا من أساطير الكرة المصرية، بعدما نجح في استقطابهم إلى صفوف الأهلي، ليترك بصمة استثنائية في تاريخ القلعة الحمراء.

ورغم أن اسمه قد لا يكون حاضرًا بقوة لدى الأجيال الحديثة، فإن جماهير الأهلي القديمة تعرف جيدًا قيمة الرجل الذي جاب المحافظات والبلدان بحثًا عن لاعبين قادرين على صناعة الفارق، حتى أصبح يُلقب بـ"عم الكشافين" لما قدمه من خدمات للنادي واكتشافات صنعت تاريخ الفريق.

وبدأت قصة عبده البقال مع الأهلي في فترة الستينيات، عندما كان النادي يبحث عن تدعيم صفوفه خلال جيل ضم أسماء كبيرة مثل صالح سليم ورفعت الفناجيلي وإسماعيل رافت، وميمي الشربيني.

عبده البقال مع ميمي الشربيني

وطلب علي زيوار، مدير الكرة بالنادي الأهلي آنذاك، من عبده البقال البحث عن لاعبين جدد يستطيعون إضافة القوة للفريق، ليبدأ الرجل رحلته في اكتشاف المواهب.

ولم يكتفِ عبده البقال بالمشاهدة التقليدية، بل كان يبحث في كل مكان عن اللاعب الذي يمتلك الموهبة والشخصية، حتى سافر إلى دمياط وعاد بجوهرة خط الوسط التي أصبحت فيما بعد أحد أعظم لاعبي الكرة المصرية رفعت الفناجيلي.

ويُعد الفناجيلي واحدًا من أبرز لاعبي الوسط في تاريخ الأهلي ومنتخب مصر، حيث امتلك مهارات استثنائية جعلته قادرًا على التألق في أي عصر.

جيل التلامذة 

مع بداية جيل السبعينيات، دخل الأهلي مرحلة إحلال وتجديد، وكان الفريق بحاجة إلى عناصر جديدة تساعده على مواصلة النجاح.

وكعادته، واصل عبده البقال مهمته، ولم يتوقف بحثه داخل مصر فقط، بل سافر إلى الخارج من أجل الوصول إلى المواهب، وكانت له رحلة إلى كندا نجح خلالها في الوصول إلى أحد اللاعبين المميزين، وهو طارق الشيخ، الذي انضم للأهلي وقدم إضافة كبيرة في مركز خط الوسط وصناعة اللعب.

كان لعبده البقال دور كبير في الوصول إلى مواهب أصبحت علامات بارزة في تاريخ الأهلي، ومن بين الأسماء التي ارتبط بها مصطفى عبده، أحد أشهر نجوم الأهلي في السبعينيات والثمانينيات، والذي أصبح قائد الأحمر.

كما اكتشف محسن صالح، نجم الأهلي السابق ومدرب الإسماعيلي ومنتخب مصر السابق، الذي ترك بصمة في الكرة المصرية، وأيضا محمد عامر الذي كان من اللاعبين المميزين في مركز الهجوم، وأيضا ربيع ياسين الظهير التاريخي، وثابت البطل أحد أفضل حراس الكرة المصرية، ومختار مختار الجناح الأنيق والمدرب المتميز فيما بعد.

ثابت البطل

واكتشف البقال، أيضا “أيوب الكرة المصرية” أحمد شوبير، حارس الأهلي ومنتخب مصر السابق، الذي بدأ مسيرته قبل أن يصبح أحد أشهر حراس الكرة المصرية.

كما ساهم عبده البقال في اكتشاف ودعم العديد من اللاعبين الذين ساعدوا الأهلي على بناء أجيال قوية.

مدرسة الكشاف الحقيقي

تميز عبده البقال بأسلوب مختلف في اكتشاف اللاعبين، فلم يكن يعتمد فقط على مهارة اللاعب بالكرة، بل كان يبحث عن الشخصية والذكاء والقدرة على التطور وتحمل الضغوط.

وفي وقت لم تكن فيه الأرقام والإحصائيات المتقدمة متاحة، كانت عين الكشاف هي الأداة الأهم، وهو ما جعل بعض الكشافين في تلك الفترة قادرين على صناعة الفارق للأندية.

رحل عبده البقال، لكن اسمه بقي حاضرًا في ذاكرة النادي الأهلي، بعدما كان وراء اكتشاف لاعبين ساهموا في كتابة تاريخ الفريق وصناعة أمجاده.

فقد كان نموذجًا للكشاف الذي لا يبحث فقط عن لاعب جيد، بل عن نجم قادر على ترك بصمة، ولذلك ظل يُذكر باعتباره واحدًا من أعظم من عملوا في مجال اكتشاف المواهب داخل القلعة الحمراء.

اقرأ أيضا:

مبابي يواصل كتابة التاريخ.. أول لاعب يصل إلى 100 مساهمة تهديفية مع منتخب فرنسا


 

search