الأربعاء، 15 يوليو 2026

02:20 ص

مجدي عبد الغني.. فكرة لا تموت

هناك شعوب تحتفل بما أنجزته، وهناك شعوب تحتفل بما اقتربت من إنجازه، وبين الاحتفالين مسافة تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة تصنع الفارق بين عقلية تبحث عن القمة، وعقلية تكتفي بأن تلمحها من بعيد. فالمشكلة ليست في الفرح، فالفرح حق مشروع، بل ضرورة إنسانية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفرح إلى إقامة دائمة، وعندما يصبح الإنجاز محطة أخيرة لا خطوة أولى، وعندما نرفع اللافتات فوق منتصف الطريق وكأننا بلغنا النهاية.

في كرة القدم المصرية، يبدو أننا وقعنا في هذا الفخ منذ زمن طويل، فالتأهل إلى دور الستة عشر من كأس العالم إنجاز حقيقي، لا يمكن التقليل منه، ولا يجوز التعامل معه باعتباره أمراً عادياً؛ فالوصول إلى هذا الدور يعني أن منتخباً عبر مرحلة صعبة، ونافس، وحقق نتائج تستحق الاحترام. لكن الاحترام شيء، وتحويل الأمر إلى بطولة مستقلة شيء آخر تماماً.

دور الستة عشر ليس منصة التتويج، بل إنه مجرد محطة في بطولة لا تزال مستمرة، فالمنتخبات الكبيرة تعرف ذلك بالفطرة؛ ولذلك لا تتعامل مع بلوغه باعتباره نهاية الحلم، بل بداية امتحان أكثر صعوبة. أما عندما يصبح مجرد الوصول مناسبة تكفي لسنوات طويلة من الاحتفال، فإن المشكلة لا تكون في كرة القدم وحدها، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى النجاح.

وهنا تظهر الحكاية التي لم تغادر الذاكرة المصرية منذ أكثر من ثلاثة عقود؛ فهدف مجدي عبد الغني في مرمى هولندا خلال كأس العالم 1990 ليس مجرد هدف في سجلات الفيفا، بل أصبح أحد أكثر الأهداف حضوراً في الثقافة الرياضية المصرية. يتكرر في البرامج، وفي المقابلات، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصبح جزءاً من الذاكرة الشعبية.

لا أحد ينكر قيمة الهدف، فهو أول أهداف مصر في كأس العالم بعد عقود طويلة من الغياب، وسُجل في مرمى منتخب كبير، لكنه في النهاية هدف من ركلة جزاء، في مباراة انتهت بالتعادل، خرج بعدها المنتخب من الدور الأول.

هذه حقائق لا تنتقص من صاحب الهدف، لكنها تضعه في حجمه الطبيعي، فالمفارقة أن الزمن لم يتعامل معه باعتباره ذكرى جميلة، بل حوله إلى رمز دائم، وكأن الكرة المصرية توقفت عند تلك اللحظة، أو كأنها وجدت فيها تعريفاً كاملاً للنجاح.

ومن هنا تبدأ الفكرة الحقيقية؛ مجدي عبد الغني لم يعد شخصاً، بل أصبح فكرة. فكرة تقول إن الوصول يكفي، وإن المشاركة يمكن أن تتحول إلى بطولة، وإن لحظة واحدة قادرة على أن تمنح صاحبها رصيداً يكفي لعقود، حتى لو لم تتبعها خطوات أكبر.

هذه ليست مسؤولية مجدي عبد الغني الإنسان، ولا ذنبه أن الناس احتفظت بهدفه في الذاكرة، فالرجل حقق ما حققه داخل الملعب، وهذا يُحسب له، ولكن المشكلة أن المجتمع الرياضي المصري صنع من تلك اللحظة فلسفة كاملة، ثم بدأ يكررها في كل مناسبة.

ولهذا يمكن أن نتحدث اليوم عن "منتخب مجدي عبد الغني"، لا باعتباره منتخباً يضم الرجل، وإنما باعتباره منتخباً يحمل الفكرة نفسها؛ منتخب يحتفل بالوصول أكثر مما يفكر فيما بعد الوصول، ويرى في تخطي محطة إنجازاً نهائياً، لا بداية لمسار أطول. لو عدنا إلى تاريخ كأس العالم، سنجد عشرات المنتخبات التي بلغت دور الستة عشر ثم ودعت البطولة. بعضها خرج بركلات الترجيح، وبعضها خسر بصعوبة أمام أبطال العالم، وبعضها قدم عروضاً أبهرت الجميع.

لكن كم منتخباً منها ظل يحتفل بهذا الإنجاز لعشرات السنين؟ الجواب يكاد يكون واضحاً.

لأن أغلب هذه المنتخبات كانت تنظر إلى البطولة باعتبارها مشروعاً مستمراً، فإذا خرجت من دور الستة عشر، كان السؤال الطبيعي: كيف نصل إلى ربع النهائي في النسخة القادمة؟ وإذا وصلت إلى ربع النهائي، أصبح الهدف نصف النهائي، ثم النهائي، ثم اللقب.

النجاح عندهم سلم، أما عندنا، فكثيراً ما يتحول إلى مقعد مريح نجلس عليه طويلاً، وهذا ما يجعل أي نقاش بعد مباراة كبيرة يبدو وكأنه اعتداء على الإنجاز نفسه. 

خذ مثلًا مباراة الأرجنتين. لا خلاف على أن المنتخب تعرض لقرارات تحكيمية مثيرة للجدل، وأن هناك حالات تستحق النقاش، وربما كان لها تأثير مباشر في مجريات اللقاء، فالاعتراف بذلك ليس مجاملة، بل توصيف لما شاهده كثيرون. لكن هل يكفي الظلم التحكيمي لإغلاق باب النقاش الفني؟ الإجابة لا.

لأن الحكم، مهما أخطأ، لم يكن هو من يدير الدقائق الأخيرة، ولم يكن هو من يختار التبديلات، ولم يكن هو من يحدد شكل الفريق بعد التقدم بهدفين، فهذه مسؤولية الجهاز الفني، مثلما أن القرارات التحكيمية مسؤولية الحكم.

يمكن أن يجتمع الأمران في مباراة واحدة، ويمكن أن يكون المنتخب قد تعرض لظلم، وفي الوقت نفسه ارتكب أخطاء ساهمت في النتيجة؛ لا يوجد تناقض بين الفكرتين، إلا إذا كنا نبحث عن شماعة أكثر مما نبحث عن تفسير.

في الدقائق الأخيرة، بدا المنتخب وكأنه فقد قدرته على إدارة المباراة؛ تراجع الخطوط بصورة كبيرة، وتقلصت المسافات التي كان يضغط بها، وتحولت الأفضلية النفسية إلى الطرف الآخر، فلم يعد الفريق هو من يفرض إيقاعه، بل أصبح يتفاعل مع ما يفعله المنافس.

هذه ليست ملاحظات هدفها التقليل من المدرب أو النيل من شخصه، فحسام حسن يملك تاريخاً كبيراً لاعباً، ويعمل مدرباً تحت ضغط هائل، ومن الطبيعي أن يُحسب له ما ينجح فيه، ولكن من الطبيعي أيضاً أن تُناقش قراراته الفنية عندما تكون محل جدل، فالنقد الرياضي يفقد قيمته إذا تحول إلى تصفيق دائم، مثلما يفقدها إذا تحول إلى هجوم شخصي.

المنتخبات الكبيرة لا تعتبر مراجعة الذات نوعاً من جلد النفس، بل تعتبرها جزءاً من الفوز القادم، كم مرة خرجت منتخبات كبرى من بطولات وهي تتحدث أولاً عن أخطائها قبل أن تتحدث عن أخطاء الحكام؟ ليس لأنها تنكر الظلم، وإنما لأنها تعرف أن ما تستطيع تغييره هو أداؤها، لا صافرة الحكم. وهنا يعود شبح "الفكرة" مرة أخرى.

حين يقتنع مجتمع كروي بأن مجرد الوصول يكفي، يصبح النقد مزعجاً، لأن أي ملاحظة تبدو وكأنها محاولة لسرقة فرحة الناس، بينما الحقيقة أن النقد هو الوجه الآخر للطموح. من يحب فريقه لا يطالبه بالبقاء في المكان نفسه، بل يطالبه بأن يتقدم.

الإعلام أيضاً يتحمل جزءًا من المسؤولية؛ فالاحتفال مطلوب، لكنه يحتاج إلى ميزان، عندما تتحول كل خطوة إلى ملحمة، وكل مباراة جيدة إلى معجزة، وكل خروج مشرف إلى نصر معنوي، فإن الرسالة التي تصل إلى الأجيال الجديدة تصبح خطيرة، رسالة تقول إن سقف الحلم ليس بعيداً، وأن تجاوز دور أو دورين يكفي ليمنحك مكاناً دائماً في الذاكرة.

حين يرى الطفل أن تخطي دور أو دورين يكفي ليصبح صاحبه بطلاً خالداً، فما الذي سيدفعه إلى أن يحلم بأكثر؟

فالطموح، مثل العضلة، يضعف إذا لم يُستخدم؛ ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله بكرة القدم المصرية ليس أن ننتقدها، بل أن نقنعها بأنها وصلت، بينما هي لا تزال في منتصف الطريق.

لا أحد يطلب من الجماهير أن تكف عن الفرح، ولا من اللاعبين أن يعتذروا عن إنجاز حققوه، فالمطلوب فقط أن يكون الفرح بداية سؤال جديد، لا نهاية كل الأسئلة. أن يكون النجاح وقوداً، لا وسادة، وأن يصبح كل إنجاز أصغر من الحلم التالي. عندها فقط، لن يعيش هدف واحد ثلاثين عاماً لأنه لم يجد من ينافسه، ولن تتحول محطة عابرة إلى عنوان دائم لذاكرة أمة كروية.

ولعل هذه هي الخلاصة كلها. فالمشكلة ليست في مجدي عبد الغني الإنسان، فهو لاعب أدى دوره في لحظة من التاريخ، واستحق مكانه فيها، بينما المشكلة في "فكرة مجدي عبد الغني"؛ تلك الفكرة التي أقنعتنا، منذ صيف 1990، بأن الوصول يمكن أن يكون نهاية الحكاية، لا بدايتها.

والأمم لا تُقاس بما تتذكره... بل بما تجرؤ على أن تحلم به بعد كل إنجاز.

search