الأربعاء، 15 يوليو 2026

06:25 م

الغيرة والاكتئاب من صور الأصدقاء في الساحل.. متى تصبح خطيرة؟

توثيق اللحظات على الشاطئ

توثيق اللحظات على الشاطئ

لم تعد إجازة الصيف التي يفصل خلالها الناس عن ضغوط عملهم كالسابق؛ إذ أصبحت، في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فرصة لاستعراض النفس بتوثيق اللحظات عبر الصور والفيديوهات، الأمر الذي تحول إلى "ساحة منافسة"، ما أدى إلى استنزاف نفسية آخرين يشاهدون في صمت، وقد تولّد لديهم "الخوف من فوات الأشياء".

في ظل ما يعيشه البعض من شعور بالغيرة والاكتئاب من الأصدقاء الذين يسافرون إلى الأماكن الباهظة ويشاركون الصور المبهرة، والمقارنة غير العادلة، هنا لا بد من معرفة أسباب تلك الأحاسيس، ومتى تصبح مؤشرًا خطيرًا يتطلب تدخل العلاج النفسي.

لماذا يشعر الفرد باكتئاب عند رؤية صور الأصدقاء في الساحل؟

قالت استشاري الصحة النفسية، الدكتورة إيمان عبد الله، إن التفسير النفسي للشعور بالضيق أو الاكتئاب المؤقت، والغيرة عند رؤية صور الأصدقاء في الساحل، يعود إلى مقارنة الإنسان نفسه بالآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي تبالغ في تعظيم الموقف، وهو في الواقع يكون عاديًا.

وأضافت إيمان عبد الله لـ"تليجراف مصر"، أننا نقع هنا في "المقارنة الاجتماعية" التي تجعل الفرد يعتقد أنهم يعيشون في بذخ ونعيم ليس له أول من آخر، متابعة أن المشكلة هنا أنه يرى النسخة المنتقاة بعناية لحياة الناس، أو التي فيها شق تجميلي، مثل الصور أو الفيديوهات المعدلة بـ"فلتر"، أو المناظر التي يتم التعديل على خلفيتها.

الدكتورة إيمان عبد الله
الدكتورة إيمان عبد الله

وأشارت عبد الله إلى أن تلك النسخة المنتقاة من حياة الناس تكون أحيانًا حياة مزيفة، وعندما يقارنها الفرد بكل تفاصيل حياته من الضغوط، والمسؤوليات، والنكد، والمشاكل، والهموم، هنا ينشأ شعور مزيف بأن الناس كلها سعداء ومرتاحون، فيما عدا "هو".

الخوف من فوات الأشياء.. ألم نفسي يُستثار

ولفتت استشاري الصحة النفسية إلى أن رؤية الفرد للآخرين وهم يستمتعون بالشواطئ والمناظر الخلابة وغيرها من الأمور، تثير نفسيًا ما يعرف بـ"الخوف من فوات الأشياء"؛ فيبدأ الفرد بالحديث مع نفسه قائلًا: "أنا كده مش هلحق أعمل زيهم - ما عنديش وقت - ما عنديش فلوس"، وهنا يشعر أنه يفقد شيئًا مهمًا في حياته، حتى إذا لم يكن لديه رغبة في الذهاب إلى تلك الأماكن.

الغيرة هي الجزء "الأقوى".. كيف تؤثر على العلاقة بالأصدقاء؟

وتطرقت استشاري الصحة النفسية إلى أن الجزء الأقوى هو الغيرة من مكانة الشخص؛ إذ يظن الفرد أن ذلك الشخص لديه شعور بالحرية، وكذلك حب الناس له، أو جماله، وكذلك استمتاعه وراحته، فالعقل هنا يترجم هذا الاحتياج إلى غيرة مما بين أيدي الناس.

أما بالنسبة للكيفية التي تؤثر بها مشاعر الغيرة والضيق على علاقة الشخص بأصدقائه والمقربين، شرحت الاستشارية أن الشخص يبدأ في تجاهل الرسائل والصور، وكذلك يقلل من قيمة الناس، والحديث بشكل سلبي عنهم، كما يمكن أن يقلل التواصل مع الأصدقاء، لافتة إلى أن المشكلة ليست في الصديق، ولكن في الألم الذي يستيقظ لديه.

شخص يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي
شخص يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي

لماذا يتحول الصيف من فترة استرخاء إلى ساحة منافسة؟

وأكملت استشاري الصحة النفسية حديثها قائلة: "الصيف اتحول من فترة للراحة والاسترخاء إلى ساحة للمنافسة وساحة للاستعراض، وأصبح يمثل ضغوطًا على الفرد والمجتمع؛ لأن السوشيال ميديا غيرت مفهوم الإجازة، فقديمًا كانت الصور يتم التقاطها لتُحفظ داخل الألبوم العائلي، وليست عبر صفحات التواصل الاجتماعي وما يصاحبها من إعجابات وتعليقات".

وتابعت الدكتورة إيمان أن الشخص الذي يقوم بذلك يشعر بأنه مطالب بإثبات ذاته، من نزهات وإنفاق، وكأنه يحتاج إلى إمضاء بصمة دخول الصيف كتلك التي في العمل.

ماذا تفعل صور الساحل بالفرد؟

وبحسب الدكتورة إيمان، فإن معظم الناس يتولد لديها ضغط في أن تكون سعيدة وتقضي وقتًا جيدًا، وهنا تحدث نتائج غير مرضية، إذ ينخفض الرضا عن الحياة، كما يتولد شعور دائم بأنه ينقصه شيء، فضلًا عن استنزاف راحته النفسية والمادية، وربط قيمته بمظهر حياته، وصوره، وفيديوهاته، وليست جودتها الحقيقية.

متى يصبح الشعور بالدونية أو الاكتئاب مؤشرًا خطيرًا؟

لفتت استشاري الصحة النفسية إلى أنه إذا كان شعور الاكتئاب أو الدونية يختفي بعد ساعات أو أيام، فهو غالبًا استجابة طبيعية للمقارنة التي وضع الفرد فيها نفسه، أما إذا استمر، مثلًا، كـ"حزن مستمر"، ويصحبه اضطرابات في النوم والطعام، سواء بالزيادة أو بالنقصان، مع فقدان الطاقة، ووخم، وكسل شديد جدًا، فضلًا عن الانسحاب من العلاقات الاجتماعية، هنا يتولد لديه انخفاض في تقدير الذات بشكل واضح جدًا، وفقدان الاستمتاع بالحياة، وتلك أهم نقطة.

وتابعت الاستشارية النفسية قائلة: "هنا أنت دخلت في اضطراب اكتئابي أو أزمة نفسية تستحق إنك تيجي العيادة نقيم ونشخص ونعمل لك طبعًا خطة علاجية".

صور الأصدقاء على الشاطئ
صور الأصدقاء على الشاطئ

الساحل ليس السبب.. الفرد أسير لما يملكه الآخرون

وأكدت استشاري الصحة النفسية أن الاكتئاب ليس السبب، بل السبب دائمًا بداخلنا؛ إذ نركز على ما يملكه الناس وما ينقصنا نحن، فالمشكلة في الطريقة التي يفسر بها الفرد ما يراه، فكلما بنى قيمته على المقارنة، أصبح أسيرًا لما يملكه الآخرون، مما يوقعه في "بؤر نفسية رهيبة"، ويفقده العلاقات الحقيقية السوية، مضيفة: "علم النفس يرى أن الإنسان لا يتألم من الحدث نفسه، وإنما من المعنى الذي يعطيه لهذا الحدث".

أخطاء معرفية يقع فيها الدماغ

هنا يقع الدماغ في عدة أخطاء، حسبما أوضحت الاستشارية النفسية، من بينها الاستنتاج المتسرع بسعادة الشخص الذي يراه يضحك في الصورة، ثم ينتقل إلى نقطة ثانية وهي "الانتقاء المعرفي"؛ إذ يرى أفضل لحظات الآخرين ويتجاهل أيامهم العادية ومشاكلهم، فضلًا عن ربط القيمة الذاتية بالمكانة الاجتماعية.

الناس لا تعيش اللحظة بقدر اهتمامهم بمشاركتها

وأكملت حديثها قائلة: "الناس لا تعيش اللحظة بقدر ما يهتمون بكيف ستبدو للناس، وهنا يدخل الإنسان فيما يسمى إدارة الانطباع، هو مش حاسس باللحظة الحالية ولا بجمالها، المهم أنه يوثق، ومش مهم عنده إزاي هتبان للناس، قد ما هو عايز الناس تقول له واو".

الصور لا تخلق أزمة

ولفتت إلى أن الصور لا تخلق أزمة، بل تكشف شيئًا؛ فالأشخاص الأكثر عرضة للتأثير غالبًا لديهم هشاشة في تقدير الذات أساسًا، واحتياج كبير للقبول الاجتماعي، كما أن لديهم شعورًا بعدم الكفاءة، فضلًا عن الضغوط المالية، والفراغ النفسي أو العاطفي.

والصورة هنا، كما أوضحت استشاري الصحة النفسية، هي محفز يوقظ جرحًا قديمًا، يوقظ فقرًا أنا عايشة فيه، الذي بدوره يؤثر على المشاعر والعلاقات، ويصبح هناك فتور وانسحاب، والأهم هنا معرفة كيف يحمي الفرد نفسه من خلال مراقبة أفكاره وقت المقارنات.

توثيق اللحظات
توثيق اللحظات

الخطوات العملية لضمان السلامة النفسية

وشرحت استشاري الصحة النفسية مجموعة من الخطوات العملية التي لا بد من اتخاذها لضمان السلامة النفسية في موسم الصيف، وتتمثل في الآتي:

  • تقليل استخدام السوشيال ميديا.
  • عدم مقارنة النفس بحياة الآخرين؛ فكل حياة تختلف عن الأخرى.
  • تنمية الحياة والتركيز فيها.
  • تقليل المكوث والمراقبة على السوشيال ميديا.
  • استخدام وسائل التواصل فيما يفيد.
  • الحديث مع النفس قائلًا: "حياتهم مش كاملة بالشكل ده، دي لقطة ثانية في قلب 24 ساعة، صناعة اللحظات السعيدة مش بالإمكانيات، الراحة النفسية لا ترتبط بمكان معين ولا ترتبط ببحر، الراحة لازم لها سعادة داخلية مش خارجية".
  • أن يكون هناك جزء من الامتنان لما يملكه الفرد يوميًا، بدلًا من التركيز على ما ينقصه.
  • صنع لحظات سعادة مناسبة للإمكانيات وللراحة النفسية، وليست مرتبطة بمكان معين.
  • الانشغال دائمًا بأنشطة حقيقية لتفريغ الطاقة بشكل جيد، والاستمتاع مع الأسرة والتنزه معها، وعمل مكافآت للنفس، حتى بمشاهدة فيلم قديم.
  • سؤال النفس دائمًا: "هل أنا أريد هذه الحياة فعلًا أم أريد فقط ألا أشعر أنني أقل من غيري؟"، إذ يكشف ذلك حقائق كثيرة جدًا.

اسعَ إلى الحياة التي تناسبك

واختتمت الدكتورة إيمان قائلة: "قد إيه الدنيا كانت جميلة عشان عيونا داخل أجسامنا وفي رأسنا وعقلنا، طول ما عينك برة مراقبة، طول ما أنت هتتعب ومش هتحس بجمال ما لديك من نعم، وهينوبك اضطرابات ومقارنات، وطبعًا بنقول إن أخطر ما تفعله في نفسك هو المقارنة؛ لأنها هتخليك عايش في حياة الآخرين، وتفقد القدرة على رؤية الدنيا بالعين الحقيقية وبعين نفسك، فتصبح قيمتك معتمدة على ما تراه وعايز تقلده".

وتابعت: "اسعَ إلى الحياة التي تناسبك، والتي تمنحك شعورًا حقيقيًا بالمعنى والرضا والسعادة، بغض النظر عن الشاشات والناس والصور والدراما وغيرها من الأشياء الأخرى".

اقرأ أيضًا:

من ضجيج المدن إلى سكون سيناء.. لماذا يفر الشباب بحثا عن الطبيعة؟

هل يمكن استرداد ثمن التذكرة؟.. 7 معلومات قبل حضور حفلات الساحل الشمالي

تابعونا على

search