عشريني بذاكرة معمر
هناك نوع من الحنين لا يتعلق بالأشخاص وحدهم، بل بالأماكن، بالحائط الذي شهد حديثًا عابرًا، بالشارع الذي عبرناه مئات المرات دون أن ندرك أنه سيصبح لاحقًا جزءًا من ذاكرتنا الثقيلة.. ربما أُصاب بهذا النوع من الحنين أكثر مما ينبغي، حتى أنني أحنّ إلى المباني القديمة كما يحنّ البعض إلى أحبائهم.
كلما مررت بمنطقة عشت فيها يومًا، أشعر أنني لا أعبر شارعًا بل أعبر زمنًا كاملًا؛ هنا كان يجلس فلان، وهناك وقفنا ذات مساء نضحك بلا سبب، وذلك البيت كانت شرفته مضاءة دائمًا، وهذه المنطقة كانت أكثر ازدحامًا، وتلك الشجرة كان شكلها غير الذي عليه الآن.
التفاصيل الصغيرة لا تموت داخلي؛ بل تتراكم عامًا بعد عام حتى أصبحت أحمل داخلي أرشيفًا هائلًا من الوجوه والأصوات والروائح والأماكن. أحيانًا أشعر أنني أعيش حياتين في وقت واحد، حياة الحاضر، وحياة أخرى لا تتوقف عن استرجاع الماضي.
لا أمرّ بمكان إلا ويستيقظ داخلي شخص قديم، أو نسخة قديمة مني، فأقف للحظات كأنني أرى الزمن متراكبًا فوق بعضه؛ الناس الذين رحلوا ما زالوا يتحركون في رأسي داخل تلك الشوارع، والبيوت القديمة ما زالت محتفظة بألوانها الأولى رغم أن الواقع تغير تمامًا.
الغريب أنني لم أتجاوز الثلاثين بعد، ومع ذلك أشعر بفرط حنين يكفي أعمارًا أطول بكثير.. أحيانًا أفكر: ماذا لو امتد بي العمر طويلًا؟ (وإن كنت لا أظن ذلك) كيف سيصبح هذا الحمل من الذكريات؟، أخشى أن يتحول الحنين مع الوقت إلى نوع من الجنون الهادئ؛ أن يصبح الإنسان محاصرًا بآلاف النسخ من العالم، كلها تعيش داخله في آن واحد.
أتساءل دائمًا عن المعمّرين، أولئك الذين تجاوزوا المائة عام: كيف يتعايشون مع تبدل الأزمنة بهذا الشكل القاسي؟ كيف يحتمل الإنسان أن يرى أجيالًا كاملة تختفي، ومدنًا تتغير ملامحها، ولغات وعادات ووجوهًا تتبدل حتى يكاد العالم الذي عرفه أول مرة يختفي تمامًا؟ كيف يتجاوز فقد الغالبية العظمى ممن عاشوا معه يومًا؟
أظن أن التقدم في العمر ليس مجرد شيخوخة للجسد، بل تراكم هائل للأشباح الحميمة؛ أشباح الأماكن والأشخاص والنسخ القديمة من الحياة، وربما لهذا يبدو بعض كبار السن صامتين أكثر من اللازم، ليس لأنهم لا يملكون ما يقولونه، بل لأن بداخلهم ضجيجًا كاملًا من الذكريات لا يمكن شرحه.
أما أنا، فما زلت في العشرينات، ومع ذلك أشعر أحيانًا أنني محمل بمدنٍ كاملة من الماضي.
الأكثر قراءة
-
تفاصيل وظائف الكهرباء الجديدة 2026.. بدون خبرة وبمرتب 15 ألف جنيه
-
كيف تحمي منزلك من السرقة خلال السفر؟.. حرامي تائب يوضح
-
سعر الدولار اليوم مقابل الجنيه المصري.. كم وصل سعر الصرف؟
-
ذروة الارتفاع غدا.. "الأرصاد" تكشف موعد انتهاء الموجة الحارة
-
"ماتضيعش وقتك".. مستند ترفضه “الكهرباء” في تحويل العدادات الكودية
-
استثمر 50 ألف جنيه.. واحصل على عائد يتخطى 44 ألفًا من بنك مصر
-
مصرع خمسيني وفتاة عشرينية صعقًا بالكهرباء عقب إخماد حريق في أسيوط
-
احصل على 8125 جنيهًا.. تفاصيل شهادات CIB الجديدة 2026
مقالات ذات صلة
إغلاق فروع شركات التمويل غير المصرفي.. الرقابة المالية توضح الحقيقة
21 يوليو 2026 10:48 م
قانون الضريبة العقارية الجديد.. حالات الإعفاء وإسقاط الدين
21 يوليو 2026 09:10 م
بعد انهيار أسعارها.. متى تشتري الفضة قبل موجة الارتفاع القادمة؟
21 يوليو 2026 08:10 م
الإسكان تستعد لطرح "سكن لكل المصريين".. خطوات الحجز والمستندات المطلوبة
21 يوليو 2026 05:44 م
أكثر الكلمات انتشاراً